أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

 

"إن الحضور الإلهي هو الحقيقة المركزية للمسيحية. فنجد في قلب رسالة المسيحية أن الله بشخصه وذاته ينتظر أولاده المفديين ليأتوا بثقة وإرادة إلى محضره.

ويا للأسف، فإن نوع المسيحية المعاصرة والرائجة الآن تعرف هذا الحضور الإلهي بصورة نظرية فقط (عقيدة محفوظة بدون حياة أو تطبيق). المسيحية المعاصرة فشلت في التأكيد والتنبير على امتياز الإنسان المسيحي في الوصول لـشركة مع الله (الشخص). والتعاليم النظرية لهذه المسيحية المعاصرة، تؤكد أن كوننا أصبحنا مسيحيين فهذا يعني وجودنا الفعلي في محضر الله، ولكن لا يُذكر شيء أبداً عن الاحتياج لمعرفة هذا الحضور اختبارياً (يا للهول). إن "الاشتياق الناري" الذي اشتعل وتأجج في قلب رجال الله مثل "ماك تشيني" هو غائب تماماً عنا. ولهذا نجد الجيل المعاصر من المسيحيين يقيس نفسه بمقياس العقيدة النظري (وليس المقياس الاختباري)، وبدلاً من الغيرة المشتعلة والمتأججة (غيرة بيتك أكلتني) نجد اكتفاءً رخيصاً وحقيراً بالعقيدة والنظريات. لقد اكتفينا بأن نجلس على كراسي المتفرجين المُقيِّمين للأمور، وفي معظم الأحيان لا نُرهق أنفسنا حتى بسؤال أنفسنا: لماذا تغيب حياة الاختبار الشخصي الحي؟!"

 

إن الله جميلٌ حقًا وعجيبٌ، كاملٌ يسر النفس ويملؤها ولا نحتاج إلى أي شئ آخر بجانب "ذاته" ليُشبع أعمق احتياجات طبيعتنا البشرية بكل ما فيها من أغوار وأسرار. والتعبد له (الذي عرفه أمثال "ماك تشيني" و"فريدريك فابر Fredrick Faber"، من ضمن صحبة كبيرة تعبدت لله هكذا) لا يمكن أبدًا أن يأتي من مجرد "معرفة عقائدية" لله. فالقلوب الذائبة محبةً للثالوث هي فقط تلك التي كانت في "المحضر الإلهي" ونظرت بعيون مفتوحة مجد وجلال الإله. وأصحاب القلوب المنكسرة يمتلكون خاصية غير معروفة أو مفهومة لبقية عامة الناس. نجد هؤلاء منكسري القلوب يتكلمون "بسلطان روحي"، لأنهم كانوا في محضر الله وهو الآن يسجلون ما قد رأوه هناك. لقد كانوا أنبياء وليسوا كتبة، لأن الكتبة يقولون لنا ما قد قرأوه، أما الأنبياء فينقلون لنا ما قد رأوه. الفرق بينهما ليس مجرد فرق تخيلي – بين الكاتب الذي قرأ والنبي الذي رأى هناك بحر كبير لا يُعبر. اليوم نحن موبؤون بالكتبة في كل مكان، ولكن الأنبياء.. أين هم؟! صوت الكاتب الخشن يجلجل في كل أنحاء المسيحية؛ ولكن الكنيسة تنتظر صوت النبي الحي العذب، هذا النبي الذي سبق ودخل وراء الحجاب وشخص بعين الإيمان على هذا "العجيب" الذي هو الله. ومع كل ما قلناه، فإننا نؤكد أن الدخول وراء الحجاب عن طريق الاختبار الحي "للحضور المقدس" هو امتياز مُتاح لكل أولاد الله بلا استثناء.

وإذا انشق الحجاب بواسطة جسد المسيح المصلوب، فلا يوجد إذن مانع من جهة الله للدخول إلى محضره، فلماذا لا ندخل؟ لماذا نقبل أن نعيش كل أيامنا خارج قدس الأقداس ولا نرى الله. نسمع العريس ينادي "...أَرِينِي وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ، لأَنَّ صَوْتَكِ لَطِيفٌ وَوَجْهَكِ جَمِيلٌ." (نشيد الأنشاد 2: 14). نعرف أن الدعوة لنا، ومع هذا نفشل في الاقتراب من الله، وتمر السنوات ونتقدم في العمر ولا نزال نقبع في الدار الخارجية لخيمة الاجتماع – ما الذي يعوّقنا؟! الإجابة التي كثيراً ما نسمعها هي أننا "في برودة". هذه الإجابة غير كافية ولا تشرح كل الحقائق. هناك شئ أكثر خطورة من برودة القلب، شئ يوجد في خلفية هذه البرودة وهو المُسبب لها، ما هو؟ ما هو إلا وجود "الحجاب على قلوبنا". هذا الحجاب لم ينشق كما انشق الحجاب الأول على الصليب، ولكنه باقٌ وقائم يحجز النور ويخفي وجه الله عنا. إنه حجاب طبيعتنا الساقطة الجسدانية فما زال يسيطر علينا ويحيا فينا وغير مدانٍ وغير مصلوبٍ وبلا توبيخ. إن الحجاب هو ذاك "النسيج المتشابك الخيوط، والمحبوك العقد" من "حياة الذات"، والذي قط لم نجرؤ على الاعتراف بسطوته، مع أننا في خفاء قلوبنا نشعر بالخجل منه، ومع ذلك لم نُحضره إلى دينونة نور الصليب. هذا الحجاب ليس بكل هذا الغموض وليس بصعب إدراكه أو تمييزه. علينا فقط أن نُمعن النظر داخليًا إلى قلوبنا لنراه هناك منسوجًا مليئًا بالرقع والخياطات، وهو مازال هناك موجودًا حيًّا، عدوًا لحياتنا، وسدًا منيعًا لنمونا الروحي.

إن هذا الحجاب ليس شيئًا جميلاً ولذلك فنحن لا نريد التحدث عنه. ولكنني هنا أُخاطب النفوس المتعطشة المُصممة على اتباع الله، وهؤلاء الذين أتيقن أنهم لن يتراجعوا عن المضي قدمًا في هذا الطريق حتى وإن واجهتهم صعاب وتجارب ومرتفعات الحياة المسيحية الشاهقة المظلمة (الباب الضيق). فإن "الإلحاح الإلهي" بداخلهم هو الضامن لاستمرارية "اللهث وراء الله". وعندما يوجهون حقائق الحياة الواقعية، ومهما كانت مؤلمة فسوف "يتحملون" الصليب من أجل السرور الموضوع أمامهم.

وهنا أنا أريد بجرأة وثقة أن أضع تعريفًا ووصفًا لخيوط نسيج هذا الحجاب الداخلي. إنه نسيج من خيوط دقيقة من "حياة الذات"، الخطايا المتأصلة Hyphenated Sins في النفس البشرية. إنها ليست خطايا "نفعلها" We Do، إنها الخطايا التي تمثل "كينونتنا" We Are (الإنسان لا يفعل الخطية فحسب؛ الإنسان كائن مكون ويتكون من الخطية – المترجم). وفي هذه الحقيقة تكمن سطوة وخداع الخطية. ولنكون أكثر تحديدًا، فإن خطايا الذات هي "البر الذاتي"، "الشفقة على الذات"، "الثقة بالذات"، "الاكتفاء بالذات"، "الإعجاب والابتهاج بالذات"، "محبة الذات"، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى لهذه الخطايا. كل هذه الخطايا ساكنة وغائرة في أعماقنا، ولأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من طبيعتنا الفاسدة فلذلك لا نلاحظها كثيرًا، إلى أن يُسلط عليها ضوء الله الساطع. وبكل أسفٍ نرى مظاهر وتعبيرات وتبعات هذه الخطايا الدفينة في حياة القادة المسيحيين: فنرى "الذاتية وغرور الذات" Egotism، "حب الظهور والاستعراض والمنبرية" Exhibitionism، "ترويج للنفس" Self-Promotion. ونرى هذه الخطايا حتى في الأماكن التي تدعي الاستقامة والمحافظة على العقيدة والتراث. ونتيجة لكثرة تواجد وانتشار هذه الظواهر والتعبيرات عن الخطية (في المجتمع الكنسي) اعتقد الكثيرون من العامة أنها جزء من الإنجيل ومن الإيمان. ولا أعتقد أنني أسخر إذا قلت أن هذه الظواهر أصبحت مواهب ضرورية لمن يريد الظهور والشهرة والانتشار في الأوساط الكنيسة! لقد أصبح الترويج للنفس تحت ادعاء أنه ترويج للمسيح "الموضة" السائدة في الكنيسة إلى حد أنها لم تعد قضية تُلاحظ أو تشغل بال الكنسيين.

ومن المنطقي أن نفترض أن التعليم عن "فساد الإنسان" Man's Depravity واحتياجه لأن يتبرر فقط ببر المسيح، ليتحرر من سلطان الخطية، سوف يُحررنا من لعنة "حياة الذات". ولكن للأسف هذا التعليم لا يكفي. إن "الذات" قادرة على أن تعيش غير مُوبَخة وحتى وهي موضوعة على المذبح! من الممكن أن نرى الضحية تُدمي وتموت (الضحية التي هي نفس وذات الإنسان – المترجم) بدون أدنى تأثير بما يحدث ويُشاهد. ومن الممكن لهذه النفس المخدوعة أن تحارب من أجل الإيمان الصحيح وأن تعظ بلباقة متناهية عن قانون إيمان "الخلاص والنعمة"، وحتى ربما تعتقد أنها تكتسب قوة روحية من هذا الوعظ. في حقيقة الأمر، هذه النفس المخدوعة تتغذى على العقيدة الصائبة المستقيمة Orthodoxy  وتشعر بالارتياح في بيوت المؤتمرات المسيحية أكثر من الحانات. فكل الكلام عن الاشتياق لله يمنح هذه النفس وسطًا عاطفيًّا ملائمًا لتنشط وتنمو (في خداعها واتجاهاتها الخاطئة – المترجم).

"الذات" هي الحجاب المُظلم القاتم الذي يحجب وجه الله عنا. ولا يمكن رفع هذا الحجاب عن طريق العقيدة والتعليم، فقط يُرفع "بالاختبار الروحي". فإن محاولة رفع الحجاب عن طريق التعليم فقط، يشابه محاولة شفاء مرضى البرص عن طريق إعطائهم تعليمات نظرية. إننا نحتاج إلى عمل الصليب ليقوم بعملية إماتة الذات بداخلنا، ونحتاج أن نُحضر خطايا الذات هذه إلى الصليب حيث تظهر وتُدان هناك. ونحتاج أيضًا أن نُعد أنفسنا لنجتاز في بوتقة الألم وبذلك نشابه بعض الشيء ما جاز فيه مخلصنا حينما تألم على يد بيلاطس البنطي.

لنتذكر أننا عندما نتحدث عن الحجاب فنحن نتحدث في صور تشبيهية ورموز. وهذه الصور قد تحمل في طياتها أحيانًا جانبًا شاعريًا جميلاً وربما هذا يُعطيها في النهاية مذاقًا حلوًا عذبًا للنفس. ولكن في حقيقة الأمر التحدث عن الحجاب ليس فيه أي شئ عذب، لأن هذا الحجاب مصنوع من "أنسجة بشرية لحمية" Living Spiritual Tissue– أنسجة غاية في الرقة والحساسية والارتجاف، وعندما يلمسها أدنى شئ نشعر بألم شديدٍ. ومحاولة نزع هذا الجانب البشري الذي فينا يُسبب ألمًا داخليًّا موجعًا. وليس من مصلحتنا أن ندّعي غير ذلك لأن هذا يُقلل من شأن الصليب والموت. فيجعل الصليب ليس صليبًا، والموت ليس موتًا. إن الموت (مع المسيح) ليس نزهة. إن انتزاع واقتلاع ما هو متأصل في الإنسان وعزيز عليه يُسبب ألمًا عميقًا. لقد كان هذا هو الصليب بالنسبة للمسيح وسيكون الصليب هكذا أيضًا بالنسبة للإنسان لكي ما يتحرر من ذاته.

ولكن لنحترس من المحاولات الذاتية لشق الحجاب. الله وحده هو القادر على فعل ذلك. دورنا هو أن نُسلم ونؤمن. دورنا أن نعترف، نرفض، ونوبخ حياة الذات، ثم نقدمها للصليب. ولكن لنحترس أيضًا ونُميز ما بين "القبول المستهتر" (الذي نراه في كنائسنا – المترجم) وبين "عمل الله الحقيقي". لابد أن نصمم على الحصول على عمل الله الحقيقي، ولا نكتفي بالتعليم العقائدي النظري عن "صلب الذات". إن سقطنا في هذا الخطأ سنشابه الملك شاول الذي لم يُقدم أفضل النغم والعجول كذبيحة لله (وقرر الاحتفاظ بها لنفسه وللشعب – المترجم). نحتاج أن نعقد العزم على أن نرى عمل الله يُعمل بالحق. الصليب مؤلم ومُميت ولكنه فعّال. الصليب لا يترك الإنسان مُعلقًا عليه للأبد. ولكن يأتي وقتًا ويموت هذا الإنسان المتألم المُعلق على الصليب، وعندئذٍ تنتهي الآلام وتأتي القيامة والمجد والسلطان، ويُنسى الألم وينشق الحجاب ويأتي الفرح الإلهي – فرح الدخول إلى الاختبار الحقيقي في "محضر الإله الحي".

 

صلاة:

يا رب، ما أجمل طرقك، وما أظلم وأخدع طرق الإنسان. أرنا كيف نموت لكي ما نقوم في جدة الحياة. لتشق حجاب حياة الذات من أعلى إلى أسفل كما حدث في حجاب الهيكل. وعندئذٍ سنقترب إليك في يقين الإيمان، ونسكن معك في اختبار يومي هنا على الأرض، وبذلك نتذوق المجد الذي سوف نعيشه عندما ندخل سماء أبديتك ونسكن هناك إلى الأبد.

في اسم المسيح... آمين.

  

(أ. و. توزر)

"اللهث وراء الله"

 

 

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا