أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

 

(الحرب الروحية)
"جاهد الجهاد الإيمان الحسن" 1 تي 6: 12

 

من الحقائق المثيرة أنه ليس هنالك موضوع يشعر حياله أغلب الناس بمثل هذا الاهتمام العميق مثل موضوع "الجهاد".

فالشباب والعذارى، الشيوخ والأطفال، العالون والوضعاء، الأغنياء والفقراء، المتعلمون والجهلاء، الجميع يشعرون باهتمام عميق بالحروب والمعارك والجهاد.
هذه حقيقة بسيطة، أيا كان الأسلوب الذي نحاول شرحها به. إن ذاك للرجل الإنجليزي الذي لا يعبأ بقصة واترلوWaterloo، أو إينكرمانInkermann. أو بالاكلافاBalaclava، أو لوكنوLucknow (جميع هذه أسماء لمعارك في حروب مختلفة وخاصة حرب القرم التي استمرت من عام 1853 حتى 1856- المترجم، نقلاً عن موقع ويكيبيديا الإلكتروني) إنما يجب أن نصفه بالشخص الغبي. وذاك القلب الذي لم يتحرك ويهتز بالصراعات في سيدان Sedan وفي ستراسبروجStrasburg وفي ميتزMetz وفي باريس Paris، أثناء الحرب بين فرنسا وألمانيا، لابد أن نعتقد أنه قلب بارد وغبي.
بيد أن هنالك حرب أخرى أكثر أهمية بما لا يقاس من أي حرب دخل الإنسان في غمارها. إنها حرب تهم، ليس أمتين أو ثلاثة فحسب، بل كل رجل وامرأة مسيحية ولدوا في العالم. الحرب التي أتحدث عنها هي الحرب الروحية. إنه الجهاد الذي يجب أن يخوضه من أجل نفسه كل من يريد أن يخلص.
وأنا أُدرك أن هذه الحرب إنما هي أمر لا يعلم الكثيرون شيئًا عنه. تحدث إليهم عنها، تلقاهم مستعدين لاعتبارك إنسانًا مجنونًا، أو متحمسًا، أو أحمق. ومع ذلك فهي واقعية وحقيقية كأي حرب شهدها العالم. فلها صراعاتها الشديدة وجراحاتها. ولها مراقباتها وأتعابها. ولها حصاراتها وانقضاضاتها. ولها انتصاراتها وهزائمها. وفوق الكل، فإن لها نتائجها المريعة والكبيرة والشديدة الخصوصية. ففي الحروب الأرضية تكون النتائج للأمم في غالب الأحيان مؤقتة وقابلة للمداواة. أما في الحرب الروحية فالأمر مختلف جدًا. فنتائج هذه الحرب، عندما تنتهي معاركها، تكون غير قابلة للتغيير وأبدية.
عن هذه الحرب تحدث الرسول بولس إلى تيموثاوس عندما كتب الكلمات النارية: "جاهد جهاد الإيمان الحسن، وامسك بالحياة الأبدية". وعن هذه الحرب أقترح أن أتكلم في هذا الفصل. وأعتبر الموضوع لصيق الارتباط بموضوع التقديس والقداسة. فذاك الذي يريد فهم طبيعة القداسة الحقيقية عليه أن يعرف أن المسيحي إنما هو "رجل حرب". فإذا أردنا أن نكون مقدسين، فإن علينا أن نجاهد. 
I. الأمر الأول الذي عليَّ قوله: المسيحية الحقيقية جهاد.
المسيحية الحقيقية! فلنتذكر هذه الكلمة "الحقيقية". إن هنالك تيار ديني ضخم في العالم ليس هو بالمسيحية الحقيقية الأصلية. وهو يلقى قبولاً، ويشبع الضمائر النائمة؛ لكنه ليس تجارة رابحة. فهو ليس الشيء الذي أُطلق عليه مسيحية منذ ثمانية عشر قرن خلت من الزمان. هناك ألوف من الرجال والنساء ممن يذهبون إلى الكنائس في كل يوم أحد، ويدعون أنفسهم مسيحيين. وأسماؤهم مدونة في سجلات المعمودية بالكنيسة. وهم يُحسبون مسيحيين أثناء حياتهم. ويتزوجون في حفل زفاف مسيحي. ويوصون بأن يُدفنوا كمسيحيين عند موتهم. لكنك أبدًا لا ترى "جهادًا" في ديانتهم! فهم لا يفقهون شيئًا بمعنى الكلمة عن النضال الروحي، والعناء، والصراع، وإنكار الذات، والسهر، والقتال. مسيحية كهذه قد تشبع الإنسان، وأولئك الذين لا يقولون شيئًا ضدها قد يظن أنهم متزمتون وغير متساهلين. لكنها دون شك ليست مسيحية الكتاب المقدس. إنها ليست الديانة التي أسسها الرب يسوع ونادى بها رسله. إنها ليست الديانة التي تُنتج القداسة الحقيقية. فالمسيحية الحقيقية إنما هي "جهاد".
إن المسيحي الحقيقي مدعو لأن يكون جنديًا، وينبغي أن يسلك كذلك منذ يوم تجديده حتى يوم موته. فليس من المفترض به أن يعيش حياة بحبوحة دينية، وخمول واستكانة. فلا يجب عليه أبدًا أن يظن أن بإمكانه أن ينام وينعس في طرقه نحو السماء، مثل شخص يسافر في عربة مريحة. فإذا أخذ مقياس مسيحيته من أبناء هذا العالم، فسوف يكون مكتفيًا بهذه المفاهيم، لكنه لن يجد أي تأييد لها في كلمة الله. فإذا كان الكتاب المقدس هو قانون إيمانه وأعماله، فسوف يجد مساره واضحًا جدًا في هذا الشأن. ينبغي أن "يُجاهد".
إن الجهاد الأساسي للمسيحي إنما هو مع العالم، والجسد، والشيطان. هؤلاء هم أعداؤه الأبديون. هؤلاء هم الأعداء الثلاثة الرئيسيون الذي عليه أن يشن الحرب ضدهم. وما لم يحرز النصر على هؤلاء الثلاثة، فإن جميع الانتصارات الأخرى إنما تكون بلا نفع أو جدوى. لو أن المسيحي كان يملك طبيعة ملاك ولم يكن كائنًا ساقطًا لما كانت الحرب لازمة. لكن مع القلب الفاسد والشيطان النشيط والعالم المخادع، فإنه إما أن "يحارب" أو يهلك.
عليه أن يحارب الجسد. فحتى بعد التجديد فإنه يحمل في داخله طبيعة ميالة للشر، وقلبًا ضعيفًا ورخوًا كالماء. ذاك القلب لن يتخلص أبدًا من عدم الكمال الموجود في هذا العالم، وإنه لوهم بائس أن يتوقع ذلك. ولكي نحفظ ذلك القلب من الضلال، فإن الرب يسوع يدعونا لأن "نسهر ونصلي". قد يكون الروح نشيطًا، أما الجسد فضعيف. هنالك احتياج لصراع وجهاد يومي في الصلاة. يقول الرسول بولس: "أقمع جسدي وأستعبده" – "أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني" – "ويحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من جسد هذا الموت؟" – "الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" – "فأميتوا أجسادكم التي هي على الأرض" (مر 14: 38/1كو9: 27/ رو 7: 23، 24/ غل 5: 24/كو3: 5).
عليه أن يحارب العالم. إن التأثير الخفي لهذا العدو القوي تجب مقاومته يوميًا، وبدون صراع يوم لا يمكن بحال الانتصار عليه. فمحبة الأمور العالمية الطيبة –والخوف من سخرية العالم أو توبيخه- والرغبة الدفينة في التواصل مع العالم –والأمنية الخفية في عمل ما يعمله الآخرون في العالم وعدم اللجوء إلى اتخاذ المواقف الحاسمة –كل هذه إنما هي أعداء روحية تتربص بالمسيحي باستمرار في طريقه نحو السماء، ويجب هزيمتها. "محبة العالم عداوة لله: فمن أراد أن يكون محبًا للعالم، فقد صار عدوًا لله" – "إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب" – "قد صلب العالم لي وأنا للعالم" – "كل م ولد من الله يغلب العالم" – "لا تشاكلوا هذا الدهر" (يع4: 4/1يو2: 15/ غل 6: 14/1يو5: 4/ رو 12: 2).
عليه أن يحارب الشيطان. إن ذلك العدو القديم للإنسانية لم يمت. فمنذ سقوط آدم وحواء لم يفتأ: "يحول في الأرض ويتمشى فيها" محاولاً أن يُنجز هدفًا واحدًا رئيسًا –هلاك نفس الإنسان. وبدون غفو ونوم فإنه: "كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو". وكعدو غير مرئي. فإنه موجود دائمًا بالقرب منا، حول طريقنا وفراشنا، متجسسًا على كل سبلنا. ولكونه "قاتلاً وكاذبًا" منذ البدء، فإنه يجتهد ليلاً ونهارًا لكي يلقينا في الجحيم. في بعض الأحيان بأن يقودنا نحو الخرافة، وفي أحيان أخرى بأن يعرض علينا الخيانة الزوجية، وفي أحيان بنوع من الحيل وفي أخرى بغيرها، إنه دائمًا يشن حملة على أروحنا. "الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة". ينبغي علينا مقاومة هذا العدو الغاشم يوميًا إذا ما أردنا أن نخلص. بيد أن "هذا الجنس لا يخرج" إلا بالسهر والصلاة والجهاد وارتداء سلاح الله الكامل. فالرجل القوي لن يبقى أبدًا خارج قلوبنا بدون صراع يومي (أي 1: 7/1 بط 5: 8/يو8: 44/ لو 22: 31/ أف 6: 11).
سواء كنا نرتاد الكنائس أم لا، هنالك أمر واحد أكيد – أن هذه الحرب المسيحية إنما هي حقيقة عظيمة، وهي مثار أهمية ضخمة. إنها ليست أمرًا مثل إدارة وطقوس الكنيسة التي قد يختلف حولها البشر ومع ذلك يبلغون السماء. إن الضرورة موضوعة علينا. فعلينا أن نجاهد. ليس من وعود في رسائل الرب يسوع المسيح للكنائس السبعة إلا لأولئك الذين "يغلبون". فحيث تكون النعمة يكون الجهاد. إن المؤمن جندي. ليس هنالك قداسة بدون حرب. والأرواح المخلصة سنجدها قد خاضت جهادًا.
إنه جهاد ذو ضرورة مطلقة. فدعونا لا نعتقد أننا يمكن أن نظل محايدين وساكنين في هذه الحرب. فمثل هذا النموذج من السلوك قد يصلح في نضال الأمم، بيد أنه مستحيل تمامًا في ذلك الصراع الخاص بالنفس. إن سياسة عدم التدخل المباهية بنفسها –والسلبية المقصودة التي تُسر الكثيرين من رجال الدولة- وخطة السكوت وترك الأشياء تسير حسبما اتفق- كل هذا لا يصلح في الجهاد المسيحي. هنا لا يمكن بحال لأحد أن يهرب من الخدمة تحت ذريعة أنه "رجل سلام". فأن يكن المرء في سلام مع العالم والجسد والشيطان، فإنه بذلك يكون في عداوة مع الله، وبالمعنى الواسع هذا يؤدي إلى الهلاك. ليس أمامنا خيار أو مندوحة. فإما أن نجاهد أو نهلك.
وهو جهاد ذو ضرورة دائمة ومستمرة. فهو لا يسمح بأي التقاط للأنفاس أو بأية هدنة أو بأية مهادنة. ففي أيام الأسبوع كما في أيام الآحاد –في السر كما في العلن- في البيت بجانب المدفأة كما في الخارج- في الأمور الصغيرة مثل ضبط اللسان والمزاج كما في الأمور الكبيرة مثل إدارة الممالك- يجب أن تستمر الحرب المسيحية دونما توقف. إن العدو الذي نتعامل معه لا يأخذ إجازات، ولا يغفو أبدًا، ولا ينام مطلقًا. وطالما في أجسادنا أنفاس علينا أن نُبقي على سلاحنا، ونتذكر أننا على أرض العدو. قال أحد القديسين وهو يجود بأنفاسه: "حتى وأنا على ضفة الأردن أجد الشيطان ينهش عقبي". علينا أن نجاهد حتى الموت.
فلنعر اهتمامًا جيدًا لهذه العبارات. دعونا نعني بأن تكون ديانتنا الشخصية حقيقية وأصيلة وصادقة. إن أكثر الأعراض بعثًا على الأسى فيما يتعلق بمن يُدعون مسيحيين هو الغياب الكامل لأي أمر كالصراع والجهاد عن مسيحيتهم. فهم يأكلون ويشربون ويلبسون ويعملون ويتسلون ويربحون المال وينفقونه ويدخلون مرة أو مرتين في دائرة هزيلة من الخدمات الدينية الرسمية. لكن يبدو أنهم لا يدرون شيئًا على الإطلاق عن الحرب الروحية العظيمة- بسهرها وصراعاتها، بأتعابها واضطراباتها، بمعاركها ونضالها.
قد نجد تعزية لنفوسنا إذا عرفنا أي شئ عن الجهاد والصراع الداخلي العميق. إنه المرافق الثابت للقداسة المسيحية الأصيلة. إنني أدرك إنه ليس كل شئ، لكنه شئ. هل وجدنا في عمق قلبنا صراعًا روحيًا؟ هل نشعر بالجسد وهو يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد حتى أننا لا نستطيع أن نعمل الأشياء التي ينبغي علينا عملها؟ (غل 5: 17). هل نعي وجود مبدأين في داخلنا يتصارعان على الزعامة؟ هل نشعر بأي حرب في إنساننا الداخلي؟ حسنًا، فلنشكر الله على ذلك! فهو إشارة جيدة. إنه برهان قوي محتمل على عمل التقديس العظيم. إن كل القديسين جنود. أي شئ لهو أفضل من اللامبالاة والجمود والموت وعدم الاكتراث.
المسيحية الحقيقية هي جهاد الإيمان، إن الإيمان الحي الدائم بحضور المسيح واستعداده للعون إنما هو السر في نجاح جهاد الجندي المسيحي. 
أينبغي إنسان أن يجاهد جهاد الجندي المسيحي بنجاح وازدهار؟ فليصل من أجل تزايد مطرد للإيمان. ليثبت في المسيح ويقترب منه ويتمسك به بقوة في كل أيام حياته. لتكن صلاته اليومية هي تلك التي كانت للتلاميذ: "يارب، زد إيماننا". تابع إيمانك بغيرة، إذا كان لك نصيبًا منه.

 

جي. سي. رايلي

من كتاب "دعوة للقداسة"

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا