أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

 

كما هو معتادٌ مع المسيح، استعمل كلمة "الودعاء" في جملة مختصرة جازمة، ولم يقم بشرحها إلا في فقرة لاحقة في النص. يقول لنا في إنجيل "متّى تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ". (مت 11: 28-30)

في هذا النص، نجد أمرين متضادين، النير والراحة. لم يكن النير شيئًا خاصًا فقط بسامعيّ المسيح آنذاك، لكنه الثقل الذي تحمله كل البشرية منذ السقوط. ليس هذا النير هو الظلم والقهر السياسي ولا هو الفقر أو العمل المضني الشاق. لا، إنه شئ أعمق من ذلك بكثير. إنه يقع على الغني والفقير سواءً بسواء، لأنه لا الغنى، ولا الكسل، ولا الاسترخاء يمكن أن يحررونا منه.

النير الذي تحمله البشرية هو نير ثقيل وساحق. والكلمة التي استخدمها المسيح تعني النير الذي تحمله البشرية هو نير ثقيل وساحق. والكلمة التي استخدمها المسيح تعني "الثقل الذي يُحمل أو المجهود المبذول إلى حد الاستنزاف". "الراحة" تعني ببساطة التحرر من هذا الثقل. إنه ليس شيئًا نفعله! لكنه شئ يأتي إلينا عندما نتوقف عن العمل. وداعة المسيح... هذه هي الراحة. دعونا نمتحن أحمالنا. إنها أحمال وأثقال "داخلية". إنها تهاجم القلب والفكر ثم تصل إلى الجسد من الداخل (وليس من الخارج).

أولاً: هناك ثقل "الكبرياء": حقًا إن الحمل الناتج من "محبة الذات" هو حمل ثقيل. افحص نفسك لترى هل الكثير من أحزانك كان نتيجة كلام شخص جارح. وطالما أنت ترفع نفسك "كإله صغير" ينبغي أن يُكرّم ويُطاع، فسوف تجد هؤلاء من يستمتعون بكسر هذا الوثن. كيف تتوقع إذًا أو تأمل في الحصول على الراحة الداخلية؟ إن محاولات القلب المستميتة لحماية نفس الإنسان من أيّة إساءة. والمحافظة على كرامته من الآراء الخاطئة سواء من صديق أو عدو. لن تعطِ النفس أي راحة أو هدوء. وإذا استمرت هذه الصراعات وهذه المحاولات لسنين طويلة، فسوف يصبح الحمل الثقيل فوق الاحتمال. ولكن للأسف، إن بني البشر يسيرون الحياة حاملين دائمًا هذا الحمل، يتحدَّون كل كلمة تقال ضدهم، يقشعرون أمام أي نقد أو إدانة، يتألمون تحت كل إساءة، يتقلَّبون في فراشهم ليلاً بلا نوم إن تم تفضيل أحد عليهم.

لا نحتاج أن نحمل هذا الحمل. المسيح يدعونا إلى "راحته"، والوداعة هي الطريق والمنهج. الإنسان الوديع لا يعبأ على الإطلاق إذا كان هناك شخصٌ أعظم منه، لأنه قرر منذ زمان بعيد أن تقدير العالم لا يهم. نجده يطور تجاه نفسه، اتجاه بنَّاء وملئ بالدعابة ويتعلم أن يقول لنفسه: "والآن، هل تم إغفالك والتغاضي عنك من قبل الآخرين؟ هل تمتموا في داخلهم أنك صغير وبلا قيمة كبيرة؟! وهل الآن تشعر بالألم لأنهم قالوا عنك نفس الأشياء التي كنت تقولها عن نفسك؟! ألم تقل لله بالأمس إنك "لا شئ" وإنك دودة الأرض الحقيرة؟! أين إذًا ثباتك على مبدئك؟! تعال الآن واتضع، وتوقف عن الاهتمام بما يظنه الآخرون بك".

الإنسان الوديع ليس إنسانًا صغيرًا مُداسًا ومصابًا بأحاسيس داخلية من النقص. على النقيض تمامًا، فهو في حياته الأدبية والأخلاقية (والروحية) إنسانٌ شجاع مثل الأسد، وجبار مثل شمشون. ولكنه توقف عن الاعتقاد خطأ بحجمه الكبير، لأنه قبل الحجم الذي حدده الله له. إنه يعرف تمامًا أنه ضعيف جدًا وعاجز تمامًا كما يعرف الله، ولكنه بالرغم من هذا ويا لهذا التناقض الظاهري Paradoxically، يعلم أنه أمام الله هو ربما أهم من الملائكة. هو يعلم أنه  "في ذاته" لا شئ. وفي "في الله" هو كل شئ. وأصبح هذا هو شعار حياته. إنه يعرف جيدًا أن العالم لن يراه أبدًا كما يراه الله، وأن العالم لن يهتم لأمره. إنه يهدأ ويرتاح، قانعًا بأن يسمح لله أن يحدد قيمته وقيمه. سوف يصبر منتظرًا اليوم الذي فيه سيُحدد ثمن كل شئ في الحياة وستظهر القيمة الحقيقية للأشياء. وعندئذٍ هناك سيشرق الأبرار في ملكوت أبيهم السماوي. نعم إنه مستعد أن يصبر وينتظر ذلك اليوم.

أما الآن، هذا الإنسان سيصل إلى مكان الراحة سائرًا في هدوء ووداعة، سوق يقتنع ويفرح ويكتفي بجعل الله يدافع عنه. الصراع القديم للدفاع عن نفسه قد ولَّى وانتهى. لقد وجد السلام الذي تحضره الوداعة.

ثانيًا: سوف يتحرر من ثقل "الادعاء" والتظاهر Pretense. لا أقصد هنا المراءاة، ولكني أقصد هذه الرغبة الإنسانية المنتشرة في تقديم أفضل وجه للإنسان وحجب حقيقة فقرنا وعوزنا الداخلي. لقد لعبت بنا الخطية حيلاً شريرة جدًا. وغرست فينا إحساس مخادع بالخزي. لا يوجد رجل أو امرأة يجرؤان على أن يظهرا للآخرين على حقيقتهما بدون أقنعة مزيفة وانطباعات خادعة. خوف الإنسان من أن يُرى على حقيقته. يأكل نفسه كما يأكل السوس في الخشب. رجل المجتمع المتعلم يخاف رعبًا من أن يقابل رجلاً آخر أكثر تعلمًا وتحضرًا منه. والرجل الغني يخشى المقارنة مع غني آخر في ملابسه أو سيارته أو منزله. ويخشى أن يكتشف أن الآخر أغنى وأفضل في كل هذه الأشياء. وما يُطلق عليهم "البشر المتحضرين" Society يعيشون بنفس هذه المخاوف. والطبقات الفقيرة ليست أبدًا أفضل حالاً.

أرجو أن لا يستهن أو يستخف أحدٌ بهذه الأحمال لأنها حقيقية. ورويدًا رويدًا تقتل ضحيتها في هذا العالم الشرير. والانطباع النفسي الذي خلفته قرون الحياة الطويلة من ثقل الأحمال فوق الإنسان. تجعله يعتقد أن محاولة أن يعيش حياة الوداعة، هي حلم مستحيل التطبيق.

ويقول المسيح لضحايا تلك الأحمال، التي نخرت في عظامهم "لابد أن ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد" (مت 18: 3). الأولاد الصغار لا يقارنون أنفسهم بآخرين؛ بل يحصلون على الفرح مباشرة مما يفعلونه وبما لديهم، بدون المقارنة مع الآخرين. فقط عندما يكبرون وتبدأ الخطية تعمل في قلوبهم، تبدأ الغيرة والحسد في الظهور، وعندها يصبحون غير قادرين على الاستمتاع أو الاكتفاء بما لديهم إذا امتلك شخص آخر شيئًا أكثر أو أفضل منهم. في عمرٍ مبكر تأتي الأحمال المريرة بثقلها على النفس ولا تتركها، إلى أن يأتي المسيح ويريحها من نيرها.

ثالثًا: هناك حمل "الاصطناع Artificiality"إنني واثقٌ من أن معظم البشر يعيشون في خوف دفين من أن يأت يومٌ ما يكتشف فيه صديقٌ كان أو عدوٌ، فقر وخواء نفوسهم، والتي حاولوا لسنين جاهدين أن يخفوا حقيقتها. ولذلك فهم دائمًا في قلق وانزعاج. حتى البشر الأذكياء البارعون يعيشون في حذر وترقب لئلا يقعون في مصيدة وينطقون بشئ غبي أو بلا معنى. وهؤلاء البشر الذين يسافرون في كل أنحاء العالم يخافون أيضًا من مقابلة آخرين أكثر معرفة منهم بهذه البلاد.

هذه هي أحمال الخطية التي ورثناها، وأسلوب حياتنا المعاصر قد عمّق هذه الجراح. هناك مناهج دراسية تُعطى في مجالات مختلفة، هدفها مساعدة الإنسان الضحية في الاصطناع والظهور. هناك كتب تباع، وملابس ومستحضرات تجميل كل هدفها هو التلاعب والتأثير المستمر على رغبة الإنسان في أن لا يظهر على حقيقته كما هو. الاصطناع لعنة سوف تتبخر في اللحظة التي نسجد فيها عند قدمي يسوع ونُسلِّم أنفسنا لوداعته. وعندئذ لن نهتم بما سيقوله أو يعتقده الناس عنا، طالما أننا مُسرين لقلب الله. وهنا تصبح حقيقتنا هي أهم شئ لدينا، وما نحاول أن نُظهره خارجيًا سيفقد أهميته على ميزان الحياة. فيما عدا الخطية، لا يوجد شئ في حياتنا ينبغي أن نخجل منه. إنها رغبة شريرة أن نحاول أن نظهر بما هو ليس حقيقتنا.

قلب العالم يتحطم تحت ثقل أحمال الكبرياء والتظاهر. لا يوجد تحرر من أحمالنا بدون وداعة المسيح. العقل والمنطق قد يساعدان بعض الشيء في تخفيف هذه الأحمال، ولكن ثقل هذه الأحمال هو بدرجة عالية حتى إنك إذا استطعت التغلب عليها في منطقة ما في حياتك، تعاود الظهور في منطقة أخرى. لكل رجلٍ وامرأة، في كل مكانٍ، يقول المسيح "تعالوا إلىَّ يا جميع المتعّبين وأنا أريحكم". الراحة التي يمنحها المسيح هي راحة الوداعة. الراحة المباركة الناتجة من قبول أنفسنا كما نحن والتوقف عن التظاهر والادِّعاءات. إن تحقيق ما يدعو إليه المسيح يحتاج لشجاعة، ولكن النعمة التي نحتاج إليها سوف تأتي عندما نُدرك أننا نشارك النير الهيِّن للمسيح ابن الله. نعم إنه يدعو النير "نيره" لأنه يسير معنا حاملاً إياه من ناحية بينما نحمل نحن الناحية الأخرى.

 

صلاة:

يارب، اجعلني مثل الأطفال الصغار. حررني من الرغبة في المنافسة مع الآخر في المكانة أو المركز أو الشهرة. أريد أن أكون بسيطًا وتلقائيًّا مثل الطفل الصغير. حررني من التظاهر والادِّعاءات. اغفر لي التفكير الزائد في نفسي. ساعدني أن أنسى نفسي وأن أجد السلام الحقيقي في التفرُّس فيك. إنني أتضع أمامك لكيما تستجيب صلاتي هذه. ضع عليَّ نيرك الهيِّن، النير الذي يساعدني على أن أنسى نفسي، فأجد به راحةً لنفسي. آمين.

 

أ‌. و. توزر

من كتاب: "اللهث وراء الله"

 

 

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا