مقالات متخصصة

 

في هذا المقال نتحدث عن مواطن الضعف الرئيسية في الحياة الإنسانية، والتي صار الجنس البشري مصاباً بها كمترتبات طبيعية للسقوط كما لو كانت أرضية موجودة بكل إنسان كخلفية طبيعية لإنسان ما بعد السقوط، أو كما لو كانت عيوبflaws دائمة في النسيج البشري موجودة طوال الوقت وإن كانت بنسبٍ متفاوتة، إنما لا تتعارض مع إمكانية استمرار الإنسان في العيش المتوازن في الحياة على الأرض، التي سمح لها الله أن تستمر ولا تنتهي بالسقوط، دون أن يصل الإنسان بالضرورة إلى حد الإعاقة النفسية. وهذه المقدمة هامة جداً حتى لا نخلط ما بين الاضطرابات النفسية نتيجة التنشئة المبكرة الضارة، وبين الوجود الطبيعي المؤلم لهذه العيوب flaws في الحياة البشرية بعد السقوط.

إن فقد القبول من الله والانتماء له، بالسقوط، جعل الإنسان مرفوضاً، وصار الرفض واقعاً متأصلاً في كيان الإنسان منذ الطرد من جنة عدن (تك3: 23-24)، صارت هويتنا: أننا "مرفوضون في ذاتنا"، تلكالذات التي بنيناها وتبنيناها بتمردنا على الله. ولذا مرة أخرى نرى حتمية فداء المسيح الكفاري بدلاً عنا، لإلغاء هذا الرفض لنا من جهة الآب، ليس في ذاتنا، ولكن في ذاته هو. فذاتنا كما فهمنا، سوف تظل دائماً مرفوضة حتى نصل إلى السماء ونتمجد هناك.

 

إن هذا الرفض الأصولي أو الجذريأحدث العواقب/المترتبات  consequencesالأساسية التالية في الإنسانية:

 

إحباط وإخفاق وجوديExistential Frustration:

أي إحباط ناتج من فقدان الإنسان لمعنى وقيمة وجوده ومن إخفاقه في تحقيق هذا الوجود الأصيل في كل محاولاته الذاتية، وهو ما شرحناه مفصلاً في الدروس السابقة.

 

 إحساس أساسي بالقصور (النقص/ الدونية)Essential Inferiority:

يقول ألفرد أدلر أهم رواد علم النفس الحديث، وهو أول من تحدث عن عقدة الشعور بالنقص، يقول: "يبدو لي أن حضارتنا الإنسانية كلها قائمة على مشاعر الإحساس بالنقص."[1] فالإنسان، حتى في أوج اتزانه النفسي يظل على الدوام يحمل بداخله إحساس ما عميق بالقصور والافتقار للاكتمال not whole وبأنه ناقص وضئيل جداً في هذا الكون الشاسع.

 

3- إحساس كياني بالذنبBasic sense of guilt: في مكان ما وبطريقة ما في باطنه يشعر الإنسان بأنه هو المسئول عن الحالة التي هو فيها، ولذلك فكل منا يحتفظ في داخله بإحساس ما في أعماق كيانه بالذنب. وهو ما أسماه بول تورنييه، بالذنب الوجودي الحتمي[2].

 

4- وحدة عميقة ويأسIsolation & Despair:

بسبب انحصار الإنسان في ذاته وأنانيته، منذ السقوط، صار محبوساً في عزلةٍ بمفرده مع نفسه المرفوضة التي هو غريب عنها ولا يعرفها، لا يستطيع أن يشب خارج هذه النفس أو أن يتصل بآخر. تماماً كمن حُكِم عليه بالعزلة والحبس الانفرادي مدى الحياة مع كائن مجهول لا يستطيع أن يفهمه أو يتعامل معه، هذا الكائن هو نفسه. فالأنانية (أن أكون أنا لنفسي فقط) هي تماماً هذا الحكم بالعزل الانفرادي الذي حكم به الإنسان على نفسه. ومن هنا صار يأس الإنسان عميقاً إذ بائت كل محاولاته للخروج خارج سجن هذه النفس وإقامة اتصال حقيقي مشبعٍ مع آخر، باءت كلها بالفشل. فكل منا يعلم في قرارة نفسه أنه ليس من يستطيع أن يملئ فراغ عزلتنا، ويشبع إحساسنا المتأصل بالرفض ونقص الحب بالطريقة التي نتوق ونتلهف إليها، سوى الله، فيقول رولو ماي "أن العزلة ذاتها صميمة لا مهرب منها. ولا يمكن لأي علاقة أن تنفي العزلة"[3]. ولكن يبدو إما أننا نرفض هذه الحقيقة، أو أننا نتعامل معها بطريقة نظرية غير كافية أن تدفعنا للاقتراب إلى الله والامتلاء به. وفي كلتا الحالتين فالمحصلة واحدة وهي إحساسنا بالعزلة والوحدة واليأس. ويجدر بنا هنا الاقتباس من اللاهوتي الشهير فرانسيس شيفر في قوله: "أن الإنسان بدون الله لا يدرك أن كل البشر خطاة فيعلق الكثير على علاقاته الشخصية، ولكنها تنسحق وتتحطم. يجب أن أعترف أنه لا توجد علاقة إنسانية تصير في النهاية كافية. والعلاقة الكافية يجب أن تكون مع الله ذاته."[4]

 

القلق الأساسي والخوفFear & Anxiety

 

في النهاية وكنتيجة لسبيكة الذنب والعزلة والإحباط والنقص (الأمور السابقة) كُتِبَ على الإنسان العيش في إطار وخلفية مستمرة من أطياف من القلق والاهتزاز وعدم اليقينية كنغمات الخلفية الموسيقية لفيلم هذه الحياة. صار الإنسان خائفاً ويائساً من ذاته التي يشعر بأن التلاقي معها أمر مؤلم وبائس ومجهول المصير. وهنا نحن نتكلم عن قلق عميق دخل إلى قاموس الإنسان، وليس مجرد "هموم أو مشاعر مقلقة Worries"، قلق مزروع بعمق في جذور كل منا. كما يقول الطبيب النفسي الوجودي رولو ماي: "إن القلق ليس مجرد "شعور" أو انفعال بين مشاعر وانفعالات أخرى وإنما هو خاصية أنطولوجية (وجودية) للإنسان مغروسة في قلب وجوده. بل هو يعبر عن نسيج الوجود الإنساني ذاته"[5]. كما قال عنه الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر "القلق الصميم النهائي الناجم من شعورنا بأننا نحن وكل الأشياء والأحياء قد انزلقنا في هاوية غامضة غير محددة"[6]، وكأنه – رغم إلحاده - يشير إلى سقوط الإنسان عن الله من دون أن يدري. إننا هنا نتكلم عن شعور وحس داخلي مبهم (غير معروف المصدر) بالقلق والخوف الأساسي العميق بداخل كل إنسان.

وهنا أود أن أكرر ما ذكرناه سابقاً من أن هذه المترتبات السامة والمؤلمة لفقدان الله لا تختفي من حياتنا فورياً (لحظياً) بطريقة سحرية لحظة قبولنا للمسيح، بل تدريجياً في تناسب عكسي مع اقترابنا من الله وازدياد معرفتنا به.

 

تفسير رواد علم النفس للقلق الأساسي Essential anxiety

 

جدير بنا أن نذكر محاولات رواد علم النفس الأولين، في مدرسة التحليل النفسي، لتفسير هذا القلق الأساسي، حيث أرجعه فرويد، مؤسس التحليل النفسي، إلى انفصال الطفل عن شخص محبوب ومطلوب (الأم) وحرمانه من تسديد احتياجاته الغريزية[7]. في حين ذهب رانك إلى أبعد من ذلك بنظريته عن صدمة الميلاد The Birth Trauma Theory وأرجع قلق الإنسان الأساسي إلى انفصاله عن جنة الرحم التي كان ينعم فيها باللذة، بما في ذلك من مصاعب وظيفية وآلام مصاحبة لعملية الولادة[8]. بينما أرجعت الفلسفة، وبالأخص الوجودية، وجود هذا القلق إلى ظهور الوعي لدى الإنسان وبالأخص وعيه بحريته ومسئوليته. فيُرجِع بول تيليك القلق الأساسي إلى هموم الوجود الإنساني القصوى (النهائية) الأربعة: (الموت، الحرية، العزلة، واللامعنى)[9].

إن هذه الدراسات، إنما تخبرنا بأن القلق والاضطراب النفسي مرتبط بالإنسان منذ لحظات حياته الأولى. ولكن بالرغم من واقعيتها إلا أن مثل هذه الفروض التي قدمتها لم تكن كافية وحدها لشرح واقع القلق واليأس الإنساني وإعطاء الإجابة له.

ونحن هنا نقول أن هذا العيب/الخلل flaw (القلق الأساسي) قد حدث في السقوط، بما جعل لدى كل إنسان منذ أدم القابلية (وليس الحتمية، مثلما الحال مع الخطية)، لنقل الاضطراب إلى الجيل التالي عن طريق فشله الشخصي أولاً في الحياة وثانياً في تربية أبناءه، وهلم جرا. وعلى هذا الضوء فقط نستطيع أن نفهم مقولة القديس أوغسطينوس "وقلوبنا لا تهدأ/ ترتاح  are restless (أي تظل قلقة) حتى تستقر فيك يا الله". فلا مهرب من هذا القلق الأساسي حتى وإن كانت طفولتنا وتنشئتنا المبكرة أصح وأفضل ما يمكن.

 

5- تشوه واعوجاج فكر الإنسان:

يصف الرسول بولس الإنسان بعد السقوط بأنه ذو "ذهن مرفوض عقل فاسد (حسب الترجمة المشتركة)" (رو1: 28). كما يقول الله على لسان أشعياء النبي: "لأن أفكاري ليست مماثلة لأفكاركم، ولا طرقكم مثل طرقي، يقول الرب." (أش55: 8،9 من كتاب الحياة). صارت، ليست فقط أفكار الإنسان فاسدة، بل عملية التفكير Thinking Process ذاتها صارت معوجة ومشوهة، وهذا ما شرحناه بالتفصيل في الجزء الأخير من سلسلة "سمات ومعايير النضج النفسي" تحت عنوان: "مبادئ التفكير المنطقي/الصحيح". ولكن يكفينا أن نقول الآن أن الإنسان صار كائناً غير منطقي وغير عقلاني كما يقول كل من وليم جلاسر (مؤسس العلاج بالواقع Reality Therapy)، وألبرت إليس (مؤسس العلاج المعرفي).

 

مرة أخرى، نكرر أن الشخص السوي والناضج الذي يريدنا الله أن نكونه لا يعني أنه يلغي تماماً عواقب السقوط هذه أو يعني الخلو التام منها، الأمر الذي يستحيل حدوثه، ولكن الشخص السوي، كما اتفق جميع العلماء واللاهوتيين هو باختصار شديد الشخص الذي لا تصل فيه أوجه القصور والضعف البشري هذه flaws إلى حد الإعاقة، فالإعاقة والاضطراب النفسي إنما يحدث بسبب عوامل التنشئة المبكرة، وليس عاقبة أو نتيجة مباشرة للسقوط*. بالتأكيد يمكننا أن نقول أن الاضطراب النفسي، بل وكل مشاكل الحياة أجمع هي نتائج، ولكن غير مباشرة، للخطية وسقوط الإنسان؛ فبدون الخطية ما كان سيوجد ألم واضطراب في الحياة (كما كانت في جنة عدن). ولكن هذا لا يفسر الاضطرابات/الإعاقات النفسية تفسيراً مباشراً كما فعلت أحد المدارس المشورية المتطرفة، وتسمى "المشورة النوثيتيكية (المشورة بالنصح والإنذار) [10]Nouthetic counseling" لمؤسسها القس الأمريكي "جاي آدامز Jay E.Adams"، والتي تم تقديمها مؤخراً في مصر تحت عنوان "المشورة الكتابية"، حيث تقول بأن أي اضطراب نفسي هو خطية أو نتيجة لخطية الشخص المضطرب. ولكن الحقيقة التنشئة المبكرة مع الوالدين، رغم السقوط، تتحمل المسئولية المباشرة عن الصحة النفسية للأبناء أو اضطرابهم النفسي، ولا يستطيع أحد أن يستخدم السقوط كحُجة (شماعة) يلقي عليها مسؤليته في تقديم التنشئة السيئة للأبناء التي تتسبب في اضطرابهم.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أدلر، الفرد. "سيكولوجيتك في الحياة كيف تحياها". ترجمة: د. عبد العلي الجسماني. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، والدار العربية للعلوم، بيروت 1996

[2] تورنييه، بول. "النعمة والذنب". ترجمة: د. إيفا وهيب. دار النشر الأسقفية، القاهرة 2005

[3] ماي، رولو ويالوم، إرفين. "مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي". ترجمة: د. عادل مصطفي. دار النهضة العربية. بيروت 1999

[4] شيفر، فرانسيس. "الإلتقاء بالله". لوجوس. القاهرة 2001 

[5] ماي، رولو. نصوص مختارة من التراث الوجودي، ترجمة: فؤاد كامل. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987

 

 [6] مقتبس في: ماي، رولو، و يالوم، إرفين. "مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي". ترجمة: د. عادل مصطفي. دار النهضة العربية. بيروت 1999

[7] فرويد، سيجموند. "الكف والعرض والقلق". ترجمة: د. عثمان نجاتي. المطبوعات الجامعية. الجزائر 1957

[8] Rank, O. 1942, Eng. Trans. 1929 "The Trauma of Birth". London: Kegan Paul.

[9] مقتبس في: ماي، رولو، و يالوم، إرفين. "مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي". ترجمة: د. عادل مصطفي. دار النهضة العربية. بيروت 1999

[10] للمزيد عن هذه المدرسة ونقدها، راجع مقالنا "في ما يُقدَم تحت عنوان "المشورة الكتابية"

 

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا