مقالات متخصصة

ماما، عرفت أعملها لوحدي

 

لن أنسى اليوم الذى عرفت فيه أبتنى الكبرى أن تعقد رباط حذاء المدرسة بمفردها منذ أكثر من خمس عشر سنة ، وأتت إلى فرحة، ماما عرفت أعملها لوحدى ، وقتها شعرت بمشاعر مختلطة ما بين الفرح لأنها كبرت وعرفت وما بين انها لن تحتاجنى مرة أخرى فى عقد رباط حذاء المدرسة ، ولم أستطيع وقتها أن أميز هل هذه مشاعر طبيعية أم أنها مبالغ فيها ؟، وكنت وقتها حديثة العهد بفهم النفس البشرية ، فذهبت إلى المكتبة لأتعلم ولأجد الإجابة على تساؤلى ، هل من الجيد أن يقوم أولادى بخدمة أنفسهم بأنفسهم ، ووقتها ربما أكون مهددة بعدم احتياجهم لى كأم أن أعلمهم أن يعتمدوا على ذواتهم ، وإن كان الاختيار الأخير إلى أى مستوى أجعلهم يخدموا أنفسهم ويعتمدوا على ذواتهم ولا أشعر بالذنب فى هذا ؟؟ 
وقد أتت إلىّ الإجابة لتحسم أمرى ، فقد تعلمت أن فترة تربية الأطفال هى عبارة عن وقت أحافظ فيه على الأمانة التى استودعها الله بين يدى كما يريدها أن تكون وليس كما أريدها انا أن تكون ، وأن الهدف الاساسى الذى ينبغى على أن أسعى بكل جهدى له هو " كيف أُمَكن أولادى من الاعتماد على أنفسهم ومن استقلالهم النفسى ، وكيف امكنهم من المهارات اللازمة التى يحتاجوها لينطلقوا لمعركة الحياة دون أن يحتاجوننا كوالدين ، وإن احتاجونا فى أى أمر بالطبع لن نتأخر عنهم ، فالتوازن هو أن نعلمهم الاستقلال النفسى ونحن عن قرب منهم حتى لا يشعروا بأننا تركناهم أو تخلينا عنهم . 
وقد بدأنا التدريب بأن نسند لهم المسئوليات التى تخصهم لكى يقوموا بها بمفردهم مثل أن يرتبوا حجراتهم بأنفسهم وأن يوم النظافة الاسبوعية يشتركوا معنا فى النظافة الجماعية للمنزل فإن ذلك ساهم بقدر كبير على أن يجعلهم يحافظون على هذه النظافة التى تعبوا فيها ، ومسئولية مواجهة مشكلات المدرسة والتواصل مع الأصدقاء والزملاء فلا نسرع إلى مدارسهم فى المشكلات المختلفة بل نقترح بعض الحلول وشكل ونوعية التواصل مع المسئولين فى المدرسة ، وإن تعثر الأمر نذهب للمساعدة بأنفسنا و هكذا .. 
ومنذ ذلك الحين أعتقد أنه الآن نحن على الخط المستقيم للوصول للهدف و أننى غير قلقة بشأن أولادى لو حال الزمن بينا وبينهم فى أى لحظة سيمكنهم الاستمرار بدوننا ، أللهم إذا استطاعوا أن يستقلوا مادياً بعد الانتهاء من دراساتهم والتى بدأنا بالفعل التخطيط لها.

 ****

 

أولادى مرآتى

 

عندى بنتين زي القمر ، مش عارفة ليه بحب واحدة أكتر من التانية ، الكبيرة بتعاندنى ومش بتسمع كلامى وطريقتها وحشة فى الرد علىّ ، أما الصغيرة دمها خفيف ودبلوماسية وبتعرف تاخد قلبى ، ضميرى بيأنبنى ومش عارفة اية السبب ؟، مع أنى دايماً بقول لنفسى لازم تعدلى بينهم لكن مش قادرة أعمل كدة . دى كانت شكوى احدى السيدات التى أتت لطلب المساعدة ، وبعد الكثير من البحث والفهم استطعنا أن نصل معا إلى الاسباب التى جعلتها تحب البنت الصغرى عن البنت الكبرى و كانت المفاجأة كالآتى : 

شخصية البنت الكبيرة قريبة جداً من شخصية الأم ، فتعجبت الأم ! كيف لها أن لا تحب الابنه التى تحمل صفاتها الشخصية ؟ ! وكانت الإجابة هى أن البنت الكبرى  مثل المرآة التى ترى الأم فيها كل عيوبها ونقاط ضعفها ، فهى أيضاً مُباشرة ولا تجديد اللباقة فى الحوار وبالتالى كانت أقل حظاً فى علاقاتها مع أخواتها ، فكانت ترفض هذه النقاط الضعيفة فى أبنتها دون أن تدرك السبب الخفى وسر رفضها المستمر للبنت . 

ربما تكون هذه احدى الاسباب التى تجعلنا لا نشعر بالحب الكافى لأولادنا ، أو ربما أن تكون صفاتهم الشخصية مختلفة عن صفاتنا نحن فنشعر بالتهديد والمواجهة معهم ، فكيف لأحد أبنائى أن يكون أجرأ منى وأنا شخصية خجولة ؟

أو العكس ، أو كيف يكون أحدهم عاطفى وحساس بينما أنا أميل لأن أكون عملى وعقلانى ؟.. وهكذا .

التحدى هو إلى أى مدى امتلك الوعى بنفسى لأدرك صفاتى الشخصية وإلى أى درجة أقبل نقاط ضعفى وهل أمتلك البصيرة التى أستطيع بها أن أميز بينى وبين أولادى ، فأستطيع أن أدرك ما هو أنا فيهم وما هو ليس أنا ؟ علماً بأن درجة قبولى لنفسى وتحملى لرؤية اختلاف أولادى عنى سوف تكون فيصلا فى درجة قبولى وحبى لأولادى .

"يا رب أعطنى السكينة لكى أقبل الأشياء التى لا أستطيع أن أغيرها ، والشجاعة لأغير الأشياء التى استطيع أن أغيرها ، والحكمة لأعرف الفرق بين الاثنين ".

  ****

 

التمييز بين الولد والبنت

 

 إنتفضت سعاد وهى تجد نفسها تضع لأبنها الولد طعام أفضل وأكتر كماً من الذي تضعه أمام أبنتها ، ذلك السلوك الذي كان يؤلمها عندما كانت طفلة صغيرة ، وعانت منه كثيراَ . والأغرب أنها قد عاهدت نفسها على أنه عندما يكرمها الله بأن تكون أماً لن تقوم بهذه السلوكيات تجاه أبنتها في يوماً من الأيام ، ولكن يبدو أن سعاد نسيت هذا العهد الذي قطعته بداخلها ، لتجد نفسها تكرر نفس عادات الماضي الأليم ، لتصل نفس الرسالة إلى الأبنة البنت : أنت أقل من أخيك ، هو أهم منك وله الأولوية عنك ، وكانت لا تزال ترن في أذنها كلمات الجدة التي تقول "الأكل في بطن الولد تجارة وفي بطن البنت خسارة ". 

وما يحزن القلب أن التمييز بين الولد والبنت يبدأ منذ اللحظة الأولى التي تعرف فيها الأم بأن الجنين الذي في بطنها بنت ، فتشعر بالحسرة لأنها تحلم بالولد ، مطلب الجميع ، الذي ستنال به رضا الزوج وأهله و النصرة على السلايف والجيران .

 ومن المؤسف أن التفرقة بين الولد والبنت لا يكون فقط في الطعام ، بل في مصروف الجيب و ميعاد الرجوع إلى البيت ليلاً والحرص في الملابس والتركيز على إخفائها عن العيون ، و الحرية في الضحك والتصرف بتلقائية في الشارع دون الفتاة. وعندما يعلم أفراد الأسرة أن إبنهم الولد له علاقة خفية بإحدى البنات يبتسموا في لا مبالاة ، في حين أنها تكون الكارثة الكبرى لو شك أحدهم في تليفون يأتي بالخطأ إلى الفتاة في نفس المنزل ، فالقوانين تطبق دائما على الأقليات دون العامة في البيت الغير عادل ، فنحن نمنح الكثير من الحريات للولد بل ونحرم الفتاة منها بحجة أننا نحميها ونخاف عليها . فينشأ في عقل الفتاة أنها متهمة طوال الوقت ومطالبة بتأكيد حسن نواياها ، بل عليها أن تقوم بخدمة أفراد الاسرة بما فيهم الأخ الولد حتى تُمنح مشاعر الرضا والقبول بل والموافقة عليها كفتاة . وأنا لا أدعوا إلى التساهل في التعامل مع الفتيات ولكن أطالب بالعدل والمساواة حتى يكون الخطأ خطأ لكل أفراد الأسرة بما فيهم واضع القانون نفسه . فلا تشعر الفتيات أنهن أقلية مهزومة . 

 

سوزي لطفي

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا