أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

أولاً: الأسباب المرضية النفسانية

هذه الكلمات كانت لطالب شاب كوّنت معه علاقة حميمة وثيقة، جلس بجواري بقرب المدفأة يحدثني عن متاعبه وعن قلقه الذي لم يفارقه مطلقًا والذي كثيرًا ما صار هلعًا وحركات هروبية. وكان يتحدث عما يحدث بداخله وذلك لكي يفهم بنفسه ما بداخله بطريقة موضوعية. وهكذا بتداعي الأفكار منطقيًا وعندما وصل إلى قمة أفكاره حدّق فيّ قائلاً: "أتطلع، بالأساس، لمكانٍ وموضعٍ أُوجد فيه". كثيرًا ما يحدث أن ملحوظة غير متوقعة تطرق وتقود إلى فكرة تساؤلية في أذهاننا وقلوبنا وهذا هو ما حدث في هذا اليوم. لقد جرّت تلك الملحوظة في إثرها قاطرة جديدة من الأفكار داخل ذهني. وعليه قررت أن أجمع في هذا الكتاب كل تلك الأفكار معًا، وذلك لأنني أشعر أنها أعانتني لفهم أفضل لبعض الاحتياجات الأساسية رجالاً ونساءً وللضغوط التي تروّع معظم البشر.

حقيقة وبسبب أني أعلم كثيرًا عن قصة حياة صديقي هذا وجدت تلك الملاحظة غير متوقعة على الإطلاق. فقد كان هذا الولد هو الوحيد بين أخواته في أسرة شديدة التدين وهو يتذكر جده لأبوه بصورة مشرقة حية للغاية. هذا الجد كان كهلاً صارمًا مع نفسه عاريًا من كل زينة ومتزمتًا وهو متشح بكل سمعة وسلطان الآباء العظام، إلا أن والدي هذا الشاب لم يكونا على ما يرام مع بعضهما البعض.

إن تدهور الهارمونية ما بين والديه كان الأثر السيئ عليه والقلق الذي حدث جعل الأمور أكثر سوءًا فتلك الأسرة تدعي لنفسها أعلى المستويات الأدبية والأخلاقية إلى درجة أنه كان هناك تناقض رهيب ما بين الأفعال العنيفة الظاهرة والخفية المتبادلة بينهما وما بين المعتقدات الكريمة المعلنة داخل طيات حديثهما المهذب.

 

ثانيًا: النتائج المرضية النفسانية

بالطبع ودون للدخول في تفاصيل فإن تلك الحالة قد تم وصفها من قبل كافة علماء النفس. في البداية حاول هذا الطفل جاهدًا بدون طائل إصلاح ذات البين ما بين والديه. عندما كان صبيًا اتخذ جنب أمه شغفه بها وهكذا وجد نفسه مقاومًا لأبيه وبالطبع فإن ذلك جعل الأمور تزداد سوءًا.

أن الطفل بالفطرة في مثل تلك الظروف يشعر ان أمه تحاول أن تجد فيه بعض التعويض العاطفي لتعاستها المفرطة ولكن هذا حال بينه وبين تجاوبه بتلقائية مع محبتها المفرطة لشعوره أنه يتحتم عليه تقديم المحبة رغمًا عن أنفه مما يفقده أي نوع من العلاقات الوجدانية السوية مع كلا والديه. غرابة هذا الانطباع من نحو أمه إضافة إلى الشد النفسي داخل هذا الطفل بسبب تناقض مشاعره من نحوها –ما بين العطف عليها في آن وبين الضجر منها في آن آخر- كان له أكبر الضرر على نفسيته من مشاعر العداوة الغير متغيرة المعلنة تجاه والده. وقد صار قلق هذا الولد حادًا عند طلاق والديه وزواج والده من أخرى، وهكذا ظل منفصلاً تمامًا عاطفيًا وفكريًا عن والده وفي نفس الوقت عاجزًا في مواجهة أزمة والدته.

في المرحلة الجامعية كان مترددًا فتحول إلى نوع آخر من الدراسة، ولكنه حقق أسوأ الدرجات ووجد نفسه عاجزًا تمامًا وفاقدًا لأي قدرة على التركيز في أي عمل. وهكذا وجد ذلك الشاب الحساس الرقيق النموذجي نفسه والسنين تجري من بين يديه بينما كل حياته في انسداد بهذا العجز الشامل. هنا توجد قوى في اللاوعي وطاقة في منتهى القوة تحول بين الضحية التعسة وبين تحقيق أعز أمنياته وطموحاته. وهذه الحالة يسميها العلماء "الفشل العصابي: فهو يأخذ القرارات الصائبة ولكنه لا يملك القدرة اللازمة لكي ينفذ هذه القرارات. وقد روّض نفسه على قبول ما هو عليه، فهو لا يستطيع أن يُحضر نفسه بنفسه إلى أي عمل، حاول السلوك الروحي ذاهبًا صباحًا ومساءً إلى العديد من الكنائس لكي يصلي. أنا أيضًا حاولت مساعدته وأنا على دراية تامة أن النصح والإرشاد عديم المفعول في تلك الحالات فالمطلوب فقط هو حل وفك القوى السلبية المدفونة عميقًا في ذهنه.

بالتحليل النفسي يمكن كشف مئات الذكريات المؤلمة وتحليل أحلامه وغرابة مسالكه تثير دهشته هو نفسه. هو لديه ثقة تامة فيّ وأنا أحببته وامتلأت بالثقة أني قد فهمته إلا أننا حتى الآن لم ننجز معًا أية نتيجة حاسمة. وذات مرة زار دير القديس فرنسيس الأسيزي فشعر بإحساس قوي مفاجئ لعلاقة وثيقة مع ذلك القديس آنذاك أحس بأن كل شئ صار مختلفًا عما سبق، إلا أنه بعودته إلى غرفته وكراريسه التي بحجرته وجد أنه لم يتغير أي شئ.

هذا الشخص تمزق ما بين عالمين: العالم النموذجي ذلك الذي وضعه ووصفه "باسكال" وهو المعنى الذي أُغرم به بشدة ذلك الطالب وما بين العالم الواقعي الذي يُسمى شعبيًا "عالم كل يوم"، ولا يوجد أي اتصال ما بين هذه العالمين.

أرسلت هذا الشاب إلى زميل لي أجنبي الجنسية فاستقبله استقبالاً مؤثرًا وبكل ترحاب، ولكن بكل ثبات ورسوخ ذلك الذي لم يكن من طبيعتي الخاصة. قال له هذا الزميل: "أنت يا عزيزي طائر على السحاب، والشجرة إذا كان يتحتم عليها أن تنمو وتصعد أفرعها لأعلى عليها أن تغرس جذورها عميقًا في الأرض" (والأرض كما تعلمون هي ذلك المكان). واستطرد زميلي قائلاً: "عندما تجتاز امتحاناتك سوف تكون لك مناقشات مفيدة عن باسكال مع د.تورنييه، ولكن أولاً وقبل كل شئ عليك أن تعمل".

 

ثالثًا: حصاد المحاولات المعتادة الفاشلة لإيجاد مكان

وهكذا عاد صاحبنا إلى غرفته وفتح كتبه أمامه ونظر إليهم كما لو كان يعمل لكي يراه هكذا زميلي الأجنبي إذا حدث وأتى إليه إلا أنه في الواقع لم يكن يعمل.

الأرض التي تحدث عنها ذلك الأجنبي هي المكان الذي يريده طوال تلك السنين السوداء الطويلة. بحث عن تلك الأرض أولاً في الكنيسة ولكن دون أن يدمجها ويوحدها في كيانه، وبعد إحباطه من الكنيسة تحول إلى الشيوعية المسلحة، ولكنه أُحبط مرة أخرى، وعقب ذلك انضم والتصق بالمجموعات الوجودية وبعد ذلك انضم أخيرًا لعصابات "لابسو الجواكت الجلدية" الجامحة. لقد كان دائمًا يأمل في العثور على جماعة يستطيع أن يلتحق فيها وفي كل مرة كان يخيب أمله.

كان متجولاً –كخيال أو كإنسان آلي- من جماعة إلى جماعة بمشاعر لا تتغير كل مرة: أنا لا أنتمي لتلك الجماعة. في بعض المناسبات النادرة كان يشعر أنه في تلك الجماعة عندما يكون في بار صغير معبئ بدخان السجائر إلا أن إحساسًا كهذا –مثل دخان السجائر- هو مجرد انطباع سريعًا ما يتطاير.

لقد كان كل المجتمع يبدو له مزيفًا فقد كان والديه وأصدقائها متبنيين أخلاقيات الطبقة المتوسطة التي تتميز بالتقاليدية الفارغة والتحلي بلافتات المبادئ الأخلاقية، ولكنهم منغمسون في الإحساس العظيم بالرضا الذاتي مكونين إما أحلافًا مع بعضهم البعض أو محاربين بعضهم البعض –حسبما تقتضي المناسبة- لكي ما يصنعوا أحد أمرين إما إثراء بعضهم البعض بأفكارهم أو القضاء على أفكار الآخرين المخالفين لهم.

حتى العالم الأكاديمي للجامعة كان مسجونًا في نموه وتطوره السريع بالدسائس وألاعيبه المعتادة بل والشيوعيين أيضًا يلعبون مباراتهم بأسلوبهم الخاص. ومثل كافة الشباب الذي ينتمي هو لهم زملائه في الأزمات –ممن لا جذر لهم- هو كان في ثورة ضد المجتمع، ألا يبحثون كلهم هكذا عن عذر لتشاؤمهم البالغ من المجتمع.

حتى هم أيضًا لهم دور: آخذين أحيانًا دور المتمرد، وأحيانًا دور الساخر المتشائم، ولكن عندما يلاحظ هذا الطالب نفسه سيجد أنه هو أيضًا مقلدًا لزملائه ولكن باقتناع ضئيل. أحد أعز أصدقائه انتحر فكان ذلك صدمة عنيفة له، ولكنه حدّث نفسه قائلاً: أليس الانتحار بالنسبة للشباب الصاعد هو طريق آخر للتطلع إلى مكان وموضع طال انتظارهم عبثًا له في ذلك العالم الفارغ، واحتجاجًا على الحياة التي قطعتهم عن ذلك المكان؟

علينا أن نأخذ بعين الاعتبار لضلالات الشباب في هذه الأيام ممن يكثرون اعتياد المقاهي والحانات. هم يقرؤون للأديب ألبرت كامو الذي قال "من يعلم أن الحياة لا معنى لها" أو سارتر الذي وُصم بالمثالية أولئك الذين يتبنون مبادئ يدعون أنها الأفضل بينما في الواقع والمحكمات فإنهم يستعملونها أحيانًا واضطرارًا –وليس دائمًا- فقط لمجرد الهروب من وخز ووجع العدمية.

عندما قال ذلك الشاب "أنا دائمًا أبحث عن مكان" والمكان ليس له معنى في مخيلته سوى ذلك المفهوم الصريح المشروع: مجتمع حقيقي يستطيع حقيقة أن يتوافق ويتلاءم معه، ولكننا معه نشعر أن فشله ليس له علاقة وثيقة بإحباطه السطحي عن كونه بسبب انسداد داخلي قوي وهذا يمكن أن نسميه "عقدة عدم اتصال" إلى درجة أننا نشعر أنه بداخله حتمية داخلية تدفعه إلى تيه مستديم مغلقًا الطريق أمامه إلى التأقلم الاجتماعي الذي يشتاق أن ينجزه.

 

البيئة المجردة أو البيئة الشخصية

 

أولاً: مفردات جديدة للعلاقات داخل البيئة

المكان المثالي للطفل هو الأسرة وعندما سألنا طالبنا الشاب هذا أخبرنا أنه لديه ذكريات جميلة عن طفولته وعن صباه. ولكن بالتحليل تبين أن كل ذكرياته الجميلة كانت خارج منزله. عندما وجد نفسه أنه لم يتلاءم جيدًا مع أسرته بحث بعيدًا عن مكان آخر سائرًا في وجودٍ تائهٍ غير قادر على أن يستقر في موضعٍ ما. ومأساته هي أنه يحمل في داخل أعماقه عجز جوهري على إقامة أي اتصال حقيقي، ولذا فهو يحمل في أعماقه حنين غامض متزايد غير مُشبع لأي شكلٍ من التواصل. ولكنه شعر بعد ذلك أنه مرفوض ومتناسي فكل اتصالاته مع الآخرين هي مجرد تعودات تقليدية ومجردة.

إن الطفل القادر على النمو المتناغم في منزل صحي يجد الترحاب في كل مكان وموضع. في الطفولة كان ما يحتاجه هو مجرد قطعة أثاث ما بين كرسيين ليعتبر نفسه في منزل حيث فيه يشعر أنه مستريح في منزل. وفيما بعد أثناء نموه أينما ذهب يستطيع أن يصنع لنفسه مكان وموضعًا دون أي مجهود فالقضية عنده لن تكون قضية بحث عن مكان بل هي قضية اختيار المكان.

هناك –وعند هذا الحد- قانونًا يُذكرنا بقول المسيح تلك الكلمات الحقيقية "فإن من له سيُعطى ويُزاد وأما من ليس له فالذي عنده سيُؤخذ منه" (متى 13: 12)، من اختبر الانتماء في مكان ما فإنه دائمًا عقب ذلك سيجد لنفسه مكانًا أينما وجد، بينما من حُرم من تلك الخبرة سيبحث عنه في كل مكان بلا طائل.

ولقد أبرزت سابقًا أن هذا الأمر أيضًا ينطبق على أحاسيس الشخص وعلى القدرة على إنشاء علاقات شخصية، فالشخص الذي ينمو في بيئة مجردة غير شخصية impersonal يجد نفسه في عالم كليّ التجريد حيث كل الناس مجرد أشياء بالنسبة له. وعلى النقيض فإن من اختبر حوار الشخص مع الشخص ينغمس في هذا الحوار مع كل من يتعامل معه حتى مع الأخ الذئب وحتى مع الأخ الشمس مثلما فعل القديس فرنسيس مع الحيوانات والأشياء والنباتات والأحجار، فكلهم صاروا أشخاص بالنسبة له.

 

تعثرات نمو الأطفال

 

أولاً: فشل تكوين الأنا

يقول رجال علم نفس تربية الأطفال عن الدورة المكونة من مرحلتين، بخصوص موضوع نمو الأطفال: عندما نرغب أن طفلنا يبدأ في تكوين صداقات يجب أن يكون أولاً منفصلاً عن الآخرين.

هذا حق: أن تكون منفصلاً أن تكون فردًا يعني أن تكون شخصًا، أن تكون على وعي بالوجود الشخصي وهي مرحلة أوليّة أساسية إذا ما كان يُراد تأسيس رباط مجتمعي حقيقي مع الآخرين. وهذه الجملة تُعيدنا إلى السؤال الساحق الذي أثاره الاقتباس الذي استعرته "هل يمكن أن يمنح المرء نفسه للرب وهو –أي المرء- ليس له وجود".

ربما يكون رجل الشارع العادي على غير دراية بثقل تلك المشكلة. الشعور بأننا موجودين يبدو طبيعيًا وبسيط جدًا لمن هو قادر على النمو الطبيعي. ولكن حديثًا أخبرني ثلاثة من مرضاي الواحد تلو الآخر أنهم يشّكون في مدى وجودهم الكياني، بما يعني أنهم قد اقتنوا الانطباع أنهم آليون أو أشباح، ذلك الشيء الذي يتعذر التعبير عنه بالكلام. هم يبدو أنهم أحياء يعملون يتكلمون ويضحكون ويبكون، ولكن مع إحساس بأنهم كيان غير حقيقي، كيان غريب عن أنفسهم، أو على الأقل لهم مجرد مظهر خارجي لما نسميه "كيان".

هنا يتحدث رجال علم النفس عن فشل تكوين الأنا ذلك الذي اعتبروه عامل مدهور للحالة. وكثيرًا ما رأيت رجال علم النفس يرفضون قبول مثل هؤلاء المرضى ممن قد ائتمنتهم على علاج أولئك المرضى على أساس أن العلاج النفسي لن يستطيع فعل أي شئ صالح لهم.

كيف يمكن طمأنة وإقناع الأشخاص الذين يشكون في وجودهم وكيانهم؟ من الواضح أنه ليس كافيًا على الإطلاق التأكيد لهم بأنهم موجودون، فذلك ليس له أي تأثير عليهم على الإطلاق على المستوى المنطقي الجدلي. ولكن كيف يمكن شفاء الشخص إذا لم يتمكن من إعادة اكتشاف يقينية وجوده؟

ربما من الأفضل أن نتحدث هنا عن "الاكتشاف" لا "إعادة الاكتشاف"، لأنهم نوعية لم تكن سابقًا على وعي قط بوجودهم الشخصي. ولهذا فهي ليست مشكلة نفسانية بالمعنى الصائب للكلمة، بل هي مشكلة تخص شفاء الشخصية ككل.

 

ثانيًا: النصيحتين الخادعتين

النصيحة الأولى:

قد ينصح بعض الناس تلك النصيحة: هِب نفسك لخدمة الآخرين لأن هبة النفس لخدمة الآخرين تقود إلى أن يجد المرء نفسه. هذه المقولة معكوسة وغير مفيدة تمامًا وضارة بوجه عام، لأنه لكي تمنح نفسك للآخرين عليك أن تقتني نفسك أولاً. والشخص الذي يشعر أنه غير موجود لا يمكنه أن يمنح نفسه فهو سيشعر أنه يتظاهر أنه يمنح نفسه. قال أحد قادة الكنائس: أنا أريد رجلاً سيد نفسه آنذاك سيكون الأفضل في خدمة الآخرين. لكي يكون المرء سيدًا لنفسه. فذلك يتضمن أول كل شئ الوعي أنه موجود. يجب أن يصير المرء أولاً شخصًا قبل أن يكون حرًا لكي يمنح هذا الآخر.

 

النصيحة الثانية:

وقد تقال تلك النصيحة الثانية لشخص متدين، ولكنه غير نشط روحيًا: ابحث عن صلة مع الله، فإنه فقط بالاستماع لله وبالدخول في علاقة شخصية مع شخص الله المحب تستطيع أن تكون شخصًا. ولكن، حتى بنفس سوية لا تستطيع أن تُنشئ اتصال مع الله بدون أن تشعر بخصوصية وجودك. هذه النوعية من الناس تعتقد أنها أمام مشكلة دينية وليست نفسية.

أنا أتذكر شابة كان بيني وبينها حوارات نفسانية علاجية في نفس الوقت لها حوارات دينية ممتلئة بالمشاعر المتأججة الغاضبة مع راعيها. وكان صدى هذه الحوارات معه يصل لي تلقائيًا إليّ. هذا الراعي بالذات أنا أتبادل معه كل التقدير الوافر، نحن لا يعنينا من منا ذو المجهود الأفضل في شفاء نفس الشخص، فأنا أعتقد أن تعاوننا التام معًا –كلٌ في مجاله- هو العامل الأساسي في نجاحنا. لقد كان ذلك الراعي ذو خبرة نفسانية عظيمة وأنا على يقين أنه لم ينزلق معها لأي لمسة وعظ. ولكنها بسيرها على هدى نبراتها الروحية تحررت تلك المريضة من شكوكها فيما يخص وجودها. وبعد عدة لقاءات درامية وتبادل الخطابات مع راعيها حدث لها نوع مما كان يسمى في التاريخ "مراهني باسكال" (وهم جماعة من المؤمنين من تلاميذ العالم الفيزيائي والروحاني الفرنسي "باسكال" وهم من المهتمين بالمناقشات التي تخص سلامة الإيمان... المعرب) فقالت: إذا كان الله موجود وإذا كنت أنا موجودة فأنا يقينًا أرعب في فعل كل ما يطلبه مني" هذه الفكرة أتت إلى مخيلتها وكانت حقيقة فكرة متفردة، ولكنها أطاعتها بدون تردد "وذلك يذكرني بقول الرب يسوع المسيح ذو المعنى العميق في (يوحنا 7: 16-17): أجابهم يسوع وقال: تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته (أي مشيئة الله) يعرف التعليم (تعليمي) هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي".

 

ثالثًا: زئير البحث عن الوجود الشخصي

هناك ملحوظة قاسية جارحة: وفي قمة مجادلاتها الطاحنة مع الراعي اتصلت بي تلك المريضة تليفونيًا لكي ما تطلب منى دواء يستطيع أن يوقف زئير الأفكار داخلها. ولقد وصفت لها مهدئًا الذي ربما يجعل مقابلاتها الحاسمة معه أكثر يسرًا. لقد تيقنت أن عللها وقلقها الديني وحواراتها معي ومباحثاتها العنيدة مع راعي الكنيسة كان بالنسبة لها بديلاً لكي تحيا. لقد كانت تحتاج إلى كل ذلك لكي تشعر أنها موجودة، لأنه عندما يُحارب المرء سيكون شاعرًا أنه موجود. قال ديكارت قولته الشهيرة: أنا أعتقد أني أُخثّر أفكاري (تكوين الجنين من اللبن وهو يقصد المعنى الرمزي بمعنى أن الانطباعات الداخلية تُلهم الأفكار الشخصية.. المعرب) فأنا أجادل وأقاتل من أجل أن أفكر لهذا فأنا موجود.

ولكن كان تلك بالنسبة لها مريعًا فهي تريد أن تُشفى وهي مع ذلك تخشى أن تُشفى خوفًا من أن يحرمها الشفاء من المجادلة الذي بدونها تخشى أنها لن تعود تشعر أنها حية وموجودة.

أنا أُضيف بيقين أنها اقتنت منذ ذلك الحين العديد من المشاكل الهامة التي أحضرتها لي والعديد من المقابلات المثيرة مع راعيها وكل ذلك قد حررها تمامًا من العديد من الإعاقات المريعة الخاصة بالشك فيما يخص مدى وجودها.

 

رابعًا: تدمير الوعي بالوجود

الشك في مدى الوجود قد يرجع سببه إلى جرح انفعالي وجداني في الطفولة. هناك امرأة مازال ينبض داخلها ذكرى مؤلمة بشعة لحدث خاص. فقد كان كثيرًا ما يحدث نزاع مشتعل مع والدها لمجرد أي أمر تافه، ولكنها كانت تتمسك برأيها لأنها كانت متيقنة من سلامة رأيها وأنها على صواب والأب –لكي ما يتغلب على مقاومتها الواثقة- كان يُعلن مقاطعتها بهذا الأسلوب:

  • عدم محادثتها
  • عدم الرد عليها عندما تحدثه
  • حرمانها من قبلة المساء
  • مانعًا أي أحد من محادثتها لمدة ثلاثة أيام

الخلاصة هو يتعامل معها كما لو كانت غير موجودة. ما فعله بالمختصر هو تدمير وعيها بأنها موجودة. فنحن نشعر أننا موجودون عندما يقبل ويحترم الآخرون ذواتنا بل ويرحبون بوجودنا ويثبتون ذلك عمليًا بالاستماع إلينا والرد على تساؤلاتنا والدخول في حوارات إيجابية معنا.

إن نشوء علم النفس التحليلي قام على أساس الخبرة الحية للحوار ذلك الذي يعني:

  • حديث القلب المفتوح
  • التعبير عن الأفكار الشخصية في بيئة الثقة في الكون
  • أن نكون مسموعين ومفهومين حقيقة من الآخرين
  • الدخل في اتصال شخصي معهم وانتظار رد فعل وبالمختصر الدخول في ما يُمسى خبرة الحوار الثنائي

 

خامسًا: البحث عن معنى الحياة

وقد أبرز ذلك المفهوم دراسة علمية شيقة عن التشابه وعدم التشابه ما بين الإيمان المسيحي واللوجو ثيرابي (هو علم المدرسة النفسية الثالثة "الرغبة في المعنى" ومؤسسها "فيكتور فرانكل"، حيث أن المدرسة الأولى هي مدرسة فرويد "الرغبة في اللذة" والمدرسة الثانية مدرسة أدرلر "الرغبة في القوة"، وتلك المدارس نشأت كلها في فيينا، واللوجو ثيرابي تُعلن أن الحياة لها معنى حتى مع أسوأ الظروف والدافع الوحيد للحياة لكل البشر هو البحث عن هذا المعنى ونحن لنا الحق في أن نجد معنى في كل ما نفعله، وفي كل ما نختبره، وفي مكافحة أية ظروف غير متغيرة أي مقاومة الرتابة في حياتنا، وهو عندما يستخدم كلمة "الروح" فهو يعني الرغبة الحرة للكيان البشري.. المعرب).

لقد كنت أنا طفلاً غير متواصل مع الآخرين غير اجتماعي وذو أطوار غريبة، وذلك بلا شك بسب أنني يتيم، من وسط كل مدرسي مدرستي كان مدرس اللغة اليونانية هو فقط الذي فهم احتياجاتي، فقد استضافني لمنزله ولدراساته. تخيلوا تأثير ذلك عليّ، كمكان للثقافة الفكرية الراقية مع رجل أن أقدّر تمامًا استماعه لي بكل كيانه، وبكل رقته لقد وجدت هناك مكانًا معه. لقد كان مدرس اليوناني أول معالج نفسي لي واتصاله الشخصي معي الذي كفله بكرم لي والذي منحه لي أيضًا الكثيرين فيما بعد كان تأثير عليّ مما ساعدني لكي أُحدد بدقة رسالتي ودعوتي في الحياة. الكثيرون من الناس يأتون الآن إليّ لكي ما ينالوا بدورهم ما سبق أن نلته أنا. ولهذا فأنا عليّ أن أقتبل بنفسي كنوز الاتصال الشخصي قبل أن أمتلك القدرة على منح تلك الكنوز.

 

سادسًا: فكرة من علم الحيوان

ذات مرة سألت أحد علماء الحيوان وهو البروفيسور "بورتمان" من بازل سويسرا، عما إذا كان هو أو أحد زملاء العمل قد أُصيب إصابة خطيرة من أحد الحيوانات الشرسة. فقال لي "أبدًا، لأن أول نصيحة أقولها كل من يعمل معي: استمر في الحديث مع تلك الحيوانات، وعندما يسألني أحدهم عن ماذا أقول لحيواناتك، فهل تفهم تلك الحيوانات كلماتي، أقول له انظر لتلك الحيوانات وقل مجرد: بلا بلا بلا (أي كلام)، المهم أن تراك تلك الحيوانات تنظر لهم وتتحدث معهم.

 

سابعًا: الدور السلبي للأسرة

بالطبع فإن الوالدين يحتاجان أن يقولا للطفل شئ آخر غير: بلا بلا. هناك بعض الآباء لا يتحدثون مطلقًا بجدية مع أولادهم كما لو لم يكونوا حقيقة أشخاص أو أن أفكارهم ليست ذات قيمة. ذات مرة كتب لي أحد الأشخاص: في أسرنا غير مسموح لأولادنا أن يكونوا أناس حقيقيين أو أن يكونوا أشخاص لهم رغبات وآراء أو طعم خاص به.

أنه من خلال التجرؤ على التعبير عن الرغبات والآراء والطعم الخاص ومن خلال الشعور باحترام الآخرين يصير الطفل على وعي أنه موجود وأنه شخص متميز ومنفصل عن الأشخاص الآخرين.

ولكن هتك ما لشخصية الطفل يحدث عند محاولة توجيهه في كل شئ طبقًا لما يظن الأبوين أنه الأفضل بدون الانتباه لتفضيلاته الخاصة. فقد يصل آنذاك الطفل إلى نقطة أنه لم يعد يدري ما هي رغباته أو آرائه او طعمه الخاص ولم يعد يشعر بأنه موجود.

وهذا يُلاحظ بشدة في الأسر ذات الحجج الأخلاقية العالية أو الدينية. والوالدين دائمًا في منتهى الثقة أنهم يحتكرون الحقيقة المطلقة لدرجة أن أي فكرة أخرى تخالف فكرهم ستكون في نظرهم خطأ ردئ للغاية. فهم متأكدون للغاية من صواب أحكامهم في كافة الأمور ويفرضون ذلك على أولادهم لصالحهم كما يظنون.

 

ثامنًا: النسك قبل الوقت

وهذا النوع من التربية كثيرًا ما يقود للنسك الذاتي قبل الوقت بينما يكون الطفل صغيرًا على تعلم:

  • أن ينسى نفسه
  • أن يزدري برغباته
  • أن يتصرف طبقًا لرغبات ومتطلبات الآخرين
  • أن يسعى دائمًا لأن يُسِر الآخرين
  • ألا يسعى لأن يُسِر نفسه

وبالطبع فالأبوين لديهم قائمة بهؤلاء الآخرين الذي يجب أن ينالوا تلك المسرة والخدمة المستديمة، ألا وهي "هم أنفسهم" على الرغم من أنهم نادرًا ما يشغلون أنفسهم بإشباع رغبات أولادهم التي يرون أنها مجرد نزوات أنانية ويتهمون أولادهم بالأنانية إذا ما بدا عليهم أي طموح شخصي. هناك آباء ذوي أعلى مراتب الكرامة والشرف ويدعون أنهم والدين في غاية الامتياز. ولكنهم بدون أن يدركوا ذلك يدمرون رغبات أولادهم إلى مستوى لا يُصدق فيصير الطفل سندريلا الأسرة.

هو حق أن واحد من أي أسرة دائمًا ما يُعامل من الأسرة بتلك الطريقة أما باقي الأسرة فيتقبلون مبادئ النسك الذاتي أي الرغبة في الحياة التقشفية كوسيلة للعبادة فقط في حالة ما إذا كانوا يرغبون بأنفسهم في ذلك، ولكنهم الآن يعرفون جيدًا كيف ينالوا نصيبهم من الأرباح من الضحية الصغيرة التي لا تستطيع أن ترفض لهم أي شئ.

بالطبع من المحتمل أن نُفكر أن ذلك الطفل التعس لديه احتمالية أكثر لتعرضه لمرض العصاب الخطير للأسباب التالية:

  • لسبب كونه أكثر حساسية من إخوته وأخواته
  • لسبب كونه ساذج سريع التصديق لكل ما يقال له خاصة فيما يخص نظريات إنكار النفس بدون أن يرى والديه يمارسان ذلك الإنكار الذي يحدثونه عنه
  • ولكن مع ذلك فكل هذا يأتي أيضًا من سبب ثالث أعمق ألا وهو أنه قد نال حب أقل من إخواته وأخواته

 

ولهذا هو في اللاوعي يحاول أن يكسب مزيدًا من الحب عن طريق هذا التكريس الذي لا ينتهي. ولكن للأسف فإن ذلك مجرد جهاد بلا طائل، لسبب بسيط هو أن لدى الوالدين بعض الإحساس بالذنب في اللاوعي بسبب دفع أولادهم للعيش بتلك الطريقة في الحياة ولملاشاة تلك الأحاسيس تزداد حدة وهيستيريا التصرفات، وتلك الأحاسيس المكبوتة داخلهما تحول دون أن يقدما للطفل حب حقيقي وتصرفات الأبوين تؤدي إلى أن تجعل حالة العصاب لديه تزداد سوءًا.

هكذا يصير الكل: الضحية والوالدين والأولاد والبنات سجناء لهذا المفهوم الذين تبنوه كلٌ يقوم بدوره سواء دافعين أو مدفوعين دون أن يكون أي منهم على دراية بما يجري.

 

 

بول تورنييه

من كتاب "ويوجد أيضاً مكان"

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا