أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

 

لقد أسهبت في هذا الأمر نظرًا لأهميته القصوى في عالم الطب. ذلك أن الجسد مثل كلب: إن عاملته بوصفه عدوًا اشتبك معك. وأن عشت محتقرًا للجسد، وأسأت إليه وأزعجته، فكأنك تشن نوعًا من الحرب الأهلية داخل النفس ويُعرّض الصحة للخطر. ونحن دائمًا ما نقابل مرضى يعترفون باحتقارهم للجسد وفي الوقت يرتبطون بالأمور الروحيّة.

وهذا هو السبب في كثير من حالات إهمال النظافة والتغذية الصحيحة. وكم رأيت من رجالٍ ونساءٍ، ما هم إلا ضحايا للطائفية المقيتة ضيقة الأفق. وهم يفرضون سوء التغذية على زوجاتهم وأزواجهن بل وحتى على أطفالهم، على رجاء التعمق في الحياة المسيحية. وبالطبع، لست أدافع هنا عن المغالاة في الطعام والشراب. ولكن على الرغم من أن مثل هذا الاستخدام السيئ نفسه غير مرتبط، وغير متناقض مع فكرة أن النفس والجسد متعارضان. والتحليل الدقيق لعقلية الشره هذه ستبين لنا أن صاحبها فقد معنى قداسة الجسد، والطعام والشراب (مز 104: 10-15)، لذا يتعامل معها بوصفها أشياء وضيعة، وبالتالي يحق أن يسئ استخدامها كما يحلو له.

وفي هذا الصدد، علينا أن نلتفت إلى ما قاله بولس الرسول إلى أهل كورنثوس: "أُقمع جسدي وأستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا – 1كو 9: 27". وقد يؤخذ هذا النص على أنه اتجاه سلبي ضد الجسد، ودعوة للزهد وإهانة للجسد. وإني لا أعتقد أنه يمكن تفسيره هكذا. إن الرسول يشير إلى ألعاب القوى، حيث يخضع اللاعب لانضباط ذاتي صارخ من أجل الحافظ على لياقته البدنية. وفي ذهنه، أن هذا التدريب الصارم ليس هو نهاية المطاف، وهو مجرد وسيلة وليست مجرد إماته للجسد، بل سيطرة عليه لغرض واضح – أي قصد الله الذي يلعب هذا الجسد دورًا مهمًا في تحقيقه. وليست هناك معاملة للجسد بكونه عدوًا بل ومن ثم يمطره بالضربات، بل هو صديق نساعده لكي يلعب دوره بإتقان. وكما يقول بعض الأطباء المعاصرون، هناك مراتب للشخص، ومن ثم لا يتعارض الجسد مع الروح بل يخضع له، مثل الحوذي الذي يُمسك بزمام حصانه بشدة، لا ليسيء معاملته أو ليشل حركته. بل ليثير حماسته ويقوده.

وعلى سبيل المثال، عرفت بعض الشباب تنتابهم الهواجس نتيجة مصارعتهم مع العادة السريّة أو الشهوة. وفي يأسهم يحاولون إهانة أجسادهم، إما تحت تأثير التفسير المغرض للكتاب المقدس والذي أدينه بشدة الآن، أو متأثرًا بأخلاقيات أخرى هي أقرب للهندوسية منها للمسيحية. وبعيدًا عن نوال الانتصار، فذلك الزهد الخاطئ يجعل الأمور تزداد صعوبة. ذلك أنهم ينهكون أجسادهم بتداريب جسدية، النوم على الأرض، الزهد الشديد في الطعام، النتيجة الحتمية لكل هذا هي أن تسير هواجسهم من سيئ لأسوأ. وهم يفقدون توزنهم ويضلون الطريق في مسيرة حياتهم، وهذان شرطان أساسيان في تحقيق الانتصار المنشود.

وهنا نقتبس مرة أخرى من رسالة بولس إلى رومية والتي خصصها للحديث عن الفجور، وعن الجهد المعنوي الخاطئ، والنعمة، قال: "لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير – رو 12: 21" وهذا يعني، لا تستنزف قواك عبثًا في صراعات لا طائل منها، بل كن إيجابيًّا كما يعلمنا الكتاب المقدس، بغض النظر عما يقال في الكنائس عكس ذلك. إن كلمة "الإنجيل" تعني "الأخبار السارة"، إنها الأخبار السارة عن القوة الإيجابية، وهي أقوى من الشر، والمرض والموت، تلك القوة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع (يو 16: 33، 8: 37، 1كو 15: 25-26). وأن تغلب الشر بالخير فهذا يعني أن تحول انتباهك عن التجارب التي تهاجمك، وتثبت أنظارك على الرب يسوع (عب 12: 2)، وأن تسلم نفسك جسدًا وروحًا بين يديه (غل 2: 20).

 

معنى غريزة الجنس

هناك حقيقة ثابتة، أن يسوع المسيح لم يتزوج. ولكننا لا نرى فيه أية عوارض "للنكوص الطفولي" وهذا العرض هو ما يستدل به علماء النفس على وجود حالة كبت للغريزة. وعلى العكس من ذلك، فهو يُظهر رجولة مدهشة.. وهذا الكلام ينطبق أيضًا على أغلبية رجال الكتاب المقدس، إذ يصعب علينا أن نرى فيهم أي كبح للغريزة، كما أن النساء لم تكبح أنوثتها أيضًا. وفي غرفة الاستشارة الخاصة بي، والتي تتمتع بخصوصية شديدة، سمعت رجالاً ونساءً يقولون لي إنهم يؤمنون بغفران الله لكل خطاياهم عدا الخطايا الجنسية. أي أنهم لا يشعرون بأن الله يمكن أن يغفر لهم هذه الخطايا. بل سيزدري بهم إلى الأبد. وبقولهم هذا، هم يسقطون على الله ازدرائهم لأنفسهم. وهم بذلك يبرهنون على أن هذا الاحتقار ليس مرده حقيقة أنهم خطاة، بل الحقيقة هي أن الخطية خطية جنسية. وما أبعد المسيح عما يظنونه! إن صرامته حُفظت لمثل هؤلاء الناس أمثال الفريسيين. لقد دافع عن المرأة التي أُمسكت في ذات الفعل أمامهم جهارًا (يو 8: 3-11) وتحداهم قائلاً: "من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر! – يو 8: 7)" وبهذا أظهر لهم كيف انه يعلم ما في قلب الإنسان..

إن اللطف والثقة كما تكلم بهما يسوع إلى المرأة السامرية (يو 4: 7-26) وإلى الزانية (لو 7: 36-50) والتي قبلت رجليه. وغضبه على سمعان، كل هذا يبين لنا أن سلوكه بعيد كل البعد عن ذلك الازدراء المتزمت للجنس، والذي يعتقد البعض أنه فكر كتابي. وكثيرًا ما نقرأ كيف أنه كان يلتقي بشخصيات قد تؤثر على سمعته هو شخصيًا (مت 9: 10).

وفيما يتعلق بالمرأة الزانية، قال يسوع لمضيفه، سمعان الفريسي: "قد غُفرت خطاياها الكثيرة، لأنها أحبت كثيرًا – لو 7: 47". وهو بهذا لم يُنكر كونها خاطئة، بل، وعلى خلاف مرضاي الذين تحدثت عنه لتوي، فعلى الأقل، لم يعتبرها يسوع خطايا غير قابلة للغفران. وأكثر من ذلك، فإن موقفه من المرأة على النقيض من موقفه تجاه سمعان الفريسي..

وإن كنا حقًا ندرس نظرة الكتاب المقدس إلى الجنس، علينا ألا نتجنب رؤية الأشياء كما هي، وكما ترينا هذه الرواية، فإن يسوع رأى أن أولئك الذين يعيشون في انحلال أخلاقي – وبغض النظر عن سوء سلوكهم، وهذا ليس تبريرًا لهم – تحمل قلوبهم الكثير من الخير أكثر مما يحمله المتشددون من أمثال سمعان هذا. وأكثر انفتاحًا على بواعث الإيمان، وربما لاحظنا نحن أيضًا ذلك. وإن مثال يسوع نفسه يُرينا أننا لسنا في حاجة إلى أن نسلك مثلهم، بل، إن موقفه يكشف لنا المعنى الكتابي الحقيقي للغريزة الجنسية. ولا أعتقد أن الكتاب المقدس يتعارض مع نظريات علماء التحليل النفسي بشأن تعريف الغريزة الجنسية، والذي قاموا به تحت مسمى "اللبيدو"، من كونه قوة الحياة والحاجة إلى الحب. ويرى "فرويد" أن المعنى الأول ما هو إلا تساميًا بالمعنى الأخير. أما "يونج" فيرى أن الجنيس تجسيد للحب الروحي. ومع ذلك، يتفق الاثنان على أن هناك ترابطًا بين المعنيين، وهذا يتطابق مع وجهة النظر الكتابية. وقد أشرت منذ قليل، من خلال اقتباسي من (د. ثيو بوفيت) إلى الكثير من الفقرات الكتابية والتي تعرض لنا بوضوح أن أحدهما صورة للثاني.

إن الكتاب المقدس يحترم الحب الجنسي، ويقدم لنا سفر التكوين كيف أسس الله الجنس بوصفه قمة أعماله في الخلق (تك 1: 27، 2: 18-24). وبعد أن خلق الرب السماء والأرض، ثم الحيوانات، خلق الإنسان في آخر الأمر – ذكرًا وأنثى.. وقد خلق الله الجنس، التمايز الجنسي. وقد أوضح لي أحد اللاهوتيين أن ضلع آدم في تلك الرواية الشهيرة قد تعني "جانب" وذلك من حيث معناها المجرد (وسوف يلاحظ أخوتي الأطباء أن ما حدث هو عملية جراحية تمت تحت التخدير). وأن ما حدث لا يعدو فصل مبادئ الذكورة عن الأنوثة، وحيث يبحث كل منهما عن الآخر ليتحدا معًا، وهذا الاتحاد يهدف إلى أن يكون هو أعظم مصدر للنمو الروحي.

ومع ذلك، فإن الغريزة الجنسية بحسب الكتاب المقدس، ليست أمرًا فاحشًا أو بذيئًا، بل هي عنصرٌ مهمٌ في خطة الله. وأن يتقابل رجل وامرأة معًا، ويصير لقاؤهما تواصلاً حقيقيًّا، بحيث يمتلك كل منهما الآخر جسدًا وروحًا، فهذا يقودهما إلى اكتشاف أعمق الحقائق الروحية. وهذا يمنح الرابطة الزوجية ميزة خاصة تختلف عن كل الروابط البشرية الأخرى قاطبة، وهي الرابطة الوحيدة التي وصف بها الكتاب المقدس ارتباط المسيح بكنيسته. وهذا يُفسر لنا لماذا يصف القديسون خبراتهم الإيمانية العميقة باستخدام تعبيرات مثل (الزواج الروحي) بيسوع المسيح. وهو تعبير صادم للكثيرين الذين ينظرون إلى الغريزة نظرة ازدراء. كما أن هذا يوضح حقيقة أن الأطباء النفسيين يكشفون عن رابطة ذهنية متأصلة بين الجنس والدين، وكلاهما مفعم بالعاطفة، التحفظ والغموض. وأيًا كانت علاقتنا الحميمية مع صديق، أو قربنا الروحي من أحد المؤمنين بالمسيح، يظل هناك دائمًا حاجزٌ من التحفظ، يسقط فقط في الرابطة الزوجية. ذلك أن منح الجسد في الحب الزوجي سرحه ذلك الأعزب، أعني بولس الرسول: "ليس للمرأة تسلط على جسدها، بل للرجل. وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده، بل للمرأة – 1كو7: 4".

ومن وجهة نظر الكتاب المقدس، فإن عطاء الجسد في العلاقة الزوجية، وسقوط حاجز التحفظ الأخير، هو رمز لعطاء الكيان كله، وتسليم النفس تسليمًا مطلقًا لله بالإيمان. وعند الحديث عن الجنس، يستخدم الكتاب المقدس كلمة "عرف". "وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين – تك 4: 1". وقبل عن يوسف النجار: "لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر. ودعا اسمه يسوع مت 1: 25". وهكذا يستخدم الكتاب المقدس الكلمة نفسها للتعبير عن سمو الرباط الزوجي والذي يربط بين الإنسان والله من جهة أخرى: "ولم يقم بعد نبي في اسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجهٍ – تث 34: 1"..

وحقيقة أن العلاقة الجنسية تتطلب هذا العطاء الجسدي الكامل للآخر قادت رجال الكتاب المقدس تدريجيًا إلى إدراك الناموس المقدس أي عقيدة الزوجة الواحدة.. ومن جهة أخرى، يؤكد الكتاب مرارًا وتكرارًا على القيمة الإلهية، بل والقدسية للحب الجنسي.

وللجنس مفهوم آخر في قصد الله، ذلك أنه يقدم صورة كاملة لبذل النفس والإيمان الواثق، والتدريب عليها: ذلك هو المكان الذي تحتله الغريزة الجنسية في الكتاب المقدس. تلك هي إجابة الكتاب المقدس التي نقدمها لكل من يأتينا طلبًا للمشورة ويعاني من العصبية والاضطرابات النفسية نتيجة لمفهومه الخاطئ عن الجسد بوصفه عدوًا للروح، وهي إجابة لكل اضطراب عصبي نتيجة لكبح الغريزة الجنسية واحتقارها (والاثنان يسيران معًا) والخوف منها، وحالات مثل "النكوص الطفولي"، وفقدان الدافع الحيوي في الكآبة أو السوداوية، والضعف الجنسي، والبرود الجنسي. كما نجد هنا حلاً للصرعات الزوجية، والتي تحدث لما يمكن أن نسميه "عدم توافق الأمزجة"، ولكن السبب الحقيقي هو ما يعانيه أحد الأطراف من مشاكل جنسية أو تربوية، أو صدمات جنسية تعرض لها في طفولته المبكرة، أو موقف سلبي تجاه الجنس. والنتيجة، هي عدم قدرته على ولوج الحياة الجنسية بكل صدق. وغالبًا ما ينظر إلى شريكه/شريكته نظرة ازدراء، كما لو أنه الكائن الأسمى من الآخر، والأكثر روحانية منه، لذلك لأنه أكثر ارتباطًا بالأمور الروحية، وهذا بالطبع مجرد تبرير، أي تفسير زائف لحالة تسببت فيها مشاعر لاواعية (أي المفهوم المشوه الخاطئ عن الجسد وعن الجنس).

وهذا التبرير الواضح تدعمه نظرة متحاملة إلى الجنس، ترتكز على تفسير باطل للكتاب المقدس وشائع بين المتدنيين. أولئك الذين جعلوا من الضرورة فضيلة. ويفتخرون بأمور هي في حقيقة الأمر أمراض باثولوجية (مثل تعذيب الجسد، والكبت الجنسي). ولا يمكنهم الشفاء إلا إذا كان لديهم وعي بها من خلال تفسر كتابي صادق للحياة الجنسية. وقد خصص الدكتور بايوت جروبي ليونيز – والذي درس المشاكل الطبية، الفلسفة، علم الأحياء – إحدى محاضراته السنوية المتميزة للإجابة عن تلك الأسئلة. إنها مشكلة على جانب كبير من الأهمية، ذلك أن عددًا من المحللين النفسيين يتهمون المسيحية بأنها سبب في كثير من الأمراض العصبية. ولذلك وضعوا ما يمكن أن نسميه "مبادئ السعادة" في مواجهة المبادئ المسيحية، وقد اكتسبت هذه الفكرة أرضًا كبيرة بين الناس، وأصبح على الإنسان أن يختار ما بين الإيمان المسيحي أو السعادة الزوجية في الأمور التي يختلفون فيها! ومما لاشك فيه أن هذا مخالف للحقيقة. ولكننا أيضًا نلتمس بعض العذر لهؤلاء المحللين النفسيين، حتى أن المستنيرين من الناس يختلط عليهم الأمر كثيرًا أو قليلاً بشأن احتقار الجنس مع الإيمان المسيحي.

شاهدت مؤخرًا امرأة كانت تحدوها رغبة صادقة تجاه حياتها الزوجية، إذ أرادت أن تخلق تناغمًا ملموسًا ما بين الحياة الزوجية والحب الجنسي، وتناقشت طويلاً مع زوجها في هذا الأمر، والذي كان يحبها، وهو مؤمن ملتزم. لذا قررا أن يشتركا في الصلاة قبل أي لقاء جنسي، وكان رد فعلي الأولي تجاه هذا هو الموافقة التامة. ولكن، وبعد أن أمعنت التفكير في الأمر طرحت عليها السؤال التالي: "هل تعتقدين من أعماق قلبك، أن هذه الصلاة هي بالفعل نوع من التعاويذ، كما لو أن الحب الجنسي أمرٌ يخص الدين، ومن ثم يحتاج إلى ان يتطهر بالصلاة؟ فتريثت قليلاً وأجابتني: "نعم، أعتقد أن ما قلته صحيحٌ تمامًا" واستطعت أن ألمح من تعبيرات وجهها أنها كانت تحاول أن تكتشف ما بداخلها، وأنها استطاعت أن ترى احتقارًا للجنس يكمن خلف رغبتها في أن تدمج ما بين الحياة الروحية وممارسة الجنس معًا بوصفها متدينة.

وسيفهم القارئ أنني لم أنتقد قرار هذين الزوجين الصغيرين، ولم أرغب في أن أمنعها من الصلاة معًا كلما أتيحت الفرصة. بل كنت مهتمًا بالأساس اللاواعي لقرارهم الواعي. وياله من مقياس زائف للقيم، إذ يعتبر أن الرفقة في الصلاة أقدس من الرفقة على مستوى الجسد، في حين أن كليهما عطيّة من الله.

ونفس وجهة النظر الكتابية هي أيضًا الإجابة عن هؤلاء المنغمسين في العلاقات الجسدية. وها هنا أيضًا نواجه التناقض الذي تحدثت عنه فيما يتعلق باحتقار الجسد. وحين يضيع معنى القداسة في الجنس، ينغمس الناس فيه كما لو أنه شئ متدنٍ وليس له أي قيمة ولا يستحق أي احترام. وعلى سبيل المثال، أخبرني إنسان غير مخلص لزوجته، أنه مدرك لما كان يفعله، وهو ينظر للأمر بكونه ليس أكثر من مغامرة جسدية، لا يمكنها – حسب ادعائه – التأثير على محبته الروحية تجاه زوجته. وتفسير هذه الحالة وغيرها مثل: الشره للاستمناء (الشره في ممارسة العادة السرية)، يكمن في الفصل بين عنصري الحب، أي الأعضاء التناسلية، وهي العنصر الجسدي، والعواطف، وهي العنصر الروحي. وتعبير "عدم الاندماج" أفضل من "الفصل ما بين"، ذلك أن هذا الاندماج يأتي مع النمو النفسي للرجل.

ويعد هذا الاندماج جزءًا من قصد الله نحو الإنسان، كما سبق ورأينا فيما اقتبسناه من فقرات. وفي رواية تأسيس الزواج، يقول الكتاب: "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا – تك 2: 24"، وهنا إشارة واضحة إلى الاتحاد الجنسي، كما أنه إشارة إلى الاتحاد الكامل لكل من الجسد والروح بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقد أشار بولس الرسول إلى هذا الأمر حين كتب: "أم لستم تعلمون أن من التصق بزانية هو جسدٌ واحدٌ؟ لأنه يقول: "يكون الاثنان جسدًا واحدًا – 1 كو 6: 16".

وحين نتمعن في هذا الطريق، نرى أن كل علاقة جنسية هي زواج، عمل إلهي وإنساني في آن واحد، وذلك وفقًا للأمر الكتابي: "إذًا ليس بعد اثنين بل جسدٌ واحدٌ. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسانٌ – مت 19: 6".

والخلاصة، هناك أربعة مواقف رئيسية بشأن الحب الجنسي: الأول، "التقليل من شأنه"، ونرى فيه فعلاً لا إراديًا نفسيًا – وهو بمثابة عذر لخوض مغامرات عاطفية سواء قبل الزواج أو بعده. الثاني، هو موقف "التأليه"، وهو موقف يبالغ في الحب الجنسي، وبالتالي يقلل من قيمة كل شئ إنساني، مثل الفن، والثقافة، والضمير الأخلاقي والإيمان. ثالثًا، موقف الازدراء، والذي يرى في الحب الجنسي أمرًا مهينًا. وهكذا نرى تقاربًا في هذه المواقف الثلاثة. ذلك أن جميعهم لا يدمجون الجانب الجسدي بالجانب الروحي في الحب، علاوة على التكرار والنتائج الوخيمة التي كشف عنها علماء النفس.

أما الموقف الرابع، فهو موقف الكتاب المقدس، حيث يندمج الجانب الجسدي بالجانب الروحي، وحيث يصير للجنس معنى إلهيًا مقدسًا. إنها الإجابة العظيمة – وإن أردت فقل: إنها الشفاء العظيم – لكل مرضانا الذين لديهم اضطرابات نفسية وجنسية. كما أن الموقف الرابع هذا، يكشف عن عظمة الحب الجنسي لمثل هؤلاء الذين يقللون من شأنه ويزدرون به، وفشلوا في إدراك عظمته، كما يُحرر البعض من عبوديتهم للجنس، ذلك الذي صنعوا منه إلهًا مزيفًا، وأخيرًا، فهو يصالح أولئك الذي يزدرون بالجنس، ويعيد إليهم الفرح به،  هذا الفرح والاستمتاع بالجنس هو ما أراده الله للإنسان.

وقد يعترض البعض بأن هناك فقرات عديدة في الكتاب المقدس تتحدث عن التعارض بين الجسد والروح: "أن اهتمام الجسد هو موتٌ، ولكن اهتمام الروح هو حياةٌ وسلامٌ – رو 8: 6، انظر أيضًا، رو 8: 5-8؛ يو 6: 63؛ مت 16: 17؛ رو 13: 4؛ غل 5: 16-20". وقد سبق لي وعالجت هذا الأمر، ولكن، يجب أن أعود إليه ثانية الآن، وذللك لنتجنب سوء الفهم الذي يؤدي إلى عواقب وخيمة في حالات عديدة من الأمراض النفسية، وكما أوضح د.شليمر قائلاً: إن كلمة الجسد – في اليونانية – والتي جاءت في الآيات السابقة لا تعني اللحم والدم، بل تعني الإنسان الطبيعي في مجمل شخصه. جسد، عقل، نفس. وفي رواية الخلق، نجد أن الإنسان نتيجة لخطيته فصل نفسه ككل عن خالقه. إن التمرد الجسدي للإنسان، أي (الأكل من الثمرة) وتمرده العقلي (تحريض الحية للمرأة، وتحريض المرأة للرجل)، كل هذا ما هو إلا رموز لعصيانه الروحي. وادعائه الاستقلالية عن خالقه، ونفس الشيء في الفقرات التي اقتبسناها، ذلك أن كلمة روح تعني "الإنسان الجديد" أي الذي تجدد بيسوع المسيح، وبمعمودية الروح القدس.

وعلى سبيل المثال، نلاحظ أن القديس بولس وهو يعدد أعمال الجسد في (غل 5: 19-21)، لم يُدرج ما يخص الجسد فقط مثل "زنى عهارةٌ نجاسةٌ دعارةٌ"، بل أدرج ما يخص النفس والعقل أيضًا: "عبادة الأوثان سحرٌ عداوةٌ خصامٌ غيرةٌ سخطٌ تحزبٌ شقاقٌ بدعةٌ، حسدٌ قتلٌ سكرٌ بطرٌ".

لاحظ أيضًا، أنه وعلى الرغم مما في الجسد (المعنِي به الحديث هنا) من نجاسة، إلا أنه من الواضح أن جذوره ترجع للنفس والعقل، وبالمثل، ففيما يتعلق "بثمر الروح" والتي وضعها الرسول بولس في مقابل أعمال الجسد، نجد من بينها "التعفف" والذي له أثاره على الجسد، تظهر في، محبةٌ فرحٌ سلامٌ، طول أناة لطفٌ صلاحٌ، إيمانٌ، وداعةٌ. وربما كان لزامًا علينا أن نشحر تلك الفقرة الشهيرة التي ورد في الموعظة على الجبل: "إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتيها، فقد زنى بها في قلبه – مت 5: 28". لقد أتيحت لي فرص عديدة لكي أتحدث إلى الشباب عن الكتاب المقدس والمحبة، ساعيًا إلى إيقاظ هذا المفهوم الرائع عن الغريزة الجنسية. وتكرر الأمر كثيرًا، حتى أنه في إحدى المرات اقتبس أحدهم هذه الفقرة، حيث تحرم إلقاء نظرة على فتاة جذابة. وقد أشرت له إلى الحقيقة الواضحة: أي أن هذا النص لا ينطبق عليه، فهو أعزب، أو على الأقل، لن تنطبق عليه إلا إذا اشتهى امرأة يعلم أنها متزوجة. وواقع الأمر أن الرب يتحدث هنا عن الزنا، وما حديثه إلا تأكيدًا بليغًا على إعطاء النفس بكليتها للآخر في الزواج. وفي هذا التصريح، والآيات التالية، شجب يسوع نفاق بعض الأخلاقيات المقبولة من الكثيرين، والتي تعارض روح الإنجيل تعارضًا صارخًاً، والتي تعبر عن الخيلاء التي يتشح بها كل من يعتبرون أنفسهم أفضل من غيرهم لا لشئ إلا زهدهم في أمر ما، بينما الحقيقة تعلن لنا أنه، وأمام الرب، الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله، والجميع متساوون في هذا الأمر. ذلك أن الرب ينظر إلى قلب الإنسان، لذا، قد يفهم شاب صغير من هذا النص، انه ليس أكثر نقاوة من بعض رفقائه، الذين يدين سلوكهم، وأنه يحتاج مثلهم إلى غفران الرب. وفي نهاية الأمر نقول: إن الله هو من وضع في قلب الشاب الرغبة التي تجعله ينجذب إلى المرأة، والميل إلى أن يؤخذ بجمالها، كما وضع في قلب الفتاة الصغيرة تلك الرغبة في ان تكون مرغوبة، وهذا ما يزيدها جمالاً، وتلك موهبة متجذرة فيها. والكتاب المقدس لا يدين هذا الأمر، بل يرينا كيف كان يعقوب يفضل راحيل على ليئة من أجل جمالها (تلك 29: 17)، كما يروي لنا عن بوعز الذي أُخذ بجمال راعوث الموآبية، ولا يعلم كيف يزيح كل عائق يحول دون زواجه منها (را 1: 13).

 

بول تورنييه

من كتاب "يوميات طبيب"

 

التعليقات  

#1 حازم 2015-06-05 13:10
استمتعت بقراءة هذا الجزء ,لكن عندي استفسار حول الفقرة الأخيرة حيث يقول الكاتب عن الشاب تعليقا على مت 5: 28 في إحدى المرات اقتبس أحدهم هذه الفقرة، حيث تحرم إلقاء نظرة على فتاة جذابة. وقد أشرت له إلى الحقيقة الواضحة: أي أن هذا النص لا ينطبق عليه، فهو أعزب، أو على الأقل، لن تنطبق عليه إلا إذا اشتهى امرأة يعلم أنها متزوجة... إن الله هو من وضع في قلب الشاب الرغبة التي تجعله ينجذب إلى المرأة، والميل إلى أن يؤخذ بجمالها، كما وضع في قلب الفتاة الصغيرة تلك الرغبة في ان تكون مرغوبة، وهذا ما يزيدها جمالاً، وتلك موهبة متجذرة فيها. والكتاب المقدس لا يدين هذا الأمر ..الخ أرجو ان توضحوا لنا مقصد الكاتب لأني لا اعتقد انه يبرر النظرة الشريرة هنا وشكرا لكم
اقتباس
#2 إدارة الخدمة 2015-06-06 17:48
بالتأكيد لا يبرر الكاتب الخطية على الإطلاق، كما هو واضح في رسالته. بالتأكيد قراءة الكتاب بأكمله ستساعد في الفهم.
اقتباس

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا