أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


رأينا جميعنا كيف أن العديد من الرجال والنساء لم ينضجوا، لأنهم قد تم كبتهم بالتنشئة الدينية وتدربوا منذ طفولتهم على إنكار الذات والتخلية ذات المنهج. إضافة إلى أنه ليس فقط الأطباء النفسيين الذين سيعترضوا ولكن أيضًا ولكن أيضًا رجال الاجتماع.

لم يكن "كارل ماركس" مخطئًا كلية عندما قال "أن الدين أفيون الشعوب". كم من الأجيال البائسة بشرت لها الكنيسة بشرت لها الكنيسة بالاعتزال وقبول النصيب الشخصي في الحياة أي الهزيمة والخضوع وتم التبشير للطبقات الراقية المحظوظة هم أيضًا وهم في منتهى الاطمئنان داخل الكنائس أن الثروة الهائلة التي للملك سليمان كانت دلالة على بركة الله. وهكذا وبينما الأخصائيون النفسيين يعانون من المجهود الشاق وعندما يمارسون عملهم للنضج الاجتماعي فهم يشفون مرضاهم بالنتائج التالية:

  • منح مكان لمن ليس لهم مكان
  • إعادة تنشيط العواطف الضامرة للذين فقدوا العواطف (التبلد العاطفي apathy)
  • إعادة العصابي للمقدرة على التمتع بالمسرات الأرضية

فإذا بالكنيسة على النقيض من ذلك تعلمهم ازدراء تلك الأشياء والانفصال عنها وهذا التضارب يجري على مجال واسع بنفس الطريقة التي أشرت إليها

 

كن نفسك ولا تقلد آخرًا

يقول علماء النفس وهم يمارسون مهامهم:

  • كن نفسك بدلاً من تقليد الأمثلة الاجتماعية أو الكنيسة
  • كن نفسك بدلاً من أن تحفظ وتسمع درس أنت قد تعلمته
  • رسّخ نفسك
  • تجرأ وأظهر نفسك كما أنت
  • كن حقيقي وصادق مع نفسك

ثم عقب ذلك يتذكر هذا المريض كل ما تعلمه في الكنيسة من الحقيقة الإلهية في "حينئذ قال يسوع لتلاميذه: إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (متى 16: 24).

 

كن رجلاً ولا تكن طفلاً

يقول أخصائيو علم النفس "كن رجلاً، تخلص من هذا الخجل الصبياني الذي يعوقك عن النضج، لقد احتفظت بسذاجة الطفولة أكثر من اللازم بما لا يتناسب على الإطلاق مع عمرك"، وفي الحال يتذكر نفس المريض أقوال الرب يسوع "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات" (متى 19: 14).

 

دافع عن نفسك

يقول أخصائيو علم النفس للمريض "تعلم أن تدافع عن نفسك فالحياة عبارة عن كفاح ونضال مستمر والشخص الذي لا يدافع عن نفسه سوف يُلقى لأسفل بدون رحمة أو شفقة، تعلم أن تقول لا، والشخص اللذي لم يتعلم كيف يقول لا سوف يكون كالكرة بين أقدام الجميع" فيتذكر هذا المريض أقوال الرب يسوع: "سمعتم أنه قيل عينٌ بعين وسنٌ بسن وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضًا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فأترك له الرداء أيضًا" (متى 5: 38-41).

 

تشجع واظهر مشاعرك الدفينة

يقول أخصائيو علم النفس للمريض "لا تخاف، اظهر مشاعرك بدلاً من إخفائها قلبك ممتلئ بالكراهية ضد أبيك ومع ذلك أنت تدعي أنك تحبه وتطيعه وذهنك ممتلئ بالضغينة وتمرد سري داخلك مما يُسمم ذهنك، عبّر عن ذلك بوضوح وبدون تنميق، فيزول ألم صدرك" ثم يتذكر المريض أقوال الرب يسوع المسيح:

  • (متى 5: 43-44): "سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعدائكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم".
  • (متى 5: 5): "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض"
  • (مرقس 11: 25-26): "ومتى وقفتم تصلون فأغفروا إن كان لكم على أحد شئ لكي يغفر لكم أيضًا أبوكم الذي في السموات زلاتكم، وإن لم تغفروا أنتم لا يغفر لكم أبوكم الذي في السموات أيضًا زلاتكم"

 

طريقان للحرية

بالطبع وكما أعلنت سابقًا فأخصائي علم النفس لا يذكرون المقارنات بصراحة وإن قيلت فبندرة شديدة وعندما يقول ذلك فهو بذلك قد صار غير أمين لعقيدته النفسية الخاصة بالحياد الأخلاقي. ولكن تلك المقارنات يلقيها المريض دائمًا على أخصائيي علم النفس. والمريض يفعل ذلك، لأنه بفطرته يدرك الاشتباك المأساوي لهذين الإنجيليين. وهو يُدرك هذا الاشتباك الفكري بهذا السؤال الرقيق الذي يُلقى عليه من أخصائي علم النفس "هل تحدثت مع والدك عن تلك المعاناة التي لديك ضده؟".

حقًا هناك إنجيليين يراهما عامة الشعب وأخصائيو علم النفس واللاهوتيون: إنجيل علم النفس مقابل الإنجيل الكتابي، أي إنجيل الإثبات الذاتي مقابل إنجيل الإنكار الذاتي، أي إنجيل إعلاء الذات مقابل إنجيل ازدراء الذات، أي إنجيل الإخلاص مع النفس مقابل إنجيل العطاء، أي الإخلاص مع الآخرين. أنا أتمنى ألا يساء فهمي فيما يخص ذلك فأنا استعمل كلمة إنجيل بالمعنى المدني الهش، كما عندما يتحدث أحد عن إنجيل الشيوعيين. إن المعنى الحقيقي للإنجيل الكتابي هو استعلان خلاص العالم الذي قام به الرب يسوع، ولكن ليس ذلك هذا هو المعنى المتداول هنا، وأنا أشك أن أي أخصائي علم نفس يجرؤ على المجادلة عن هذا النوع من الإعلان الي ينتمي تمامًا لمجال الإيمان وهو الشيء الغير متاح للعلماء النفسيين.

ما أتحدث عنه هو النصيحة أو المشورة التي تُقدم من الأخصائي النفسي مقارنة بتلك التي تقدم بمعرفة اللاهوتي أو بالأحرى النصيحة التي يظن الناس أن علماء النفس أو اللاهوتيين سيقدمونها وأنه من الأكيد ستكون متعارضة تمامًا.

كل مرضانا يدرون بهذا التناقض البالغ حتى لو تربوا كمسيحيين وهم أكثر من غيرهم يشعرون بحدة هذا التناقض. شخص مثل هذا يظل صامتًا فيما يخص هذا الصراع الداخلي أثناء مجرى مشورتنا لمدة طويلة وأنا في حيرة وأتساءل: ترى ماذا يدور في ذهنه؟

لكن فجأة يضع أمامي هذا السؤال المباشر "في وجهة نظرك ما معنى كلمة إنكار النفس؟". وهذه هي –حينئذ- نوعية الجدال التي تدور وتطحن داخل ذهنه:

  • هل يجب أن يكون المرء نفسه تحت مخاطر التخلي عن ما تعلمنا في كنائسنا أنه هو الصواب ألا وهو محبة القريب والتواضع
  • أو ينبغي إنكار النفس تحت مخاطر عدم الإخلاص مع النفس ومخاطر الفشل في إثبات الذات الذي يتحدث عنه علم النفس لكي ننمو سعداء وأسوياء وناضجين.

 

لغة الحق والباطل

 

فضائل مزيفة

أنا أكرر أن هذا الخلاص ظاهري أكثر مما هو حقيقي ونظري أكثر مما هو عملي. وأنا عندما أبرزت هذا الموضوع بطريقة حادة –من منطلق يا أبيض يا أسود- فهذا لأني أظن أنه من الأفيد أن أقول بكل صراحة وباستقامة ما يفكر فيه العديد من الناس ممن لا يجرئون على البوح به علنًا. فالقضية داخل أذهانهم فقط فهي لم تكن أبدًا بين علم النفس والدين فهي على أي مستوى بين مفهومهم عن علم النفس الوضعي وبين مفهومهم عن الإيمان المسيحي المسلم مرة للقديسين.

إضافة إلى أنه هناك عدة حقائق –ملاحظة من كل فرد- ترسخ هذا المفهوم عن التضارب ما بينهما. فكن من الشخصيات الهزيلة الهلامية داخل كنائسنا أناس ليس لديهم الشجاعة ليحيوا ملء حياتهم أو أن يُثبتوا ذاتهم وأن يُخرجوا كل ما لديهم من وزنات وهم يرون خنق أنفسهم هذا كفضائل مسيحية ولا يعلمون أن الإيمان يخلق شخصيات ممتلئة بالقوة والطاقة.

 

تملكية الأم

أنا أتذكر قصة شخص يُعتبر شخصية مثالية ونمطية أحب أمه من كل قلبه وهي أحبته وكانت دائمًا تقول عنه أنه أفضل أولادها والأكثر إحساسًا بها، وهو لم يتسبب لها مطلقًا بلحظة قلق. وكان من أعز أمانيها أن تراه متزوجًا، ولكنه لم يكن لديه أية نية لتنفيذ تلك الرغبة.

إنقاذ الولد بدون أي محاولة لمجادلة الأم التي قد تكون عاجزة عن فهم نتائج تصرفاتها فهما سيكونا مثل أصمين يتكلمان مع بعضهما البعض. وما يزيد من الطين بلة، أن بعض الخدام والكهنة كثيرًا –ببساطة قلب- ما يلقون ثقلهم بجانب الأم المسيطرة ويمدحون تقواها.

 

إضاعة فرصة العمر

لنرى هذا المثال: شابة صغيرة لديها أم معتلة بمرض ما، ولا تصلح لتربية الأولاد، لذا هي تكرس نفسها، لتأخذ مكان أمها فتدير البيت وتربية إخوتها وأخواتها الصغار. يكبر الأولاد ويتزوجون ويتركون البيت وتظل هي البنت الوفية المفضلة لوالدتها. الأم لا تستطيع أن تصنع شيئًا بدون تلك الابنة، ويحدث أن تلك الفتاة تحصل على فرصة رائعة للسفر للخارج لتمارس حياة عملية. نصحها طبيب القرية أن تأخذ فرصتها بجدية، لأنها ستكون فرصتها الأخيرة، لتصنع شيئًا ما لنفسها، ولكنها ذهبت لتستشير كاهن الأبرشية، فقال لها الكاهن بكل حزم: أتذهبين؟!! أنتي لا يمكن لك أن تفعلي هذا الأمر. أمك مريضة وكل أخوتك تركوا البيت، اعتني بأمك فهذا هو واجبك أن تمكثي بالمنزل وتعتني بأمك، وهكذا مكثت في البيت، ولكن يداهمها السؤال التالي المحير: لماذا هي وليس إخوتها التي تمكث مع الأم. لقد التقيت بها بعد عشرين عامًا بعد أن كانت الأم قد ماتت، وبها كل المضاعفات النفسانية التي ظهرت عليها آنذاك فقد امتلأت بالوسوسة ومشاعر أنها قد أعطبت حياتها. لقد اندهشت أسرتها للغاية عندما نصحتها وأيدتها أن تبدأ –ومن الآن- خطة دراساتها مرة أخرى. كل واحد من أهلها تعود على اعتبارها الابنة المضحية الغير أنانية التي لا تسأل شيء لنفسها، مدللين على ذلك بقولهم ألا زالت حتى الآن تعتني بأبيها المسن بعد موت أمها. ولكن للأسف كان الوقت متأخرًا تمامًا لكي ما تبدأ دراساتها مرة أخرى وتتدرب للقيام بعمل ما لشغل وظيفة.

عندما نسمح للفرصة الرائعة التي تأتي في الميعاد المناسب لنا أن تنزلق من بين أيدينا فمن المحال أن نبدأها مرة أخرى بنفس الطاقة، فذلك مثل الجري وراء القطار قد فات شخص ما، وهكذا يأتينا الشعور بعدم الفائدة وأننا غير قادرين على النجاح ومع طول مناقشاتنا معًا صارت على وعي بموقفها الحقيقي وعن الوقائع المسببة للهواجس التي تعصف بها التي تكفي لكي ما تصيبها بالقلق التي لا تستطيع بنفسها مواجهة تداعياته.

ولحسن الحظ قمت بتأييدها لطاعة مرشدها الروحي وهو رجل في منتهى الذكاء والفهم والبصيرة. هو أتى وقابلني وصلينا معًا لكي يمنحها الرب شفائه.

مما لاشك فيه أن انزعج تمامًا عندما قالت له: لا تحدثني عن الله أو عن يسوع مرة أخرى. فقد خُدعت، لقد خُدعت في اسميهما والناس بشروني بنكران النفس على اسميهما، وكنت أظن أني أطيعهما. قال لها ذلك المرشد الموقر: أنتي لا تتمردين على الله، ولكنك تعترضي على الصورة المزيفة لله التي أعطوكي إياها. قالت له: الصورة المزيفة.. ماذا تقصد؟ أنا لديّ الكثير من الانسحابات التي قمت بها على يدي العديد من الكهنة المشهورين، وكلهم حدثوني عن نبذ نفسي، أليس هذا هو ما تُعلمه الكنيسة دائمًا؟

وبكل صراحة أعلن أنني إلى حد ما كنت مقيدًا ومعاقًا معها كما كنت معاقًا مع الطالب السابق. بالنسبة لها –أيضًا- كنت أمثل في نظرها العالم الديني الذي تربت عليه. وأنا لاحظت أنها ذات اتجاهات ومشاعر متضاربة ناحيتي، وأيضًا ناحية الكنيسة، هي أيضًا قالت لي: لا تحدثني عن الله أو الرب يسوع لقد خدعت في إسميهما. ولكن لحسن الحظ مازال متبقيًا لدينا الأقنوم الثالث وهو الروح القدس فقد أسرت لي أنها صلّت للروح القدس.

بوضوح شديد كانت تعاني من أخطاء سيكولوجية خطيرة اختلطت بخبث ببعض التعاليم الأرثوذكسية ولكن كيف يمكن فض هذا التداخل أو الامتزاج ما بين الحق والباطل، إن هذا العمل ليس سهلاً على الإطلاق ولابد أن يكون الحوار بيننا صريحًا للغاية وأمين ويتميز بالإخلاص. ألا يوجد من يرفضون المسيحية في النهاية لسبب بسيط إنهم غير قادرين على وضع إثبات الذات أو إنكار الذات في منظورهم الروحي والنفسي الصحيح معًا.

 

ثمرة الحرية في إنجيل ثبات الذات

يوجد حقًا إنجيلين: إنجيل النسك والوداعة مقابل إنجيل ثبات الذات.

 

الترك قبل الوقت

الإنسان يستطيع أن ينبذ ويترك فقط ما استطاع أن يحوزه، والإنسان أيضًا يتخلى فقط عن ما قد قبله سابقًا. هناك اختلاف جذري ما بين أن تُنكر على نفسك شئ لم تنله قط، وما بين أن يكون معك هذا الشيء وتنبذه.

أن يُذكر المرء شيئًا على نفسه قبل الوقت يعني أن يُمنع من حيازته قبل أن تعلم كيف يمكنه الحصول عليه. لذا يكون لديه شوق لحيازته وهو شوق عظيم وهو يُعتبر سوء حظ أكثر من أي تفسير آخر ذلك الذي لا يستطيع المرء عمل أي شئ حياله. ولكن من ناحية أخرى فأن الترك الإرادي لشيء ما عقب حيازته لهو عملٌ حرٌ وصحي وطريق للنمو والنضج. هو يعتبر عمل قسوة وظلم بالغ أن تحث إنسانًا ما على إنكار شئ على نفسه ممن لم يقتبل سابقًا ذلك الشيء، ولكن للأسف هذا كثيرًا ما يحدث. إن الترك قبل الوقت يحدث غالبًا كما ما لي: رجل منا يكون ضحية هذا الترك ويسمع عن الترك في وعظة كما لو كان الكلام موجه له شخصيًا، هو المعني به بالغرم من حقيقة أنه لا يستطيع الترك لذلك الشيء لسبب بسيط وهو أنه لم يقبله أساسًا.

 

أمثلة كتابية للترك السوي

  • إبراهيم دُعي من الله لكي ما يترك مكانه، المكان النموذجي الذي حقيقة كان له.
  • الأخوين بطرس وأندراوس الذين دعاهما الرب يسوع، لكي ما يتركا كل شئ ويتبعاه. فقد كان لديهم قبل كل شئ مكانًا ووظيفة آمنة.

 

الإنسان يقبل ويأخذ أولاً لكي ما يصير قادرًا على الترك والنزع، يمتلك أولاً لكي ما يصير قادرًا على التخلي فيما بعد.

 

فاقد الشيء لا يعطيه

إحدى مريضاتي عانت بشدة في طفولتها من نبذها (أي أنكرت حقها في) العواطف، وهذا قادها إلى مركب نقص وجاهرت بشكها في شخصيتها وانسحبت إلى وحدة اجتماعية. وقد أرسلتها إلى زميل أجنبي الذي ذكرها بالآية الشهيرة (أع 20: 35): "متذكرين كلام الرب يسوع أنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" وشجعها لتخرج من داخل نفسها وتخرج من داخل ظروفها السخطية وتمنح نفسها بسخاء لرفاهية الآخرين ولمهنتها التي لم تكن تحبها على الإطلاق وعقب ذلك سوف تجد السعادة. لقد كان ذلك الفكر مفهومًا روحيًا حقيقيًا ومفهومًا نفسانيًا صحيحًا وهي تعلم ذلك، ولكن كان ذلك عينه هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع عمله، فقد شعرت أنها ليس لديها شئ تمنحه للآخرين.

عندما نُعطى أنفسنا للآخرين، فنحن نفعل ذلك بتلقائية بسيطة بدون أن نُعلن أننا نريد ذلك وبدون مجاهدة لعمل ذلك، ولسبب أننا قد سبق أن قبلنا، فنحن نحتاج لأن نُعطي لعمل ذلك، ولسبب أننا قد سبق أن قبلنا، فنحن نحتاج لأن نُعطي ذلك الذي قبلناه، وكلما حثت مريضتي نفسها أنها يجب أن تُعطي كلما قلت قدرتها على فعل ذلك.

لقد اندهشت تمامًا منى عندما حدثتها عقب ذلك عن أن تقبل أولاً، وأن تفتح قلبها أولاً لفرحة الأخذ والقبول، أما إعطاء النفس فيأتي فيما بعد، سوف يأتي في دوره بعدما تقبل ما كان ينقصها.

قال أحد الشعراء: "إن من لم يحز السعادة لا يستطيع أن يمنحها" بمعنى أن فاقد الشيء لا يُعطيه.

الأب تايل هارد دي كاردن في كتابه "الوسط الإلهي" أعطى وصفًا رائعًا لهذا التبادل الأساسي الحيوي ما بين الأخذ وبين العطاء عندما اقتبس من المثل القديم القائل: لا يستطيع أحد أن يُعطي شئ لم ينله. فقال: كيف يمنح المرء نفسه للرب إن لم يكن لنفسه وجود؟ وما هي الممتلكات التي يهبها المرء للرب من خلال نزعها من نفسه إذا كانت يديه فارغتين.

وهذا الأب كان دائمًا يسأل نفسه بصفته كاهن: ما هو الأفضل للمسحيين الإيجابية أم السلبية؟ الحياة أم الموت؟ النمو أم الضمور؟ التنمية أم المحدودية؟ الملكية أم نبذ الملكية؟ ولكونه كاهن أجاب على نفسه: لماذا نميز ونفرق ما بين المرحلتين الطبيعتين للطاقة الواحدة؟ نمّي نفسك وامتلك العالم لكي يكون لك كيان وحالما ينُجز هذا الأمر حينئذ يأتي الوقت للتفكير في النبذ والترك، أي يأتي الوقت لقبول النقص من أجل أن تكون في آخر... أولاً نمّي نفسك.

لاحظ هذا الأب عن الكتب التي تتحدث عن الحياة الروحية أنها دائمًا بوجه عام لا تتحدث بالوضوح الكافي الشافي عن تلك المرحلة الأولى للكمال المسيحي ألا وهي القبول قبل النبذ ومن هنا تنشأ الصراعات النفسية التي أُخذت في الاعتبار في الفصل السابق.

حقيقة إن مفتاح المشكلة هو في تأكيد أن هناك تبادلية هامة. ولخص لنا هذا الأب الأمر قائلاً: "وهكذا في الدورية العامة للحياة المسيحية النمو ثم بعد ذلك النبذ والإنكار، الالتصاق ثم النزع، فليس أي منهما تصرفًا قاطعًا في ذاتهما، ولكن على العكس هما يعملان بتناغم مثل التنفس فالشهيق والزفير يتبادلا في حركة رئاتنا.

 

تكامل دور الطبيب مع الكاهن

قال هنري فردرك أمايل عام 1865 (فليسوف سويسري وشاعر وناقد من قادة الحركة البيوريتانية في القرن التاسع عشر... المعرب): "إن حياتنا ليست إلا تذبذبًا ما بين الثورة والخضوع، ما بين النقيضين المتخالفين:

  • غريزة وفطرة الأنا: بمعنى الحاجة للامتداد والتمتع بالإحساس بالاحترام من الآخرين وإن لم يوجد التمتع بالنصرة في معركة السيادة الشخصية.
  • الفطرة الروحية التي تعني قبول ترتيب الكون وأيضًا قبول مشيئة الله

وهكذا واقعيًا وبناء على ما سبق هناك انتفاضتين متتاليتين ومتكاملتين. وسوف نرى انهما متطابقتين مع الإنجيلين الذين تحدثت عنهما في الفصل السابق، ألا وهما إنجيل إثبات الذات وإنجيل إنكار النفس، أي إنجيل علم النفس والإنجيل الكتابي وهما يتطابقا بالمعنى العام للوظيفة المحددة لعالم النفس والطبيب من ناحية وبين الوظيفة المحددة للكاهن أو الواعظ من ناحية أخرى.

الطبيب يبحث عن أن يُعطي المحروم ما ينقصه ألا وهو:

  • الصحة
  • مكان
  • الاندماج مع البيئة الاجتماعية

أما الكاهن أو الواعظ فهو يُعلن دعوة الله للانفصال عن القنية الأرضية، وهي دعوة معنية خصيصًا لمن هم لديهم وفرة في القنية والممتلكات الأرضية.

"أمايل" هذا بسبب تنشئته البيوريتانية نشأ وشب ولديه ضمير شرير (الشعور المستديم أنه خاطئ) عندما تدفعه فطرة الأنا لديه لأن يمتد، فهو يضع كل معنى الحياة المسيحية في الانتفاضة الثانية فقط، بينما العديد من الآباء على النقيض من ذلك يُلحِقون الانتفاضتين معًا في الحياة المسيحية لأن الرب الذي يدعو الطبيب هو نفسه الذي يدعو رجل الدين لخدمة البشر. الأول يُعطي المحتاج القنية التي يحتاجها، أما الثاني فهو يعطي الغني النزع من عبودية ممتلكاتهم.

أنا أقول أن هاتين الوظيفتين فقط هما تقريبًا يحددا ما هي دعواتنا المقابلة لتلك الوظيفة. وفي الواقع هاتين الوظيفتين يتداخلا: خادم الكلمة قد يُعطي المحرومين أشياء قد يكونوا أنكروها على أنفسهم "قال لهم أعطوهم أنتم ليأكلوا" (لو 9: 13). قال ذلك يسوع لتلاميذه في محضر الجماهير الجائعة، وأيضًا الطبيب والأخصائي النفسي عندما تأتي اللحظة المناسبة يقود مخدوميه إلى ما وراء الشبع الصرف لاحتياجاتهم إلى اكتمال النضج الذي يُوجد في عطاء النفس. إن سر التوازن والسعادة يكون في مراقبة النفس وعدم مراقبة الآخرين، ولكن مع الاهتمام البالغ بمن هو أعظم جدًا من النفس. وهكذا فإن وظيفتي المحددة في الحياة كطبيب أو صاحب مشورة هي:

  • ترسيخ كيف أن هاتين الانتفاضتين تعملان معًا بتوالي على المستوى العملي
  • أبرز أيضًا أهمية طاعة ذلك الترتيب الذي يحدثان به

 

بول تورنييه

من كتاب "ويوجد أيضاً مكان"

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا