مقالات متخصصة

 

إن النرجسية نزعة تتوجه فيها كافة مشاعر واهتمامات الإنسان إلى شخصه: جسده، وعقله، ومشاعره، واهتماماته الشخصية، إلخ. وكما هي حالة نرسيس (نرجس)، يمكننا القول إن الشخص النرجسي شخص واقع في حب نفسه، إذا كان بإمكاننا إطلاق تسمية الحب على حالة الافتتان. بالنسبة للشخص النرجسي، فإن الحقيقة الكاملة هي فقط نفسه وكل ما يشكّل اهتماماته، وما هو خارجي، وما يهم الآخرين هو حقيقي فقط بالمعنى الظاهري للإدراك، ويمكننا القول بأنه حقيقي بالنسبة لمشاعر المرء وعقله. لكنه ليس حقيقيًّا بالمعنى الأعمق، أي بالنسبة لمشاعرنا أو إدراكنا. وفي الواقع هو مدرك فقط للعالم الخارجي بالقدر الذي يؤثر فيه محيطه الخارجي. وهكذا، ليس عنده حب، أو تعاطف، أو عقلانية، أو حكم موضوعي. إن الشخص النرجسي يبني جدارًا غير مرئي حول نفسه. وهو يرى نفسه أنه كل شئ، والعالم لا شئ، أو بالأحرى: هو العالم.

إن المثالان المتطرفان عن النرجسية المطلقة هما الأطفال المولودون حديثًا والمجنون، كلاهما غير قادر على الارتباط بالعالم. (وخلافًا لما افترضه فرويد وآخرون فإن المجنون ليس منفصلاً بالكامل، إنه منطوٍ على نفسه. لكن لا يمكن للطفل أن ينطوي على نفسه لأنه لم ينفتح بعد أبعد من أنويته. لقد أشار فرويد إلى هذا الفرق بالتمييز بين النرجسية "الأولية" و"الثانوية"). وبأي حال، فقد تم تجاهل حقيقة أن الإنسان الناضج العادي يمكنه أيضًا أن يكون نرجسيًا، وإن يكن ليس بالضرورة إلى درجة أولئك المتطرفين. وغالبًا ما يُظهر الإنسان الناضج العادي نرجسيته بشكل واضح على الرغم من أنه غير مدرك لها. إنه يفكر، ويتحدث، ويتصرف فقط بالإشارة نفسه، ولا يظهر اهتمامًا أصيلاً وحقيقيًّا بالعالم الخارجي. وعلى النقيض من ذلك، فإن الإنسان "العظيم" يجد نفسه مثيرًا للاهتمام، ويجد أن من المنطقي للغاية أن نستمتع برغبته باستعراض عظمته. وإن كان الإنسان العادي ذكيًا، لماحًا، قويًا، غنيًا، وفاتنًا أو مشهورًا، فسوف لن يوفر فرصة لاستعراض نرجسيته. ولكن، يحاول العديد من الأشخاص إخفاء نرجسيتهم بإظهار أنهم متواضعين وبسطاء، أو بأسلوب حاذق يظهرون اهتمامًا بالشؤون السياسية، والدينية، والغامضة، وكل ما يبدو أنه أبعد من اهتماماتهم الشخصية.

يمكن إخفاء النرجسية بكثير من الأقنعة، حتى ليمكننا القول إنها أكثر الصفات النفسية صعوبة على الاكتشاف، حيث يحتاج اكتشافها جهدًا ويقظة كبيرين. لكن إذا لم يكتشفها المرء ويحد منها بشكل جيد، فإن الطريق باتجاه اكتمال الذات مسدود حتمًا.

وبشكل مشابه، مع الانتباه إلى الاختلاف التام عن النرجسية، فإن الغرور والأنانية، وهما نتيجتان للملكية أو التملك، حالتان وجوديتان أيضًا. إذ أن الشخص الذي يعيش واحدة من هاتين الحالتين ليس بالضرورة نرجسيًا بنسبة فائقة. يمكن للمغرور أو الأناني ن يكون قد تمكن من الخروج من بوتقة نرجسيته، ويدرك الواقع الموجود خارج ذاته بشكل كافٍ، كذلك ليس من الضرورة أن يكون "واقعًا في حب ذاته". إنه يعرف "ذاته" و"الآخرين"، وبإمكانه التمييز جيدًا بين تجربته الشخصية والواقع. ومع ذلك فإنه يريد الحصول على كل شئ لنفسه، ولا يشعر بالسعادة في العطاء أو المشاركة أو التعاون أو التكافل أو الحب. إنه حصن مغلق، لا يثق بالآخرين، يتوق إلى الأخذ ويتمنع عند العطاء. إنه يمثل، وبشكل كبير، الشخصية الشرجية الاستحواذية(anal-hoarding character) . إنه وحيد، غير مرتبط، وتكمن قوته في ما يملكه وفي الأمن الذي يشعر به نتيجة الأشياء التي يحتفظ بها. ومن الناحية الأخرى، فإن الشخص النرجسي المتطرف ليس بالضرورة أنانيًا، وذاتي التركيز، أو ينزع إلى التملك. إذ يمكن له أن يكون كريمًا، معطاءً، ورقيقًا، لكن هذه المواصفات تكافئ حقيقة أنه لا يختبر وجود الآخرين على أنه وقاع. ويمكن التعرف على الشخص النرجسي بسهولة حيث تكون ردود أفعاله العفوية كريمة ومعطاءة أكثر منها متمنعة ومعاندة. وبما أنه من النادر تمييز النزعتين –النرجسية والأنانية- عن بعضهما بالكامل، فيجب أن نقبل حقيقة وجوب اختراق الحالتين لتطور الشخصية: اختراق النزعة النرجسية، والنزعة التملكية لدى المرء.

 

إيريك فروم

من كتاب "فن الوجود"

 

 

النرجسية الفرديّة

 

كيف تتطور النرجسية لدى الشخص "الطبيعي"؟ لقد رسم فرويد مخططًا لخطوط هذا التطوّر الرئيسية، والمقطع التالي هو تلخيص سريع لاكتشافاته.

يبقى الجنين في الرحم يحيا في حالة نرجسيّة مطلقة. "وبولادتنا" يقول فرويد "نكون قد اتخذنا الخطوة الأولى من نرجسية مكتفية بذاتها تمامًا إلى إدراك العالم الخارجي المتغيّر وبدء اكتشاف الأشياء". ويستغرق الأمر شهورًا قبل تمكن الجنين من وعي الأشياء التي تقع خارجه كما هي، وكونها جزءًا مما "ليس أنا". وبتلقي نرجسيته العديد من الضربات وتزايد اطلاعه على العالم الخارجي وقوانينه –وبداعي الضرورة- يُطّور الإنسان نرجسيّته الأصلية إلى "حب الأشياء". ولكن يقول "فرويد" يبقى الكائن البشري نرجسيًّا إلى حد ما حتى بعد اكتشافه للموضوعات الخارجية لليبيده (دافعه الجنسي، بمصطلحات فرويد)". وفي الواقع يمكن تعريف تطور الفرد وفقًا لفرويد باعتباره تطورًا من النرجسية المطلقة إلى القدرة على الحب الموضوعي والفهم الموضوعي، وهي قدرة لا تتجاوز حدودًا معينة. والشخص "الناضج" الطبيعي هو شخص تناقصت نرجسيته إلى الحد الأدنى المقبول اجتماعيًا بدون اختفائها تمامًا. إنّ الخبرة اليومية تثبت تمامًا ملاحظات فرويد. إذ يبدو أننا يمكن أنْ نجد في معظم الناس جوهرًا نرجسيًّا محميًّا جيدًا، وهو يتحدى أية محاولة تستهدف تذويبه. فلنصف الآن النرجسية بتناولنا مثالين متطرفين: "النرجسية الأولية" لطفل حديث الولادة، ونرجسية الشخص المجنون. فالطفل لم ترتبط بعد بالعالم الخارجي. بكلمات أخرى، لو يوجد العالم الخارجي بالنسبة للطفل بعد، وهذا إلى حد أنه "غير قادر بعد على التمييز بين/ أنا /وما/ ليس أنا/". ويمكن أيضًا أن نقول إن الطفل ليس "مهتمًا" كلمة esse-inter/ أن تكون في/ "بالعالم الذي خارجه. فالعالم الوحيد بالنسبة للطفل هو نفسه: جسده، أحاسيسه البدنية بالدفء والحرارة، عطشه، وحاجته للنوم والتلامس الجسدي.

ولا يُمثل الشخص المجنون بالضرورة حالةً مختلفة عن حالة الطفل. ولكن في حين لم يظهر العالم الخارجي كواقع بعد بالنسبة للطفل، فإنه قد توقف بالنسبة للشخص المجنون عن كونه واقعيًّا. أما في حالة الهلوسات، على سبيل المثال، فقد فقدت الحواس وظيفة تسجيل الأحداث الخارجية فيها، إذ هي تُسجل الخبرة الذاتية وفقًا لفئات الاستجابة الحسية للمواضيع الخارجية. وفي الوهم الارتيابي تعمل الآلية ذاتها. حيث يصبح الخوف أو الشك –على سبيل المثال- وهما انفعالان ذاتيان، مُبررين إلى حد اقتناع الشخص الارتيابي بتآمر الآخرين ضده. وهذا هو بالضبط الفرق بينه وبين الشخص العصابي: إذ قد يكون هذا الأخير خائفًا دومًا من كونه مكروهًا ومضطهدًا... الخ، إلا أنه ما يزال يعمل أنّ هذا هو ما يخيفه. أما بالنسبة للشخص الارتيابي فقد تحول هذا الخوف إلى واقع.

إنّ الذُهان حالة نرجسية مطلقة، وهي حالة يقطع الشخص فيها كل صلةٍ مع الواقع الخارجي، ويجعل فيها شخصه هو بديلاً للواقع. وبالتالي يمتلئ تمامًا بذاته، ويصبح "إله وعالم" نفسه. وهذا التبصر تمامًا هو ما سمح لفرويد بفتح الطريق لأول مرة أمام فهمٍ ديناميكي لطبيعة الذهان.

على أي حال، من الضروري –من أجل من لا يعرف شيئًا من الذهان- تقديم صورةٍ عن النرجسية كما نجدها لدى الأشخاص العصابيين أو "الطبيعيين". يمكن اكتشاف أحد أكثر أمثلة النرجسية أوليةً في موقف الشخص العادي من جسده هو. إذ يُحب معظم الناس جسدهم ووجههم وهيئتهم، وعندما يُسألون عما إذا كانوا يرغبون باستبدالهم بشخص آخر أكثر وسامةً، سيجيبون قطعًا بـ"لا". وقد يكون من المعبر أكثر أن نلاحظ أن الناس لا يمانعون إطلاقًا رؤية وجوههم أو شم رائحتهم (وفي الواقع البعض منهم قد تعجبهم)، في حين سيكون موقفهم معاكسًا قطعًا نحو وجوه الآخرين. ومن الواضح تمامًا عدم وجود أي حكم جمالي متضمن هنا. الشيء ذاته ينطبق عندما يكون الاتصال بجسد المرء نفسه سارًا، في حين لا يكون كذلك عند التماس مع جسد شخص آخر.

لنتناول الآن مثالاً آخر وأقل شيوعًا عن النرجسية. يتصل رجلٌ بعيادة الطبيب ويطلب موعدًا. ويقول الطبيب إنه لا يستطيع تحديد موعدٍ له في الأسبوع نفسه، ويقترح موعدًا آخر. يصر المريض على طلبه موعدًا أبكر، وكتفسيرٍ لذلك لا يقول –كما للمرء أن يتوقع- سبب إلحاحه، يل يذكر أنه يسكن على بعد خمس دقائق من عيادة الطبيب. وعندما يجيب الطبيب أن مشكلة وقته لا تُحل بقلة الوقت الذي يستغرقه المريض للوصول إلى العيادة، لا يُبدى هذا الأخير أي تفهّم. يواصل إلحاحه بتأكيده أن قد قدّم سببًا جيدًا بما يكفي لتحديد موعدٍ أبكر. فإذا كان الطبيب أخصائيًّا نفسيًّا فسيكون سلفًا قد قطع شوطًا في تشخيص الحالة، أي إنه يتعامل هنا مع شخص شديد النرجسية، أي شخص مريض جدًا. وليس من الصعب رؤية أسباب ذلك. المريض غير قادر على رؤية وضع الطبيب بغض النظر عن وضعه هو. كل ما يراه هو رغبته هو برؤية الطبيب، وحقيقة أنه بالنسبة له هو، الأمر لا يستغرق كثيرًا من الوقت. والطبيب كشخص مستقل لديه حاجاته وجدول مهامه الخاص، غير موجود بالنسبة له. منطق المريض يقول إنه إذا كان اليسير عليه المجيء، سيكون من اليسير على الطبيب رؤيته. ويجب أن تكون الملاحظة التشخيصية للمريض مختلفة نوعًا ما، فيما لو كان المريض–بعد تفسير الطبيب الأول- قادرًا على الإجابة "آه ايها الطبيب، طبعًا أرى. أنا آسف. لقد كان من الغباء حقًّا أن أتفوه بما قلته". في هذه الحالة أيضًا سنكون نتعامل مع شخص نرجسي لا يُفرق للوهلة الأولى بين موقف الطبيب وموقفه، إلا أنه نرجسيته ليست بشدة نرجسية المريض الأول. فهو قادرٌ على رؤية واقع الموقف عند لفت انتباهه له، وهو يستجيب وفقًا لذلك. وقد يشعر المريض بالإحراج حالما يراه. أما المريض الأول فلن يشعر أبدًا بالإحراج، بل سيرغب بانتقاد الطبيب الذي كان غبيًا جدًا إلى حد عدم فهم ما يقوله هو.

يمكن بسهولة اكتشاف ظاهرة مماثلة لدى شخص نرجسي يسقط في حب امرأة لا تبادله الحب. سيتعرض هذا الشخص النرجسي لعدم تصديقه عدم حب المرأة له. وسيبرر: "من المستحيل ألا تحبني بينما أنا أحبها إلى هذا الحد"، أو "لم أكن لأحبها إلى هذا الحد ما لم تكن تحبني هي أيضًا". ثم يمضى قدمًا ليبرر عدم استجابة المرأة، بافتراضاتٍ مثل: "هي تحبني في لا وعيها، وهي خائفة من شدة حبها لي، لذلك تريد اختباري وتعذيبي". والنقطة الأساسية هنا –كما في الحالة السابقة- هي أن الشخص النرجسي لا يستطيع إدراك اختلاف الواقع ضمن الشخص الآخر عنه لديه.

لنتناول الآن ظاهرتين مختلفتين تمامًا، ومع ذلك كلتاهما تعبران عن النرجسية. هناك امرأة تقضي ساعاتٍ عديدة أمام المرآة كل يوم لتصلح شعرها ووجهها. إن ذلك ليس مجرد غرورٍ تافه. فهي مهووسة بجسمها وجمالها، وجسدها في الواقع الوحيد الهام الذي تعرفه. وقد تكون اقتربت حقًا من الأسطورة الإغريقية التي تتحدث عن نرسيس (نرجس)، وهو شاب جميل رفض حب "نيمفاتشو"، والتي ماتت كسيرة القلب. وقد عاقبه نيميسيس بجعله يسقط في حب خيال صورته في مياه البحيرة. وأثناء ممارسة إعجابه بذاته سقط في البحيرة ومات. تشير الأسطورة الإغريقية بوضوح إلى أن هذا النوع من "حب الذات" هو في الحقيقة لعنة، وأن شكله المتطرف سينتهي بتدمير الذات. هناك امرأة أخرى (قد تكون هي الأولى ذاتها بعد عدة سنوات) تعاني من وسواس المرض. هي الأخرى أيضًا مشغولة دومًا بجسدها وإن كان ليس بجعله جميلاً، بل بخوفها من مرضه. ما السبب في اختيار الصورة الإيجابية، أو السلبية، هي طبعًا لديها أسبابها. إلا أن ما يهم هنا حقًا أنه خلف هاتين الظاهرتين يكمن نفس الانشغال النرجسي بالذات، مع بقاء قليلٍ من الاهتمام فقط، يبقى للعالم الخارجي.

لا يختلف وسواس المرض الأخلاقي بالضرورة عما سبق. فهنا الشخص ليس خائفًا من مرضه أو موته، بل من كونه مذنبًا. إن شخصًا كهذا سيبقى مشغولاً دومًا بإحساسه بالذنب تجاه الأشياء التي ارتكب خطأ بحقها، وبالخطايا التي ارتكبها.. الخ، وفي حين قد يبدو للشخص المراقب –ولذاته- مخلصًا جدًا، وأخلاقيًّا، بل وحتى مهتمًا بالآخرين، يكون الواقع هو أن هذا الشخص ليس مهتمًا إلا بنفسه، وبإخلاصه، وبما قد يقوله الآخرون عنه.. الخ. إنّ النرجسية الكامنة خلف وسواس المرض الجسدي والأخلاقي هي ذات نرجسية الشخص المغرور، باستثناء أنها أقل وضوحًا، للعين غير المدربة.

ويجد المرء هذا النوع من النرجسية –الذي صنفه ك.أبراهام كنرجسيةٍ سلبية- وخصوصًا في حالات الكآبة، التي تتميز بأحاسيس عدم الكفاية، الزيف، واتهام الذات.

ويمكن للمرء في الحياة اليومية رؤية أشكال أقل كارثية للميل النرجسي. ويمكن لنكتة  شهيرة التعبير عن ذلك بلطف. التقى أحد الكتاب صديقًا له وتحدُ معه لوقتٍ طويل عن نفسه. ثم قال: "لقد تحدثت مطولاً عن نفسي. فلنتحدث الآن عنك. كيف وجدت آخر كتابٍ لي؟". يُعتبر هذا الرجل نموذجًا لكثيرين مشغولين سلفًا بأنفسهم، ولا يبدون سوى قليل من الاهتمام بالآخرين، إلا باعتبارهم أصداء لهم. وهم غالبًا حتى لو تصرفوا بلطفٍ ومساعدة، يفعلون ذلك لأنهم يحبون رؤية أنفسهم يقومون بهذا الدور. إذ ترتفع طاقتهم عند إعجابهم بأنفسهم بدلاً من إدراك الأشياء من منظور الشخص الذي يساعدونه.

كيف يمكننا معرفة وتمييز الشخص النرجسي؟ هناك نمط واحد يسهل تمييزه هو نمط الشخص الذي يظهر كل علامات الإعجاب بالذات. ويمكننا رؤية أنه عندما يقول بعض الكلمات التافهة يشعر كما لو قال شيئًا ما ذا أهميةٍ عظيمة. وهو عادة لا يصغي لما يقوله الآخرون كما لا يهتم بذلك حقًا. (فإذا كان ذكيًا سيحاول إخفاء هذه الحقيقة بطرح أسئلة وجعلها تبدو مثار اهتمامه). كما يستطيع المرء تمييز الشخص النرجسي من خلال حساسيته لأي نوع من النقد. قد يتم التعبير عن هذه الحساسية من خلال إنكار صحة أي نقد، أو الرد بغضب أو اكتئاب. وقد يكون الميل النرجسي في حالات عديدة مختبئًا خلف مواقف مثل البساطة والتواضع. وفي الواقع ليس عن النادر الميل النرجسي لشخص ما لاتخاذ التواضع كموضوع لإعجابه بذاته. وأيًا تكن المظاهر المختلفة للنرجسية فإن نقص الاهتمام الأصيل بالعالم الخارجي يشكل سمة مشتركة بين كل أشكال النرجسية.

ويمكن أحيانًا تمييز الشخص النرجسي من تعابير وجهه. إذ غالبًا ما نجد نوعًا من التوهج والابتسامة، اللذين يُضيفان انطباع العجرفة للبعض، والبهجة الشديدة والثقة والطفولة للبعض الآخر. وغالبًا ما تبدي النرجسية نفسها –وخصوصًا في أشكالها الأكثر تطرفًا- ببريق خاص في العينين، قد يراه البعض على أنه علامة شبة القداسة، في حين يراه آخرون على أنه علامة شبه الجنون. وهناك الكثيرون من النرجسيين جدًا الذين يتميزون بعدم توقفهم عن الحديث، وذلك غالبًا على مائدة الطعام، حيث ينسون تناول طعامهم دافعين الجميع للانتظار جائعين. إذ أن الصحبة أو الطعام هما أقل أهمية من "أناهم".

وليس من الضروري أن يُعتبر الشخص النرجسي كامل شخصه موضوعًا لنرجسيته. بل غالبًا ما يُركز على وجه جزئي من شخصيته. على سبيل المثال، شرفه، ذكاؤه، مهاراته الجسدية، ذاكرته، مظهره الحسن (وقد يتقلص ذلك إلى مستوى تفاصيل مثل شعره أو شعر أنفه). وقد تشير نرجسيته أيضًا إلى صفات لا يفتخر بها الشخص الطبيعي عادةً، مثل القدرة على الخوف وبالتالي التنبؤ بالخطر. وسيكون الجواب المناسب "هو" دماغه، شهرته، ثروته، قضيبه، وعيه، وما إلى ذلك؟ وثُمثل كل أصنام الأديان المختلفة أوجهًا جزئيةً عديدة للإنسان. يكون موضوع النرجسية لدى شخص نرجسي أيًا من هذه الصفات الجزئية التي تُشكل بالنسبة إليه ذاته. فقد يعتبر من تُمثل ذاته بالنسبة إليه بملكيته، أي تهديد لتلك الملكية تهديدًا لحياته. من جهةٍ أخرى، من تُمثل ذاته بالنسبة إليه بذكائه، سيصبح واقع قوله شيئًا غبيًا جدًا أمرًا شديد الإيلام له، قد يؤدي إلى مزاج اكتئابٍ خطير. وعلى أية حال، كلما ازدادت شدة النرجسية لكما قل تقبل الشخص النرجسي لحقيقة فشله، أو لأي نقدٍ من قبل الآخرين. وسيشعر فقط بغضبٍ شديد عند ظهور أي سلوك مهين من قبل شخص آخر باتجاهه، أو اعتقاده بأن الآخرين أكثر حساسية وجهلاً من قدرتهم على إطلاق حكم مناسب عليه. (وأنا أفكر هنا بشخص لامع شديد النرجسية قال عند مواجهته بنتائج اختبار "روشاخ" والذي فشل برسم الصورة المثالة التي لديه عن نفسه، "أشعر بالأسف لعالم النفس الذي أجرى الاختبار، لابد أنه زوراني (مصاب بجنون الارتياب) جدًا").

ويجب الآن أن نذكر عاملاً آخر يُعقّد ظاهرة النرجسية. إذ أنه تمامًا كما جعل الشخص النرجسي صورته الذاتية موضوعًا لتعلقه النرجسي، فقد فعل الأمر نفسه بكل ما يتعلق به. لذلك أصبحت أفكاره، ومعرفته، وبيته، بل وحتى الناس الذين هم محط اهتمامه، موضوعات لتعلقه النرجسي. وكما أشار فرويد، فإن أكثر الأمثلة تكرارًا هو تعلق النرجسي بأطفاله. حيث يعتقد العديد من الآباء أن أطفالهم هم الأكثر جمالاً، وذكاءً ..الخ. مقارنةً بالأطفال الآخرين. ويبدو أنه كلما كان الأطفال أصغر سنًا، كلما ازداد هذا الانحراف النرجسي. إن الحب الأبوي –وخصوصًا حب الأم لطفلها- هو إلى حد كبير حب الطفل باعتباره امتدادًا للمرء نفسه. كما يتميز حب البالغين بين الرجل والمرأة غالبًا بنوعية نرجسية. فالرجل الذي يحب امرأة، قد ينقل نرجسيته إليها حالما تصبح "ملكه". وهو يُعجب بها ويُبجلها تقديرًا لصفاتٍ هو من أسبغها عليها، وبالضبط لكونها جزءًا منه هو يصبح حامل صفاتها غير العادية. وغالبًا ما يعتقد شخص كهذا بأن كل الأشياء التي يمتلكها مذهلة وغير عادية،  و"سيحبها".

إن النرجسية هي شغفٌ لا يمكن مقارنة شدتها في العديد من الأفراد إلا بالرغبة الجنسية والرغبة بالبقاء أحياء. وفي الواقع، تُثبت في أحيان عديدة أنها أقوى من كلتيهما. وحتى في الفرد العادي الذي لا تصل لديه شدتها إلى هذا الحد، يبقى هناك قلب نرجسي يبدو أنه غير قابل للتدمير. وبحكم هذا، قد نشك في أن الرغبة النرجسية –مثلها مثل الجنس والبقاء- تمتلك هي الأخرى وظيفة بيولوجية هامة. وحالما نطرح هذا السؤال يظهر الجواب من تلقاء ذاته. إذ كيف لفردٍ النجاة ما لم تُشحن حاجاته الجسدية واهتماماته ورغباته بطاقةٍ كافية؟ من الناحية البيولوجية، ومن منظور البقاء، يجب على المرء أن يُضفي على نفسه أهمية أعلى بكثير مما يضفيها على الآخرين. فإذا لم يفعل ذلك، فمن أين له بالطاقة والاهتمام للدفاع عن نفسه ضد الآخرين، والعمل للحفاظ على بقائه، والقتال لنجاته، وفرض مطالبه على الآخرين؟ بدون النرجسية قد يكون قديسًا، ولكن هل يتمتع القديسون بمعدل بقاءٍ مرتفع؟ وما قد يكون مرغوبًا من منظورٍ روحاني –غياب النرجسية- قد يكون هو الأكثر خطورة من المنظور الدنيوي للبقاء. ومن الناحية الغائية، يمكننا القول إنه على الطبيعة منح الإنسان مقدارًا أكبر من النرجسية لتمكنه من فعل ما تتطلبه ضرورة البقاء. وهذا صحيح بشكل خاص لأن الطبيعة لم تزود الإنسان بغرائز رفيعة التطور كتلك التي وهبتها للحيوان. إذ لا يُعاني الحيوان من "مشكلات" البقاء، لأن الطبيعة الغريزية المفطور عليها تتولى العناية بمسألة البقاء، بحيث لا يحتاج الحيوان للتفكير بها واتخاذ قرار حول ما إذا كان يرغب أو لا يرغب ببذل أي جهد لتحقيق ذلك. أما في الإنسان فقد فَقَدَ الجهاز الغريزي معظم فعاليته، لهذا تغدو النرجسية وظيفة بيولوجية ضرورية جدًا.

على أية حال، حالما نُدرك أن النرجسية تلبي وظيفة بيولوجية هامة، سيواجهنا سؤال آخر هو: ألا تمتلك النرجسية المتطرفة وظيفة جعل الإنسان غير مبال بالآخرين، وعاجزًا عن منح المركز الثاني لحاجاته، حينما يكون من الضروري حدوث ذلك من أجل التعاون مع الآخرين؟ ألا تجعل النرجسية الإنسان لا اجتماعيًا، وذلك عندما تصل حدها المتطرف: الجنون؟ لاشك أن النرجسية الفردية المتطرفة ستُشكل عائقًا خطيرًا أمام كل الحياة الاجتماعية. ولكن إذا كان الأمر كذلك، يجب القول إن النرجسية تتعارض مع مبدأ البقاء، لأن فرصة الفرد الوحيدة للبقاء تكمن في تنظيم نفسه ضمن مجموعات. إذ بالكاد يستطيع أي شخص حماية نفسه بمفرده ضد كل أخطار الطبيعة التي تواجهه، كما أن هناك عددًا كبيرًا من الأعمال التي لن يتمكن من القيام بها إلا في مجموعات.

وقد وصلنا الآن إلى النتيجة المتناقضة التي تقول بضرورة النرجسية للبقاء، وتهديدها له في ذات الوقت. يكمن حل هذه المفارقة في اتجاهين: الأول هو أن النرجسية "المثالية" بدلاً من "القصوى" تخدم البقاء. أي تتناقص درجة ضرورة النرجسية من الناحية البيولوجية إلى درجة النرجسية المتوافقة مع التعاون الاجتماعي. أما الثاني فيكمن في حقيقة تحويل النرجسية الفردية إلى نرجسية جماعية، أي جعل القبيلة، أو القومية، أو الدين أو العرف.. الخ، موضوعًا للشغف النرجسي بدلاً من كون الفرد هو ذاك الموضوع. وبهذا يتم الحفاظ على الطاقة النرجسية ولكن مع استخدامها لصالح بقاء المجموعة بدلاً من بقاء الفرد. وقبل أن أتناول مسألة نرجسية الجماعة هذه ووظيفتها الاجتماعية، أود مناقشة "مرضية النرجسية".

يُعتبر تشوه الحكم المنطقي أشد نتائج التعلق النرجسي خطرًا. إذ يتم اعتبار موضوع التعلق النرجسي أمرًا ثمينًا (جيدًا، جميلاً، حكيمًا.. الخ) وذلك ليس على أساس حكم قيمةٍ موضوعي، بل لكونه أنا أو لي. وهنا يكون حكم القيمة النرجسي حكمًا مسبقًا أو منحرفًا. يبرر هذا الحكم المسبق عادةً بشكل أو بآخر، وقد يكون هذا التبرير مضللاً ومخادعًا إلى هذه الدرجة أو تلك، وذلك وفقًا لذكاء وحنكة الفرد المتورط في ذلك. وفي النرجسية السكيرة يكون التشوه واضحًا عادةً. فما نراه هنا شخصًا يتحدث بشكل سطحي ومبتذل، ومع ذلك بنفس نبرة وطريقة شخص ينطق أشد الكلمات أهمية وروعة. من الناحية الذاتية يبدو أنه يتمتع بشعور "قمة العالم" البهيج والمفرح، بينما هو في الحقيقة في حالة تضخيم الذات. وكل هذا لا يعني بالضرورة أن تعابير الشخص شديد النرجسية هي مملة مضجرة. إذ في حال كونه موهوبًا أو ذكيًا، فإنه سيمنحنا أفكارًا هامةً، وإذا قيّم تلك الأفكار جيدًا فلن يكون حكمه خاطئًا تمامًا. إلا أن الشخص النرجسي يميل لتثمين نتاجاته عاليًا في أية حال. (وفي حالة "النرجسية السلبية" يكون العكس هو الصحيح. إذ يميل هذا الشخص إلى تقليل قيمة أي شئ هو من نتاجه، وسيكون حكمه متحيزًا أيضًا). فإذا كان واعيًا لطبيعة أحكامه والنرجسية المشوهة، فلن تكون النتائج سيئة جدًا. إذ سيتخذ موقفًا ظريفًا –وهو يستطيع ذلك- من تحيزه النرجسي. إلا أن المشكلة تكمن في ندرة هذه الحالة. إذ عادةً ما يكون الشخص مقتنعًا بعدم موجود أي تحيز، وأن حكمه هو حكم موضوعي وواقعي. ويؤدي هذا إلى تشويهٍ شديد لقدرته على التفكير والحكم، باعتبار أن هذه القدرة ستضعف أكثر فأكثر عندما يتعامل مع نفسه وماهيته. من جهةٍ أخرى سيتحيز حكم النرجسي ضد ما هو "هو" وما "له". فيغدو العالم الخارجي "ليس أنا" سفليًا، خطيرًا، ولا أخلاقيًّا. وينتهي النرجسي عندئذٍ بتشوهٍ هائل. إذ يتم الإفراط في تقدير ما هو وما له، وتقليل شأن كل ما هو خارجه، ويغدو تأذي المنطق والموضوعية واضحًا.

أما العنصر الأشد مرضيًة على الإطلاق في النرجسية فهو رد الفعل الانفعالي على أي نقدٍ يستهدف مركز نرجسيته. في الحالة الطبيعية لا يغضب الشخص عند نقد ما يفعله أو يقوله، بشرط أن يكون النقد منصفًا وليس مبنيًا على نوايا خبيثة. أما النرجسي فيرد على النقد بغضبٍ شديد. وهو يميل للشعور بأن النقد هو هجوم عدائي، وإن طبيعته النرجسية ذاتها ستمنعه من تصور كون ذاك النقد له منا يبرره. ويمكن فهم شدة غضبه تمامًا، فقط في حال فهمنا لحقيقة انفصال النرجسي عن العالم، وبالتالي لوحدته وخوفه. إن شعور الوحدة والخوف هذا هو ما يحاول النرجسي تعويضه من خلال تضخيم ذاته. فإذا كان هو العالم، فلن يكون هناك اي عالم خارجي يستطيع إخافته. وإذا كان هو كل شئ، فلن يكون وحيدًا. وبالتالي، عندما يتم جرح نرجسيته سيشعر بأن وجوده بأكمله هو المهدد. وعند تهديد درعه الوحيد ضد الخوف –تضخيم ذاته- يظهر الخوف مؤديًا غضبٍ مجنون. وهذا الغضب هو بهذه الشدة لأنه لا يُمكن فعل أي شئ لتقليص التهديد بتصرفٍ مناسب. إن تدمير النقد هو فقط ما يستطيع إنقاذه من تهديد أمانه النرجسي.

إن البديل الوحيد المتوافر للغضب الانفجاري للنرجسي المجروح، هو الاكتئاب. حيث يكتسب النرجسي شعوره بهويته عبر تضخيم ذاته. وباعتبار أن العالم الخارجي لا يُشكل مشكلة له، ولا يستطيع سحقه بجبروته، لأنه قد نجح في جعل ذاته هي العالم، وبشعوره بأنه كامل المعرفة وكامل القوة. فإذا جُرحت نرجسيته، وإذا لم يستطع لسبب ما –مثل ضعف موقعه الذاتي او الموضوعي أمام النقد- الغضب، يصبح مكتئبًا. فهو غير مرتبط ولا مهتم بالعالم، هو لا شئ ولا أحد، باعتباره لم يُطور ذاته كمركز لعلاقته مع العالم، هو لا شئ ولا أحد، باعتباره لم يُطور ذاته كمركز لعلاقته مع العالم. وإذا تم جرح نرجسيته إلى حد بعيد لا يستطيع معه الحفاظ عليها، فستنهار أناه، ويكون الانعكاس الذاتي لهذا الانهيار هو الاكتئاب. ويشير عنصر الحزن والندب في الاكتئاب والسوداوية –برأيي- إلى الصورة النرجسية لـ "الأنا" الرائعة التي قد ماتت، والتي هي ما يندبه المكتئب.

إن خوف النرجسي من الاكتئاب الذي ينتج عن جرح نرجسيته هو تمامًا السبب الذي يجعله يحاول جاهدًا تجنب جروح كهذه. وهناك عدة طرق ليفعل ذلك، أحدها هو أن يزيد نرجسيته بحيث لا يتمكن أي نقد أو فضل خارجي من إصابة مركزها حقًا. بكلمات أخرى، تزداد شدة النرجسية من أجل مواجهة التهديد. وهو ما يعني أن الشخص سيحاول شفاء ذاته من تهديد الاكتئاب عبر تزايد شدة مرضه العقلي إلى حد قد يصل إلى الذُهان.

إلا أن هناك حلاً آخر لتهديد النرجسية، وهو أكثر إرضاءً للفرد، مع أنه أكثر خطرًا على الآخرين. يكمن هذا الحل في محاولة تحويل الواقع إلى حد يتوافق فيه مع صورة ذاته النرجسية. ومثال هذا الحل يكمن ملاحظته لدى المخترعين النرجسيين الذين يعتقدون بأنهم قد اخترعوا الحركة السرمدية، بينما هم في واقع الأمر قد اكتشفوا شيئًا ما على قدر معيّن من الأهمية. يكمن الحل الثاني في الحصول على إجماع شخص آخر، وإذا أمكن حتى على إجماع الملايين. الحالة الأولى هي حالة الجنون الثنائي (ترتكز بعض الزيجات والصداقات على هذا الانحراف)، أما الثانية فهي حالة الشخصية العامة التي تمنع تفشي وانتشار ذهانها (اضطرابها العقلي) المحتمل باكتساب تأييد وإجماع ملايين الناس. والمثال الأكثر شهرة لذلك هو هتلر. إذ نصادف هنا شخصًا شديد النرجسية قد يكون عانى من ذهان لم يسمح له بجعل الملايين يؤمنون بصورته الذاتية، ولا بأخذ خيالاته المتضخمة حول "ألفية الرايخ الثالث" على محمل الجد، وحتى تحويل الواقع بحيث يبدو لأتباعه بأنه إثبات لما ادعاه. (وبعد فشله اضطر لقتل نفسه، إذ لم يحتمل انهيار صورة ذاته النرجسية).

هناك أمثلة في تاريخ القادة المصابين بحنون العظمة الذين "شفوا" نرجسيتهم عبر تحويل العالم ليتناسب معها. ويحاول أناس كأولئك أيضًا تدمير كل نقد، إذ لا يحتملون التهديد الذي يُشكله صوت العقل عليهم. ومن كاليغولا ونيرون إلى ستالين وهتلر نرى دومًا أن الحالة لإيجاد المؤمنين، وتحويل الواقع بحيث يناسب نرجسيتهم، وتدمير كل نقد، وهو شديد جدًا ويائس جدًا، لكونه محاولة لمنع انتشار الجنون. وللمفارقة، إن عنصر الجنون والهوس لدى قادةٍ كهؤلاء هو ما يجعلهم ينجحون. إذ يمنحهم قدرًا من اليقين والتحرر من الشك مؤثر جدًا في الإنسان العادي. ومن النافل القول إن الحاجة لتغيير العالم وكسب الآخرين ليتشاركوا أفكارهم وأوهامهم يتطلب مواهب وإبداعات يفتقر لها الشخص العادي –سواء كان ذهانيًا أم لم يكن- ومن الهام أثناء مناقشة مرضية النرجسية التمييز بين شكلين للنرجسية: حميد وخبيث. في الشكل الحميد يظهر موضوع النرجسية نتيجةً لجهود الشخص. وبالتالي قد يمتلك النرجسي فخرًا نرجسيًا بعمله كنجار، أو كعالم، أو كمزارع. وبقدر ما تكون موضوع نرجسيته شيئًا يجب أن يعمله عليه، بقدر ما يوازن باستمرار اهتمامه الحصري بعمله وإنجازه "هو"، باهتمامه بسيرورة العمل نفسها والمادة التي يعمل عليها. وبالتالي فإن آلية النرجسية الحميدة هي آلية فحص الذات. والطاقة التي تحث العمل هي إلى حد كبير ذات طبيعة نرجسية، إلا أن حقيقة أن العمل نفسه يخلق ضرورة ارتباطها بالواقع، تكبح تلك النرجسية باستمرار وتبقيها محدودة. وقد تفسر هذه الآلية سبب وجود العديد من النرجسيين الذين يتميزون في الوقت ذاته بإبداعٍ هائل.

أما في حالة النرجسية الخبيثة، فلا يكون موضوع النرجسية أي شئ يفعله الشخص أو ينتجه، بل شيئًا يمتلكه. على سبيل المثال حسمه، مظهره، صحته، ثروته، .. الخ. وتكمن الطبيعة الخبيثة لهذا النمط في حقيقة افتقاره للعنصر الإبداعي الذي نجده في النمط الحميد. فإذا كنت "عظيمًا" بسبب صفةٍ ما "أمتلكها"، وليس بسبب شئ ما أنجزته، لن أحتاج للارتباط بأي شخص أو شئ آخر. كما لن أحتاج لبذل أي جهد. وفي محاولة الحفاظ على صورة عظمتي أعزل نفسي شيئًا فشيئًا عن الواقع، وأزيد من شحنه النرجسية لدي من أجل ضمان أفضل حمايةٍ لي من خطر انكشاف أناي المتضخمة نرجسيًا كنتاجٍ لمخيلةٍ فارغة. وبالتالي فإن النرجسية الخبيثة ليست محدودة ذاتيًا، هي ذاتوية بقدر ما هي كارهة للغرباء. ومن قد تعلم الإنجاز لا يستطيع المساعدة بالاعتراف بحقيقة إنجاز الآخرين لأشياء مماثلة بأساليب مماثلة. حتى ولو أقنعته نرجسيته بأن إنجازه أعظم من إنجاز الآخرين. في حين لم يجد من لم ينجز شيئًا صعوبةً في تقدير إنجازات الآخرين، ليضطر بذلك إلى عزل نفسه في إطار من بهاءٍ نرجسي يتزايد أكثر فأكثر.

لقد وصفنا حتى الآن آليات النرجسية الفردية: الظاهرة، وظيفتها البيولوجية، وإمراضيتها. ويُفترض بهذا الوصف أن يُمكننا الآن من فهم ظاهرة النرجسية الاجتماعية، ودورها كمبنعٍ للعنف والحرب.

 

إيريك فروم

من كتاب "جوهر الإنسان"

(للحديث عن النرجسية الاجتماعية، ارجع إلى باقي الفصل بالكتاب المُقتبس منه)

 

اذهب إلى المقال الأول عن النرجسية

 

 

 

 

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا