مقالات متخصصة

 

 

(1)  النرجسية: الأنا الكبيرة صغيرة في كل مكان آخر

 

يُعاني النرجسيون اضطرابًا سيكولوجيًّا وكوزمولوجيًّا في الوقت ذاته. إنهم يؤمنون بأن الكون يدور حولهم. وبخلاف المُعادين للمجتمع –مدمني الإثارة- أو شبه الهستيريين –الذين يسعون وراء نيل الانتباه- فإن النرجسيين يرغبون فقط في معايشة خيالاتهم بأنهم الأذكى والأكثر موهبة وأفضل ناس في العالم.

وبعض النرجسيين يكونون مجرد أساطير داخل رؤوسهم، ولكن عددًا مذهلاً منهم يكونون بارعين بما يكفي لتحويل بعض خيالات العظمة خاصتهم إلى حقيقة. وقد يعاني المرء نرجسية بدون عظمة، ولكن ليس هناك من يعاني عظمة دون نرجسية. لكن هناك شيئًا واحدًا مؤكدًا؛ في أعين الآخرين، فإن مصاصي الدماء هؤلاء ليسوا عظماء بقدر ما يعتبرون أنفسهم أنهم عظماء.

إن تقييمهم لأنفسهم هو أكثر شيء يُحسن النرجسيون فعله. وأكثر سمة يفتقرون إليها هي الاهتمام باحتياجات الآخرين وأفكارهم ومشاعرهم.

ولمصاصو الدماء (العاطفية) هؤلاء عضة للإصابة باضطراب الشخصية النرجسية. والاسم مشتق من "نرسيسوس"، وهو شاب إغريقي اُفتتن بانعكاس صورته على الماء. وبالنسبة للآخرين، يبدو أن النرجسيين مفتونون بأنفسهم لأنهم يظنون أنهم أفضل من غيرهم والحقيقة الفعلية أكثر تعقيدًا من هذا.

إنهم لا يحبون أنفسهم فحسب، بل إنهم يعيشون داخل أنفسهم، ويستشعرون رغباتهم بحدة حتى إنهم يعجزون عن الانتباه لأي شيء آخر. تخيل اضطرابهم كمجهر، فالنرجسيون ينظرون إلى احتياجاتهم عبر الجانب المُعظم، وباقي الأشياء عبر الجانب الذي يجعل الأشياء صغيرة إلى حد الحقارة. إن الأمر ليس أن النرجسيين يعتقدون أنهم أفضل من الآخرين بقدر ما هو عدم تفكيرهم في الآخرين بالمرة. إلا إذا أرادوا شيئًا منهم.

وحاجة النرجسي هي شيء غاية في الأهمية، فتمامًا كما يجب على أسماك القرش السباحة باستمرار حتى لا تغرق، يجب أن يُثبت النرجسيون دومًا أنهم مميزون. أو أنهم سيغوصون كالأحجار في أعماق الاكتئاب. وقد يبدو الأمر أنهم يحاولون إثبات قيمتهم للآخرين. ولكن جمهورهم الحقيقي هو أنفسهم.

والنرجسيون خبراء في الاستعراض، فكل شيء يفعلونه محسوب كي يولِّدوا الانطباع السليم، والاستهلاك الواضح والجلي بالنسبة لهم كالدين بالنسبة للآخرين، ويتتبع النرجسيون رموز الثروة والمكانة والسلطة بحماسة شبه روحية. وهم يستطيعون التحدث لساعات عن أشياء يمتلكونها، والأشياء العظيمة التي فعلوها أو سيفعلونها، والأشخاص المشاهير الذين يتسكعون معهم. وهم عادة ما يبالغون دون أن يشعروا بالخزي، حتى عندما يكون دليهم الكثير من الإنجازات الفعلية التي يمكنهم التباهي بها.

ولا شيء يكفيهم، ولعل هذا هو السبب الذي جعل النرجسيين يريدونك أو على الأقل يريدون تملقك؛ فسوف يحاولون جاهدين أن يبهروك حتى يسهل أن تصدق أنك مهم فعلاً بالنسبة لهم، ويمكن أن يكون هذا خطأَ قاتلاً؛ فهم لا يريدونك أنت. بل فقط مداهنتك إياهم، وهم سيمتصون ذلك منك ويتخلصون من الباقي.

وبالنسبة للنرجسيين، فإن الأشياء والإنجازات وتقدير الآخرين لا يعني شيئًا داخل أنفسهم. إنهم مثل الوقود، وكالماء الذي يتم دفعه عبر وديان صغيرة حتى يتم استخلاص الأكسجين منه. والمصطلح التقني هو الإمدادات النرجسية، فإن لم يُظهر النرجسيون تميزهم دومًا لأنفسهم، فإنهم يغرقون.

 

ماذا يعني أن تكون نرجسيًا؟

لتعرف كيف يُعايش النرجسيون الحياة، تخيل أنك تمارس الجولف أو التنس أو رياضة تنافسية أخرى وتحظى بأفضل يوم في حياتك المهنية. تراودك مشاعر مذهلة، ولكن الجدار الذهني الفاصل بين الثقة والخوف هش كمنديل ورقي. كل شيء يعتمد على التسديدة التالية، ثم التالية لها. وبالنسبة للنرجسيين، تضم اللعبة بين كنفيها العالم أجمع ولا تنتهي مطلقًا.

تخيل الضغط الذي ستستشعره إن كان الهدف الوحيد المهم في حياتك هو أن تُثبت أنك شيء أكثر من مجرد كائن بشري. وأكبر مخاوف النرجسيين هو أن يكونوا عاديين. إنهم لا يستطيعون الارتباط بأي شيء أكبر من أنفسهم، لأنه لا يوجد في الكون ما هو أكبر. وفيما وراء محاولاتهم المحمومة لإثبات ما لا يمكن إثباته، يكمن فقط خواء مظلم غير مكتشف. وقد تشعر بالإغواء لأن تظن أنهم شخصيات تراجيدية إن لم يكونوا حقيرين وبغيضين إلى هذا الحد.

وعادة ما يكون النرجسيون موهوبين وأذكياء، وهم أيضًا من بين أكثر المخلوقات عدم مراعاة لمشاعر الآخرين على وجه الأرض. وقد تظن أن مثل هؤلاء الأشخاص الأذكياء سيدركون أهمية إبداء الانتباه للآخرين – واصل الاستغراق في الأحلام!

فالنرجسيون مغمورون داخل أحلامهم حتى إنه ليست هناك مساحة لأي شيء آخر. وهي مصادقة تحمل مفارقة أنه في بعض الأحيان يفيد تحقيق النرجسيين لأحلامهم كل البشرية، فالنرجسيون اخترعوا الفن والعلوم والرياضة والمشروعات وكل شيء آخر يمكنك المنافسة من خلاله، وهم مخترعو القداسة كذلك. إن حياتنا أفضل بسبب محاولات النرجسيين أن يُثبتوا أنهم أفضل منّا.

 

مأزق النرجسيين

يستثير النرجسيون –أكثر من أي نوع آخر من مصاصي الدماء– مشاعر مختلطة؛ فعندما نراهم، نُعجب بهم. بل ونقع في هواهم. ونحن نصوّت لهم ونشارك في حملاتهم، ونقرأ كتبهم ونستمع إلى موسيقاهم ونشاهد أعمالهم الفنية في المتاحف. ندرس حيواتهم في صفوف التاريخ ونؤسر بالنصب التذكارية التي يصنعونها لأنفسهم، ونُعطيهم جوائز نوبل.

والنرجسيون هم أكثر أشخاص مكروهين من بين جميع أنواع مصاصي الدماء، رغم أن الأنواع الأخرى عادة ما تُنجز أشياء أقل وتُحدث دمارًا أكبر؛ فقدر كبير مما كُتب عن النرجسيين في المذكرات وعلى الإنترنت، بل وحتى في النصوص الطبية. يحمل تلميحات من الكراهية الشخصية – بل إن الناس يتعاملون بمزيد من التعاطف مع المعادين للمجتمع الخطيرين.

لماذا هذه الكراهية؟ جميع مصاصي دماء العواطف يستغلون الناس، ولكن النرجسيين يفعلون ذلك على الملأ ودون اعتذار، لأنهم يؤمنون بشدة بأنهم أفضل كثيرًا وأكثر استحقاقًا من الآخرين. وسلوك الأحقية هذا يستثير فينا بعض المشاعر الانتقادية نفسها التي قادت الفرنسيين إلى إرسال الأرستقراطيين لديهم بسعادة إلى المقصلة.

إننا نبغض النرجسيين؛ فنحن نستنكر الطريقة التي يتجاهلون من خلالها احتياجاتنا، ومع ذلك فنحن نستجيب عن غير وعي للأطفال الرضع بداخلهم الذين يحتاجون إلينا كثيرًا.

ونحن نحتاج إليهم؛ فبدون النرجسيين، من سيتولى قيادتنا؟ أو من سيعتقد أنه حكيم بما يكفي ليقرر أين تنتهي القيادة وتبدأ النرجسية.

لاشك أن كثيرًا من النرجسية هو أمر خطير. ولكن، ما القدر الذي يُعتبر خطيرًا؟ ما النرجسية بأية حال من الأحوال؟ كي نستطيع البقاء على قيد الحياة، فلابد أن نتمتع بغريزة ما تجعلنا نجعل الأولوية لاحتياجاتنا، وقد تكون النرجسية هي القوة الكامنة وراء جميع الدوافع. لكن كي نحيا كبشر لابد أن نوازن بين هذه القوة وبين المسؤولية، والصراع مع مأزق النرجسية هو فحوى كوننا كائنات بشرية.

ومصاصو دماء العواطف هم أشخاص لم يسبق لهم الصراع مع مأزق النرجسية. فالمعادون للمجتمع يتجاهلونه لأنه ليس ممتعًا، ويتظاهر شبه الهستيريين بأنهم لم يسبق لهم وانتهجوا تصرفات من منطلق مصلحتهم الشخصية. ويؤمن النرجسيون بأنه لا وجود سوى لما يفيدهم. فمصاصو دماء العواطف مجبرون على افتراس الآخرين للحصول على الإجابة التي يضطر باقي الناس للصراع لأجل إيجادها داخل أنفسهم.

ما الإجابة؟ قام السيد المسيح بتلخيص ذلك في الحكمة العظيمة التالية:

عامل الآخرين بما تحب أن يعاملوك به.

ويكسر النرجسيون هذه القاعدة الذهبية دون كثير من التفكير. هل هذا يجعلهم شريرين أم مجرد غافلين؟ إجابتك هي التي ستحدد قدر الدمار الذي سيحدثونه بك. فأسهل طريقة تستنزف من خلالها هي أن تأخذ عدم مراعاة النرجسيين للآخرين شخصيًّا، وتستاء للرأي الذي كونوه حيالك ويجعلهم يعاملونك على هذا النحو. فأهم شيء تتذكره هو أن النرجسيين لا يفكرون فيك على الإطلاق.

 

النرجسية والثقة بالنفس

النرجسية والثقة بالنفس ليسا الشيء نفسه؛ فالثقة بالنفس هي مفهوم يحمل معنى في الأساس للأشخاص الذين لا يمتلكونها. والنرجسيون ليسوا بحاجة لمفهوم يُفسر لهم لماذا هم مميزون تمامًا مثل القروش التي لا تحتاج إلى مفهوم يُفسر الماء. وربما ترى أن حاجتهم المستمرة لإمدادات نرجسية لدعمهم هي بمثابة دليل على أن غرضهم الأساسي من حياتهم هي تعويض افتقارهم للثقة بالنفس. وهذا قد يقودك إلى الاعتقاد الخطأ أن كل ما يتطلبه الأمر لإصلاح النرجسيين هو تعليمهم كيف يتصالحون مع ماهيتهم الداخلية. حتى يتمكنوا من الاسترخاء ويكونوا أشخاصًا عاديين. وكما سنرى في الفصل القادم، والذي يُغطي أساطير النرجسية داخل عقولهم، فإنه من الممكن أن تُهدر حياتك بأكملها محاولاً تحقيق هذا الهدف العقيم.

 

ما الذي تقيسه الأسئلة؟

السلوكيات المحددة الموضحة بالقائمة مرتبطة بالعديد من الخصائص الشخصية الكامنة التي تُعرِّف مصاص دماء العواطف النرجسي.

 

الافتقار للموهبة والذكاء

أول شيء ستسمعه عن النرجسيين هو أنهم شديدو الذكاء وموهوبون. في الواقع، ستسمع ذلك على الأحرى من النرجسيين بشكل مباشر، حيث إنهم لا يخجلون على الإطلاق من تزكية أنفسهم.

 

قائمة مصاص الدماء النرجسي: رصد هؤلاء الأشخاص المدعين أنهم

الأذكى والأكثر موهبة، وإنهم أفضل ناس في العالم

 

صح أم خطأ أعط نقطة واحدة لكل إجابة صحيحة.

1-      حقق هذا الشخص إنجازات تفوق ما حققه معظم الناس في سنه.   صح         خطأ

2-      هذا الشخص مقتنع بأنه أذكى وأفضل، أو أكثر موهبة من الآخرين. صح       خطأ

3-      يحب هذا الشخص المنافسة، ولكنه خاسر مسكين. صح        خطأ

4-      تراود هذا الشخص خيالات بتحقيق شيء عظيم أو التمتع بالشهرة، وعادة ما يتنظر أن تتم معاملته كما لو أن هذه الخيالات تحققت.    صح    خطأ

5-      لا يكترث هذا الشخص بالمرة لما يفكر فيه أو يشعر به الآخرون إلا إذا أراد شيئًا منهم.  صح   خطأ

6-      هذا الشخص عادة ما ينسى الأسماء.  صح    خطأ

7-      بالنسبة لهذا الشخص، من المهم للغاية الإقامة في المكان المناسب والتعامل مع الأشخاص المناسبين. صح        خطأ

8-      يستغل هذا الشخص الآخرين كي يحقق أهدافه.        صح    خطأ

9-      هذا الشخص عادة ما ينجح في وضع نفسه بتصنيف لا يوجد فيه غيره. صح   خطأ

10-      يشعر هذا الشخص عادة بأنه يُستغل عندما يُطلب منه تولي مسؤولياته إزاء الأسرة أو الزملاء أو الأصدقاء. صح              خطأ

11-  يتجاهل هذا الشخص عادة القواعد أو يتوقع تغييرها، لأنه بشكل ما مميز. صح                   خطأ

12-  يصاب هذا الشخص بالاستياء عندما لا يفعل الآخرون تلقائيًّا ما يريد منهم فعله. حتى عندما يكون لديهم سبب وجيه لعدم الامتثال.        صح    خطأ

13-  يُقيم هذا الشخص الرياضة والفن والأدب من خلال إخبارك بما كان قد يقوم به بدلاً من ذلك. صح            خطأ

14-  يظن هذا الشخص أن أي انتقاد له يتم بدافع الغيرة. صح        خطأ

15-  يرى هذا الشخص أي شيء يفتقر إلى التملق رفضًا. صح       خطأ

16-  يُعاني هذا الشخص عجزًا فطريًّا لإدراك أخطائه. وفي المرات النادرة عندما يُدرك هذا الشخص خطأ، فإن حتى أصغر الأخطاء يمكنها توليد اكتئاب حاد.  صح        خطأ

17-   عادة ما يشرح هذا الشخص لماذا لا يعد الأشخاص الأكثر شهرة منه مميزين إلى هذا الحد. صح            خطأ

18-   يشكو هذا الشخص غالبًا من سوء معاملته أو سوء فهمه. صح             خطأ

19-   إما يحب الناس هذا الشخص أو يبغضونه. صح      خطأ

20-   رغم اعتداده بنفسه، فإن هذا الشخص ذكي وموهوب حقًّا. صح        خطأ

 

النتيجة: خمس إجابات صحيحة أو أكثر تجعل من هذا الشخص مصاص دماء عاطفيًّا نرجسيًّا. وإن كانت لا تجعلنا بالضرورة نُشخص حالته بأنها اضطراب شخصية نرجسي. وإن أحرز الشخص أكتر من عشر درجات، ولم يكن أحد أفراد الأسرة المالكة. فتوخ الحذر حتى لا يعتبرك أحد خادميه.

عدد مذهل من النرجسيين يعرفون معدل ذكائهم بالأرقام ويتشاركونه مع معارفهم الجدد. وهذه الأرقام عادة ما تكون مضخمة ومبالغًا فيها: فلا أحد يتباهى بمعدل ذكاء يبلغ 130 (الحد الأدنى لنيل عضوية مينسا)، رغم أن معظم الاختبارات الأكثر شيوعًا لا تكون ذات قيمة فوق هذا المستوى. فإن تباهى نرجسي بأن معدل ذكائه يبلغ 160، فاسأله: "طبقًا لأي اختبار؟" وشاهد المتعة.

وبالإضافة إلى معدلات الذكاء، ربما تسمع أيضًا عن المشاهير الذين التقى بهم مصاصو الدماء هؤلاء وكيف أنهم أبهروهم.

وفي الندوات والاجتماعات، عادة ما يرفع النرجسيون أيديهم في الهواء، ولكنهم نادرًا ما يطرحون أسئلة حقيقية. فهم يدلون بتعليقات ليثبتوا للجميع أن معرفتهم على الأقل مساوية –إن لم تكن أكثر من- لمعرفة الشخص الذي يقف في مقدمة القاعة.

ونموذج محاولة إذهالك بموهبتهم وذكائهم يستمر فترة طويلة بعد توليد النرجسيين للانطباع الأول؛ فهم سيحاولون المسيرة حتى تنتهي خشيتهم منك –وبعد ذلك سيتجاهلونك كلية.

 

الإنجاز

معظم النرجسيين لديهم إنجازات يدعمون بها تقديرهم العالي لأنفسهم. وبخلاف الأنواع الأخرى من مصاصي الدماء الذين يسعدهم التظاهر، فالنرجسيون مستعدون للعمل بكد ليعظموا من أنفسهم.

وفي حياتهم المهنية، عادة ما نجد مصاصي الدماء هؤلاء يتمتعون بالتركيز والتوجه نحو هدف معين. والعديدون منهم مدمنون للعمل، ولكن بخلاف شبه الهستيريين –الذين يسعون وراء إرضاء الآخرين ويبذلون قصارى جهدهم لنيل الاستحسان والحب –فإن النرجسيين يتولون أمر هذه المهام فقط التي تعود عليهم بكثير من المال أو الشهرة أو القوة.

 

العظمة

لا يخجل النرجسيون من خيالاتهم حول مدى عظمتهم وكيف أن الجميع معجبون بهم – أو يجدر بهم هذا. وإن ضغطت عليهم، فسيعترفون بأنهم أمهر ناس في العالم بشيء ما. في الواقع لن يتحتم عليك الضغط بشدة.

 

الأحقية

يؤمن النرجسيون بأنهم مميزون للغاية، حتى إن القواعد لا تنطبق عليهم، إنهم يتوقعون أن تبسط السجادة الحمراء لأجله أينما ذهبوا، وإن لم يحدث هذا فإنهم يصيرون بذيئين.

وهم لا ينتظرون، ولا يعيدون التصنيع، ولا يدفعون بالتجزئة، ولا يقفون بالطوابير، ولا ينظفون وراء أنفسهم. ولا يسمحون للآخرين باستباقهم في زحمة السير، وتنافس الضرائب على دخلهم من أعمال الخيال العظيمة. والمرض أو حتى الموت ليس عذرًا لعدم فقز الآخرين لتلبية احتياجاتهم. وهم لا يخجلون على الإطلاق من استغلال الآخرين أو الأنظمة لتحقيق مصلحتهم الشخصية، وهم يتباهون باستغلالهم الجميع.

 

التنافسية

يحب النرجسيون التنافس ولكن فقط عندما يفوزون. وهم عادة ما سيفعلون كل ما يتطلبه الأمر ليفوزوا، سواء كان التدرب أو تزييف ورق اللعب لصالحهم.

والنرجسيون مهتمون إلى حد الهوس بالمنزلة والسلطة. وهم سيحاربون حتى الموت لينالوا مكتبًا بجوار النافذة، ليس لأنهم يريدون منظرًا لطيفًا، ولكن لأنهم يعرفون ما الذي يعنيه المكتب بجوار النافذة في تسلسل السلطة بالشركة. إنهم يعرفون ما الذي يعنيه كل شيء في كل تسلسل، فما يرتدونه وما يقودونه وأين يعيشون ومن الذي يراهم الآخرون بصحبته ليست اختيارات عشوائية قائمة على شيء سخيف كماذا يحبون. فكل شيء يفعله النرجسيون هو حركة في لعبة تعظيم النفس المهمة. والتي تعد سببهم الرئيسي للحياة.

 

الملل الواضح

ما لم يكن موضوع الحوار هو مدى عظمتهم، فسوف يُصاب النرجسيون بضجر واضح. ولعل أحد الأسباب الرئيسية لارتداء النرجسيين ساعات غالية الثمن هو أن ينظروا إليها عندما يتحدث شخص آخر

وإلى جانب الملل، لدى النرجسيين حالتان عاطفيتان آخريان فقط: هم إما بأعلى العالم أو بأسفل كومة قمامة؛ فأصغر إحباط يمكنه أن يُفجر بالونتهم ويرسلهم محطمين إلى الأعماق.

 

الافتقار إلى العاطفة

بالنسبة للنرجسي، فإن الآخرين إما ممولون محتملون للإمدادات النرجسية أو غير مرئيين. وأكثر من أي نوع آخر من أنواع مصاصي الدماء، فالنرجسيون عاجزون عن إدراك حقيقية مهمة وهي أن البشر الآخرين لديهم احتياجات ومواهب ورغبات خاصة بهم. ولسنا بحاجة لأن نقول إن هذا الافتقار للتعاطف هو مصدر لقدر كبير من الألم الذي يعانيه الأشخاص الذين يحبونهم.

ورغم افتقارهم للدفء الإنساني، فإن هناك الكثير من الأشياء التي تروق الناس بمصاصي الدماء هؤلاء –وهذا سيئ، ويبدو غير منصف؛ فالعديد من الناس يدمرون أنفسهم بظنهم أن عدم مبادلة النرجسيين هذا الحب لهم هو خطؤهم، وهم سيعملون جاهدين وطويلاً. أحيانا على امتداد أعمارهم، دون أن يدركوا أن النرجسيين لا يستطيعون إعطاء ما لا يملكون.

ثمة سمة مخيفة يتشاطرها النرجسيون مع المعادين للمجتمع. وهي القدرة على تزييف التعاطف عندما يريدون شيئًا. والنرجسيون هم أبرع مقدمي الثناء والإطراء على سطح الكوكب. فهم يعززون الأنا لدى الآخرين حتى في الوقت الذي يستنزفونهم به. ولسنا بحاجة إلى أن نقول أن هذه السمة تجعلهم بارعين في السياسة. ورغم أن المعادين للمجتمع وشبه الهستيريين يمكنهم أن يكونوا جذابين، فإن أساتذة الإغواء هم النرجسيون.

 

عدم القدرة على تقبل النقد

أعظم مخاوف النرجسيين هو أن يكونوا عاديين، وحاشا لله أن يفعلوا شيئًا دنيويًّا مثل ارتكاب خطأ. وحتى أصغر الانتقادات تجعلهم يشعرون كأن أوتادًا غُرزت في قلوبهم. فإن وبخت نرجسيًّا، فأقل شيء سيفعله هو الشرح بكثير من التفاصيل لماذا يكون رأيك خطأ. وإن كنت محقًا، فسيكون الموقف أسوأ كثيرًا، فسوف يذوبون أمام عينيك إلى أطفال رضع مثيرين للشفقة وضعفاء يحتاجون إلى قدر كبير من الطمأنة والثناء فقط ليستطيعوا أخذ نفسهم التالي. فأنت لن تستطيع الفوز؛ فلا يوجد ما يُسمى نرجسيًّا يتعامل بموضوعية مع أخطائه.

 

التناقض لدى الآخرين

عادة ما تراود الناس مشاعر قوية إزاء النرجسيين. فهم إما يحبونهم لأجل مواهبهم أو يبغضونهم لأجل أنانيتهم السافرة – أو كليهما. ومن الصعب أن نُحدد أيهما يُحدث أكبر دمار – الأنانية أم الكراهية أم الحب.

والنرجسيون يعرفون دومًا ما الذي يريدونه منك. وهم لن يترددوا للحظة في طلبه أو حتى أخذه. وللتعامل بفاعلية مع أطفال الليل المتمحورين حول أنفسهم هؤلاء، لابد أن تكون أنت أيضًا واثقًا بما تريده منهم. أعتقد معهم دومًا صفقات صعبة واجعلهم يدفعون قبل أن يأخذوا ما يريدونه منك. تذكر هذه القاعدة، ولن تصبح بحاجة لمعرفة شيء آخر.

حسنًا، ربما هناك شيء آخر: إذا لم تُرد أن يكسر فؤادك، فلا تجعل النرجسيين يختارون أبدًا بينك وبين حبهم الأول – أنفسهم.

 

*******

 

(2)  مصاصو الدماء الذين هم مجرد أساطير داخل عقولهم

 

بموهبة مثل تلك التي يمتلكونها، من يحتاج إلى الأداء؟

تبطن النرجسية داخل نفسها بذور كل من النجاح والفشل، فأحلام العظمة التي يرى النرجسيون من خلالها أنفسهم مميزين ومتفردين يمكن أن تستخدم كمهماز للمضي قدمًا أو كمبرر لعدم القيام بما يتطلبه النجاح.

والعديد من النرجسيين يرغمون أنفسهم على النجاح: فهم يدركون أن بوسعهم على الأقل نبيل بعض الإمدادات التي يحتاجون إليها من خلال امتلاك شركة تحمل اسمهم على بابها، وجنيهم الكثير من المال. وهؤلاء النرجسيون قليلو الحظ – ممن لا يبلون حسنًا في حياتهم المهنية – عليهم بذل مزيد من الجهد لنيل الإعجاب الذين يشعرون بأنهم يستحقونه.

والنرجسيون الذين لا يستطيعون تحويل أحلام العظمة الخاصة بهم إلى واقع، قد يحولون واقعهم إلى أحلام. فهمه يصبحون أساطير داخل عقولهم.

ودون الاستعانة بأي دعم موضوعي بالمرة، ترى الأساطير النرجسية نفسها بوصفها أكثر ذكاء وموهبة من الآخرين. إنهم خبراء في العثور على البرك الصغيرة التي ستجعل منهم أسماكًا كبيرة، وانتزاع الإمدادات النرجسية من أشخاص يعشقون حاجة الناس إليهم مثلما يعشق مصاصو الدماء إعجاب الآخرين بهم.

يسود المنزل هدوء يتخلله النقر على لوحة مفاتيح كمبيوتر مصاص الدماء "تايلور".

تنادي "كريستين" من حجرة النوم "يا تايلور، إنها الثانية صباحًا. هل مازلت تتصفح الإنترنت؟".

يقول "تايلور": "أنا على وشك الانتهاء، سوف آتي إلى الفراش عما قريب".

"هيا يا عزيزي، فلتنل بعض الراحة. لن يذهب الإنترنت إلى أي مكان حتى الصباح".

"أعرف، أعرف. سآتي حالاً، أنا فقط أتمم صفقة بيع كبرى مع رجل في النرويج".

يتمم صفقة! يخفق قلب "كريستين". فطوال الأشهر الستة المنصرمة، منذ استهل "تايلور" مشروع نت ماركت دوت كوم لم تكن هناك أية صفقات، رغم أنه يعمل بهذا المشروع ليل نهار. إن المشروع بمثابة فكرة عظيمة؛ فهو عبارة عن شبكة شرائية تشترك بها الشركات الصغيرة. حيث يمكن لـ"تايلور" إقامة روابط بين العملاء والممولين بأي مكان في العالم. والمكاسب التي يمكن أن يجنيها من هذا المشروع هائلة، وقد رأت "كريستين" التصورات.

ولكن مرة أخرى. كل أفكار "تايلور" عظيمة؛ فإبداعه هو أكثر الأشياء التي تحبها "كريستين" فيه، فمجرد التحدث إليه يجعلها ترى العالم بشكل مختلف.

ولكن الحوارات الشيقة لا تضع الخبز فوق الطاولة. وتتمنى "كريستين" من كل قلبها أن يتمكن مشروع نت ماركت من ذلك. ويقول "تايلور" إنها مسألة وقت فقط حتى تنصلح الأحوال.

تشعر "كريستين" بالقلق لأن هذا الوقت أوشك على الانتهاء. وبينما هي ترقد في الفراض وتنصت إلى النقر الناعم على لوحة المفاتيح. تتمنى أن تكون هذه هي الليلة الموعودة؛ فسيكون أمرًا رائعًا حقَّا لو تمكن "تايلور" من جعل مشروعه يدر ربحًا. فهذا المال سيفيدهما، وهي لا تنوي الضغط عليه بالمرة. فبما أنها نالت ترقيه في عملها، فقد تمكنا من تلبية جميع احتياجاتهما براتبها فقط بالكاد، فهي ترغب في أن ينجح هذا المشروع لأجل "تايلور". وبعض الحظ السعيد سيجديه نفعًا كنوع من التغيير.

وبعد مضي نصف ساعة. كان النقر مازال مستمرًّا. إن كانت تلك لحظة "تايلور" الكبرى. فربما ينبغي عليها الذهاب لدعمه. تجر نفسها من الفراش وتذهب إلى المكتب لتقف إلى جوار زوجها.

تايلور هو أسطورة نرجسية داخل عقله. وهو يعرف القليل بالفعل عن فن وعلم الشراء، فلتسأله؛ فهو لن يخجل بالمرة من إخبارك بأن معرفته تفوق معرفة معظم أساتذة كليات إدارة الأعمال، ناهيك عن رؤساء أقسام الشراء الخمسة أو الستة حيث عمل وتم تسريحه. وهو لن يتوانى عن إخبارك بأن أفكاره متطورة للغاية لدرجة أن كثيرًا من الناس لن يستوعبوا مدى عظمتها.

تحاول "كريستين" الفهم. إنها تحب "تايلور"، وتريد مساعدته على النجاح وهي تعرف أنه يعمل بكد، وإلى أي مدى يراوده القلق، وكيف يُصاب بالاكتئاب عندما لا تسير الأمور على ما يرام. وفي عقل "تايلور"، فإن مساعدته تعني تخليصه من أي شيء قد يشتت انتباهه عن العمل في مشروعه؛ وهذا هو السبب الذي يجعل "كريستين" تعمل وتحصل على راتب، وتقوم بالمهام المنزلية، وتعتني بالأطفال؛ لأنها تشعر بأن كل هذا يستحق العناء إن كان سيساعد "تايلور" على النهوض بمشروعه. وأكثر من هذا، تتمنى "كريستين" أن يرى "تايلور" أن تضحياتها لأجله تعني أن هناك أحدًا يؤمن به ويهتم لأمره؛ فربما سيساعده هذا على الإيمان بنفسه وفعل ما يحتاج لفعله ليُخرج نفسه من هذا المستنقع البشع. وفي وقت متأخر من الليل، تتساءل ما إذا كان ما تفعله يساعده حقًا.

إنه لا يساعده: ف"تايلور" لا يلاحظ رعاية "كريستين" له تمامًا كما لا يلاحظ الهواء الذي يتنفسه. وهو ربما يحتاج إلى هذه العناية ولكنه لا يفكر فيها قط. فشأنه شأن معظم النرجسيين، فهو يبدي انتباهًا فقط لما يشعر بأنه قد يفقده، و"كريستين" توجد هنا لأجله. مُحبة، ومتماسكة. ولهذا فهو يتجاهلها. وتتألم "كريستين" لأن "تايلور" نادرًا ما يُقر بجهودها. ولكن كثرة المتطلبات وممارسة لعبة الكبرياء ليسا من شيمها، فلو كانت محبطة، لأرادت أن يقف أحد إلى جوارها.

ترتكب "كريستين" أخطر خطأ يمكن لأحد ارتكابه عند التعامل مع مصاصي دماء العواطف؛ فهي تفترض أنها تعرف "تايلور" بناء على معرفتها لنفسها. فهي عندما تخفق في شيء ما – حتى لو شيئًا صغيرًا – فإنها تشعر بالفشل. وتتخيل "كريستين" أن "تايلور" سيشعر بالإحباط نفسه الذي كانت ستشعر به إن تم طردها من عدة وظائف ولم يكن بوسعها جني أي مال. لذا، واتباعًا للقاعدة الذهبية. تحاول أن تعطيه ما كان قد يفيدها.

فعندما يمنح الآخرون "كريستين" الحب والدعم والتشجيع، تراودها مشاعر طيبة إزاء نفسها تجعلها تنهض وتفعل ما تحتاج إلى فعله. وفي هذ الصدد، فإن "كريستين" مثل معظم الناس، ولكنها ليست مثل مصاص دماء نرجسي.

والنرجسية هي قطعًا ليست مشكلة ثقة متدنية بالنفس. فرغم الانتكاسات، لا يراود "تايلور" أية شكوك في قيمته. فعندما يكتئب "تايلور"، فإنه لا يلوم نفسه؛ فهو يشعر بالجرح والألم لأن الناس لا يدركون على الفور روعة أفكاره وينقلونه إلى مقدمة الصف، حيث يظن أنه ينتمي. إن آخر شيء يعتقده أسطورة نرجسية هو أن انتكاساته ناجمة عن سلوكه. وعندما يخوض فترات من الاكتئاب – والتي يتحدث خلالها عن مدى بشاعته كشخص – فما يبحث عن "تايلور" ليس نصائح عن كيفية قيامه بالأمور على نحو أفضل، بل عن شخص يطمئنه ويؤكد له ما يعرفه داخل قلبه. أنه لا بأس به كما هو. ولسوء الحظ، هذا هو ما تفعله "كريستين".

ما الذي ينبغي على "كريستين" أن تفعله عوضًا عن هذا؟ للإجابة عن هذا السؤال، لابد أن ننظر عن كثب إلى ما يحول دون بلوغ الأساطير النرجسية الموهوبة والذكية كامل إمكاناتهم.

 

كيف تحول الأساطير النرجسية دون نجاح نفسها؟

عادة ما تكون الأساطير النرجسية ذكية ومبدعة، ولكن النجاح في مهنة ما يتطلب ما هو أكثر من هذا. فبالتحديد، هناك مطلبان آخران: القدرة على ترويج نفسك وأفكارك للآخرين. والنرجسية الفجة تقف عائقًا أمام تعلم وممارسة هذه المهارات. فتؤمن الأساطير النرجسية بأن أفكارها عظيمة حتى إنها غير مضطرة لتولي أمر كل هذه المهام المزعجة بنفسها. والنجوم الخارقون للعادة النرجسيون، في الفصل التالي، مستعدون لأن يفعلوا أي شيء ليحظوا بالنجاح – أما الأساطير فيظنون أن هذه النجاح لابد أن يُسلم لهم.

وشأنه شأن الكثير من الأساطير النرجسية، استهل "تايلور" مشروعه الخاص لأنه ليس بوسعه بعد الآن تحمل هراء الشركات.

وكي تنجح في أية شركة، لابد أن يروك جزءًا منها، وهذا يعني في العادة القيام طوال فترة مبدئية بعمل لا مغزى له لأن شخصًا آخر أعلى منزلة في الشركة يريده. وليست هناك طريقة للالتفاف حول قيامك بواجبك: فسرعان ما تلاحظ الأساطير النرجسية أن العمل الذي يُطلب منهم القيام به عديم الفائدة، ويؤمنون بوجه عام –بسبب ذكائهم الفذ- أنهم أول من يكتشف هذه الحقيقة المذهلة. وفي الغالب، سيستخدمون هذه البصيرة الزائفة كمبرر لعدم قيامهم بما يعتبرونه غير مهم.

وهناك مشكلتان في هذا النهج: أولاً، تنزع الأساطير النرجسية للخلط، بين ما لا يحبونه وبين ما هو غير مهم. وسواء كان ذلك القيام بمكالمات هاتفية باردة، أو ممارسة لعبة السياسة، أو التحقق من الحقائق والأرقام، فكل وظيفة تتطلب القيام بأشياء تفضل ألا تقوم بها. والخطوة الأولى إزاء النجاح تتأنى من تعلم القيام بها بأية حالة من الأحوال، مهما كان شعورك.

والمشكلة الثانية في أسلوب تعامل النرجسيين مع المهام الحقيرة هي أن ما يُعتبر غير مهم بالنسبة للنرجسيين قد يكون مهمًا للغاية لكل شخص آخر. وكشخص تسلق السلم المهني طوال عشرين عامًا –مع قيامه بواجباته في كل درجة- لا أتصور أن موظفًا جديدًا لا يُسلم الأعمال الورقية في موعدها يمكنه أن يتوقع إعادة تنظيم العمل ليتناسب مع تصوراته.

وبالإضافة إلى تحمل القيام بالعمل الضروري ولكن غير المثير، يتطلب النجاح القدرة على البيع. ويعني البيع – أولاً وأخيرًا- إبداء انتباه كاف للآخرين لمعرفة ماذا سيشترون. والأساطير النرجسية لا تكترث تمامًا لما يرديه الآخرون؛ فهم يؤمنون بأنهم مصائد أعلى بارعة. وأن الآخرين لابد أن يأتوهم بأعداد كبيرة. وهذا يجعلهم بشعين في البيع، ففكرتهم عن ديباجة البيع هي توضيح فكرتهم والادعاء أن التفكير في أي شيء آخر هو محض غباء.

فيؤمن "تايلور "-وهو الاعتقاد الخطأ- بأن تأسيسه شركة خاصة به سيحرره من الاضطرار للقيام بكل الأشياء التي تُساعد في إنجاح المشروعات.

وعدم اكتراث الأساطير النرجسية للطريقة التي يؤثرون بها على الآخرين يعميهم عن الاحتمالات الحقيقية في حياتهم. فمثلهم مثل المعادين للمجتمع، يمكنهم ارتكاب الأخطاء نفسها مرارًا وتكرارًا وعدم التعلم منها رغم ذلك. ويستطيع النرجسيون تغيير سلوكهم عندما يكتشفون أنه يحول دون تحقيقهم ما يريدون. الغريب أنهم نادرًا ما يكتشفون ذلك لأن الآخرين لا يشرحون المشكلة لهم بشكل يستطيعون فهمه.

 

التنويم المغناطيسي للأسطورة النرجسية

تخلق الأساطير النرجسية وقائع بديلة تدفع الأقوياء بعيدًا وتجذب الضعفاء.

ويعرف النرجسيون أنهم الأفضل، والمتشككون في أنفسهم ينجذبون إلى ثقة النرجسيين بأنفسهم. وعندما يريد مصاصو الدماء هؤلاء أحدًا، يمكنهم أن يجعلوا هذا الشخص يشعر كأنه ثاني أكثر شخص مميز على سطح الكوكب.

في الردهة المظلمة. وبينما هي في طريقها إلى مكتب "تايلور"، تتذكر "كريستين" كيف كان الأمر في بداية معرفتها بـ"تايلور": يُرسل لها رسائل نصية وإلكترونية، بل وخطابات مكتوبة بخط اليد بالبريد. كتب لها شعرًا. كان بشعًا، ولكنها أحبته. أعطاها زهورًا، وهذه الحيوانات الفروية المحشوة التي مازالت تحتفظ بها على المزينة. كانا يحدقان بعيني أحدهما الآخر خلال تناولهما العشاء على أضواء الشموع (كانت تطهيه ويحضر "تايلور" الشموع) ويتحدثان طويلاً خلال الليل حول أفكاره الكبيرة وأحلامه الرائعة. لم يسبق لـ"كريستين" أن التقت بشخص حاد الذكاء مثله. وأحبها "تايلور" –كان يقول هذا طوال الوقت. والأكثر من هذا أنه احتاج إليها. لقد عرفت ذلك منذ اللحظة التي رأت فيها الشقة –التي تشبه الزريبة- التي يعيش فيها.

ومنذ هذا الوقت، دفن الحب تحت أنقاض فكرة عظيمة تلو أخرى. ولكن لا يزال "تايلور" بحاجة إليها.

إن النرجسيين الذين يريدون شيئًا مستعدون للعمل بكد وبإخلاص لينالوه. وفي المراحل الأولى من العلاقة. عندما تكون جديدة وغير موثوق باستمرارها. يُغازل مصاصو الدماء هؤلاء بحماسة، إن لم يكن ببراعة. وافتقارهم للباقة ليس مهمًا، فما يجذب ضحاياهم حقًا هو الحاجة النرجسية.

والممولون المحتملون للإمدادات النرجسية يرون الأساطير النرجسية أشخاصًا موهوبين وأذكياء يحتاجون إلى أحد للعناية بهم. وأصحاب هذه الأرواح الجاهلة المسكينة يتمنون أنه في مقابل عملهم الشاق وحبهم سيشعر مصاصو الدماء بامتنان كاف يجعلهم يبادلونهم الحب.

ولا تُدرك الأساطير النرجسية أن هناك أي شخص يمكنه أن يراهم غير مثاليين. وبمجرد أن تتوطد العلاقة، يتوقفون عن بذل أي جهد. وينتظر النرجسيون من الآخرين أن يسعدوا بأي انتباه ولو ضئيلا يبدونه لهم. حتى إنهم سيقدمون أي شيء مقابل متعة التعامل مع مثل هذا الشخص الأعلى مقامًا. والممولون لا يفعلون شيئًا لدحض هذه الفكرة.

في البداية، يرى مصاص الدماء والممول أحدهما الآخر باعتباره صفقة. وطوال فترة علاقتهما كصفقة عذبة، وبعد ذلك تزداد حامضية ببطء.

ومهما عمل الممولين بكد. لن تشعر الأساطير النرجسية بأي امتنان يذكر؛ فهم يتنظرون من مموليهم الشعور بالامتنان لهم. وبعد فترة، حتى أكثر الممولين اهتمامًا بأمرهم يملون من تجاهل احتياجاتهم – بعد ذلك يخلقون وثاقهم التنويمي المغناطيسي. وهم إما يواصلون العطاء، ومن ثم يواصلون كونهم أشخاصًا صالحين ولكنهم مستغلون، أو يتذمرون ويغادرون أو ينتهجون تصرفات يعتبرونها هم أنانية وجارحة. إنهم لا يستطيعون الفوز، لذا ففي أغلب الأحوال لا يفعلون شيئًا سوى التألم داخليًّا.

وإن سمح الممولون لأنفسهم بطلب أي شيء على الإطلاق، فعادة ما يكون شيئًا غامضًا وتاليًا للموقف، مثل التقدير. إنهم لا يفكرون مطلقًا في المطالبة بسلوكيات محددة ذات عواقب محددة لعدم الامتثال. ولسوء الحظ، فإن الإنذارات والاحتمالات –الأشياء المحددة التي من شأنها تعزيز العلاقة- غير معروفة من قبل الممولين تمامًا كما لا يعرف النرجسيون شيئًا عن التقدير.

ولا يلبث الموقف أن يزداد سوءًا، فيقل ما يفعله النرجسيون ويزداد ما يريدونه، لأن هذا هو بالتحديد ما علمهم الممولون عن غير قصد أن يتوقعوه. وتبتلي العلاقة بأزمة تلو أخرى في كل مرة يُدرك فيها الممولون أنهم فعلوا هذا مرة ثانية.

تنهض "كريستين" من الفراش كي تكون بصحبة "تايلور" في أول مرة يبرم صفقة. وبينما هي حافية القدمين، تدخل مكتب لتجد "تايلور" كالعادة منحنيًا فوق لوحة المفاتيح. لا يرى "كريستين" حتى تقف خلفه مباشرة. يبدو كأنه يدرس صورة من الهواء لقلعة مع احتشاد جيش من الهياكل العظيمة فوقها.

"ما هذا يا "تايلور"؟ هل هي واحدة من هذه الألعاب؟".

يستدير نحوها وهو يبتسم ابتسامة عريضة كطفل صغير ضبط وهو يضع يده في برطمان حلوى. وبينما يستدير، ينقر على زر ويظهر شعار شركة نت ماركت على الشاشة.

"فقط أخذ استراحة قصيرة بينما أنتظر رسالة "بيجورن" من النرويج. فكرت في تفقد القلعة القديمة. أخبرني "بيجورن" بأنه سيعود على الفور".

يظهر على الشاشة المؤشر الذي يدل على وصول رسالة. يقول "تايلور": "أترين، لابد أنه هو".

تظهر الرسالة على الشاشة بحروف كبيرة كما لو أن شخصًا يوجد على مسافة بعيدة للغاية يصرخ ليسمع صوته.

"ترولميستر، اصعد على العصا، إنه دورك".

يراود "كريستين" مليون شعور دفعة واحدة، ليس من بينها التعاطف. تقول "إنك لم تكن تعمل على الإطلاق". الغضب البارد بصوتها يخيفها هي. "لقد كنت تلعب هذه الألعاب الغبية ثانية".

"لا، أنت لا تفهمين، كنت فقط.....".

"أنت لست مضطرًا للكذب بشأن هذا الأمر يا "تايلور"، فمن الآن فصاعدًا يمكنك ممارسة كل الألعاب التي تحلو لك".

يسأل: "ما الذي تعنيه؟". كان يتحدث بدرجة تعلو الهمس قليلاً.

تظل "كريستين" تحدق به لفترة طويلة ولا يقول شيئًا. إنها لم تتفوه بمثل هذه الكلمات قبل الليلة. تترقرق عيناها بالدموع وتلهث كي تتمكن من التنفس. "أعتقد أنه يجدر بك إيجاد مكان آخر للإقامة به".

ترتعد شفتا "تايلور" بينما يتحدث. "يا عزيزتي، من فضلك لا تقولي هذا. آسف سوف أفعل أي شيء يُرضيك".

إن كنت تصفق لـ"كريستين" لأنها أباحت أخيرًا عن مكنونات صدرها. فأنت على الأحرى لا تفهمها ولا تفهم "تايلور" جيدًا. إن "كريستين" تحب "تايلور" وتؤمن بقوة الحب وما يتطلبه من الالتزام. ومن خلال إدارة ظهرها لـ "تايلور" بعد كل هذه السنوات من التمني والمساعدة، فإنها ترفض الاعتراف –حتى هذه اللحظة- بما كان يُعتبر أكبر قوة في حياتها.

و"تايلور" غير مراع لشعورها، ولا يستطيع كسب قوته، ولكنه ليس رجلاً سيئًا. فهو لا يحتسي الشراب ولا يراوغ ولا يضربها، والأطفال يحبونه، فعندما يسمح له وقته، يلعب معهم. فهل تملك "كريستين" الحق في هجره لممارسته ألعاب الكمبيوتر في منتصف الليل؟ أليس هذا أكثر أنانية من أي شيء سبق لـ"تايلور" فعله؟

في أغلب الظن ستدع "كريستين" "تايلور" يبقى في المنزل مقابل قطعه بعض الوعود الغامضة بأن يتحسن حاله وهذا خطأً كبيرًا. والسماح لـ"تايلور" بأن يبقى ليس هو الخطأ؛ بل الخطأ هو غموض الوعود. فما تحتاج إليه "كريستين" هو جعل علاقتهما مشروطة بقيام "تايلور "بأمور محددة.

وكما قلت آنفًا في هذا الفصل، يمكن للنرجسيين أن يتعلموا كيف ينتهجون تصرفات مختلفة، ولكنهم عادة ما يتعلمون بشكل جيد. وهناك عنصران رئيسيان بالتدريس الفعال: التخطيط الجدي للدروس –والذي سنناقشه لاحقًا في هذا الفصل- ودافع كاف للتعلم. فالشيء الوحيد الموثوق به، والذي يُحفز النرجسيين على التغيير، هو الفقدان الفوري لشيء ذي قيمة لديهم.

والنرجسيون ليسوا مرهفي الحس، ولكنهم ليسوا أغبياء، فهم قد يستشيطون غضبًا ويثيرون جلبة. ولكنهم يستجيبون للإنذارات. فإن طلبت منهم إحسان التصرف، وكانوا واثقين بأنك جاد، فسوف تجذب انتباههم بطريقة يستحيل تحقيقها بأية طريقة أخرى. ومن الواضح أنهم لا يحسنون من تصرفاتهم دومًا، ولكن الإنذار الواضح المشروط بسلوكيات محددة هو الفرصة الأفضل والوحيدة التي ستنالها.

 

كيفية تهيئة النرجسيين اجتماعيًا

من خلال حافز قوي بما يكفي وتخطيط جيد للدروس، من الممكن تعليم الأساطير النرجسية انتهاج تصرفات أكثر مواكبة مع المجتمع. وقد لا تستطيع تغيير نرجسيتهم الأساسية، ولكن بوسعك حثهم على انتهاج تصرفات لا تتسم بأنها مدمرة للغاية للعلاقات والحياة العاطفية.

أولاً، لابد للشروط والاحتمالات أن تكن واضحة:

تسأل "كريستين" "تايلور" في نهاية ليلة طويلة ومليئة بالدموع: "تقول إنك ستفعل أي شيء لاستمرار هذا الزواج؟".

يقول "تايلور": "أي شيء".

تقول "كريستين": حسنًا: إليك شروطي: يمكنك مواصلة مشروع نت ماركت لثلاثة شهور أخرى. وإن لم تحقق الحد الأدنى من الربح بحلول هذا الوقت، فإنني أريدك أن تمتهن وظيفة حقيقية وتقوم بكل ما يتطلبه الأمر لتحتفظ بها طوال عام على الأقل".

"ثلاثة أشهر؟ ولكني أحتاج إلى فترة أطول لأجعل مشروعًا مثل هذا يقف على قدميه".

"إذن أعمل به في وقت فراغك، بعد أن تكمل ساعتين من العمل بالمنزل كل يوم".

"لكن-".

"لا تقل لكن. فلتقبل بالعرض أو ترفضه".

تعتقد على الأرجح أن "كريستين" لن تقول شيئًا كهذا ولو بعد مليون عام، ومعك حق. إنه ما ينبغي أن تقوله، لأنها الطريقة الوحيدة التي يمكنها أن تفلح مع أسطورة نرجسية مثل "تايلور". ولسوء الحظ، فإنها تتعارض مع العطف والتقدير الإيجابي غير المشروط اللذين تعتقد "كريستين" أنهما أساسيان في أية علاقة حميمة.

هل يمكنها أن تكون بهذا البرود والأنانية كي تنقذ زواجها؟ هذا الأمر عائد لها. فسنترك "كريستين" تصارع مع زوجها النرجسي وشياطينها الشخصية.

إن الطريقة الوحيدة لتعليم النرجسيين المهارات الإنسانية الأساسية هي أن تريهم بوضوح أنه من مصلحتهم أن ينتهجوا تصرفات مختلفة؛ فالشرط القوي ضروري. فبوسعهم بذل جهد كبير إن آمنوا بأن تلك هي الطريقة الوحيدة لتجيب الطلاق أو الطرد من العمل أو إنهاء صداقة أو الذهاب إلى السجن، ومعظم الشروط الأخرى لا تكون مكروهة بما يكفي، وبمجرد إرساء قاعدة الشرط، عليك توجيه الجهد صوب هدفين محددين:

1-     ينبغي على الأساطير النرجسية أن تتعلم إرغام نفسها على القيام بالأمور التي لا تريد القيام بها.

2-     يجب على الأساطير النرجسية أن تتعلم كيف تروج لنفسها ولأفكارها بإبداء انتباه كاف للآخرين لمعرفة ما الذي يودون شراءه. وأنا لا أتحدث فقط عن البيع في العمل؛ فكل علاقة تتضمن صفقات. ولن يقوم النرجسيون بالتفاوض أبدًا، ولكن كي يسهموا في نجاح العلاقات، عليهم التعلم.

ضع في ذهنك أنك عندما تُدلي باقتراحات للتغيير، فإنك تتصرف من منطلق مصلحتك الشخصية وليس بوصفك ممثلاً لسلطة أخلاقية أعلى أو بدافع العطف. فلا يؤمن النرجسيون بغيرتك وإيثارك؛ فمعظمهم سيؤكد أن ورع الأم تريزا كان ينطوي جزئيًّا على الأقل على بعض الأنانية.

 

تسع طرق لحماية نفسك من الأساطير النرجسية

داخل عقولها

إليك بعض المقترحات بشأن كيفية تعليم الأساطير النرجسية بعض أخلاقيات العمل.

 

1-      اعرفهم واعرف تاريخهم واعرف هدفك

الأساطير النرجسية هم أناس يلاقون صعوبة في بلوغ إمكاناتهم كاملة، وبإمكانك إيجادهم في كل مكان؛ في غرفة الاستراحة بالعمل، وفي غرف الدردشة على شبكة الإنترنت. وهم يتحدثون دومًا عن ذكائهم وموهبتهم اللذين يفوقان ذكاء وموهبة الأشخاص الذين لا يتعدون كونهم مجرد أناس أثرياء ومشهورين.

وعادة ما يكونون أذكياء حقًا، ولكن إن كنت تفكر في استئجارهم في حياتك، فعليك أن تعرف ما هو أكثر من مجرد حاصل ذكائهم. تفحص بحرص سجل حياتهم، وتوقع أن يكون سلوكهم المستقبلي مشابهًا لما فعلوه في الماضي، وستهب الأساطير النرجسية لتشرح لك بسرعة كيف أن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة. إنهم بطيئون في استيعاب حقيقة مهمة، وهي أن مشكلاتهم العاطفية ستجعل كل شيء يبقى كما هو؛ فكل ما يبدو أنهم يتعلمونه من الأخطاء هو أن آخرين يرتكبونها.

وهدفك مع الأساطير النرجسية –كما هو هدفك مع جميع مصاصي الدماء- هو منع استنزافهم إياك. وهذا صعب، لأنهم يستطيعون استنزافك بطرق عديدة ومختلفة، فيمكن للأساطير تحطيم آمالك وانتزاع كل نقطة دعم وعاطفة تمتلكها، ورغم هذا ينتظرون المزيد؛ فيمكنهم أن يستثيروا بدخلك غضبًا مدمرًا بسبب لا مبالاتهم أو يمكنهم تحويلك إلى شخص آخر لدرجة تجعلك ترفض فكرة جيدة حقًّا لمجرد أنهم أصحابها. والقائمة لا نهاية لها، ولا يتحمل النرجسيون مسؤولية أي بند فيها؛ فالنرجسية تعني ألا تضطر إلى أن تقول إنك آسف مطلقًا.

وتطلب الأساطير النرجسية الكثير، وأهم أهدافك يجب أن يكون حرصك على نيل أي شيء مقابل ما تعطيهم إياه.

 

2-      فلتجر تحقيقًا خارجيًا

بإمكان الأساطير النرجسية أن تسرد على مسامعك قصصًا مذهلة حول الأشياء العظيمة التي فعلوها بالماضي، وغالبًا ما تكون هذه القصص مبالغات مفرطة، تحقق دومًا؛ فتلك هي الفائدة الواضحة من التحقق.

ثمة فائدة أخرى أقل وضوحًا، ومن ثم أكثر أهمية، هي الحصول على تحقق خارجي من قيمة أفكارهم. فعادة ما تقدم الأساطير النرجسية الكفرة الجيدة بطريقة بغيضة تجعل من السهل رفضها –ومصاصو الدماء المرتابون يفعلون مثل ذلك.

وغالبًا ما تبدو جميع الأفكار العظيمة مهددة أو وقحة عند سماعك إياها لأول مرة. ففي بعض الأحيان تحتاج إلى رأي خارجي لتمنع الأنا الخاصة بلك من الوقوف حائلاً أمام طفرة إبداعية حقيقية.

 

3-      افعل ما لا يفعلونه

بغض النظر عن المهمة، فلتنجز الجزء الأصعب منها أولاً. وعند التعامل مع الأساطير النرجسية، يتمثل الجزء الصعب في مطالبتك بما تريد منهم بوضوح ومسبقًا؛ وهذا أصعب على وجه التحديد ومهم، إن كنت تعتقد أنك معطاء، فمع النرجسيين، إذ لم تأخذ، فسوف تؤخذ.

إن كانت لديك المقدرة على ان تعطي، فليدك فرصة عظيمة لا تتاح للنرجسيين مطلقًا؛ فيمكنك أن تكون عضوًا في مجموعة –شخصًا عاديًّا يعلب وفقًا للقواعد نفسها، شأنه شأن أي شخص آخر، لذا فلتستمتع بكونك جزءًا من شيء أكبر من ذات؛ فقدر النرجسيين أن يعيشوا في عالم لا يوجد به شيء أكبر من أنفسهم.

 

4-      انتبه لتصرفاتهم، وليس لكلماتهم

إن اضطررت للتعامل مع النرجسيين، فالكلمة التي عليك تذكرها هي المسؤولية. فلتغرسها في أية علاقة تخوضها منذ البداية؛ فسيصعب كثيرًا غرس هذا المفهوم لاحقًا؛ فالأساطير النرجسية مشهورة بتولي أمر المشروعات التي لا يتمكنون مطلقًا من إنهائها لأنهم لا يستطيعون القيام بالأجزاء الصعبة. وقد يبدو أنهم يعملون بكد، ولكنهم بالكاد يعملون. على الأقل الأمور التي تعود بفائدة، إن كانت الأساطير تفعل شيئًا لأجلك أو معك، فحدد المهام وضع جداول زمنية معينة وحدد المبالغ المالية. تفحص ما يسلمك إياه بحرص لتتأكد من أنك حصلت على ما تريد؛ فالأساطير النرجسية تخلط أحيانًا بين تقطيع الحواف وبين الفن.

 

5-      انتق معركتك

إن كنت تعتقد أنه بوسعك تعليم النرجسي الاكتراث لمشاعر الآخرين، فمن الأفضل لك أن تجلس في حجرة مظلمة وهادئة حتى يزول هذا الوهم. فلا تستوعب الأساطير النرجسية كلمة تعاطف، ولن يستوعبوها عندما ينصتون لما ستقوله لهم.

من خلال تحديد شروط مختارة بعناية ومحبوكة فقد نتمكن من حثهم على تغيير سلوكياتهم النرجسية المزعجة، ولكن ليست النرجسية الكامنة تحتها.

 

6-      دع الشروط تؤد المهمة

عندما تسمع الأساطير النرجسية تتباهى. اسأل نفسك لماذا. فإن كانوا أذكياء للغاية، فإنهم ليسوا أثرياء. وهذا ليس سؤالاً بلاغيًّا؛ فالإجابات التي ستتوصل إليها ستساعدك لا محالة على التعامل بفاعلية مع مصاصي الدماء هؤلاء.

والسبب الذي يجعل الأساطير النرجسية لا تحظى بالنجاح هو أنهم لا يستطيعون إرغام أنفسهم على القيام بالأشياء التي لا يريدون القيام بها. وعليك أن تعرف ما هي هذه الأشياء. احرص أن تكون تعاملاتك مع الأساطير منظمة، بحيث ينالون أكبر مكافآت من القيام الفعلي بالأمور الصعبة وليس مجرد التحدث عنها.

 

7-      انتق كلماتك بعناية كما تنتقي معاركك بعناية

لا ينبغي أن تبدو الكلمات التي توجهها للأساطير النرجسية، ولو بشكل ضئيل، كانتقادات؛ فمهما كانت انتقاداتك بناءة، فبالنسبة للنرجسيين، سيبدو أقل انتقاد كإبرة من نار تغرز في جلودهم –فسوف يصرخون ويزمجرون ويقدمون مبررات حتى الفجر، ولكن إذا لم يقدم الانتقاد بشكل ماهر، فلن يتعلموا شيئًا.

وللتعامل مع الأساطير النرجسية في المنزل أو في العمل. سيتحتم عليك تعلم الانتقاد بفاعلية، لأنهم يرتكبون الكثير من الأخطاء التي لن يدركوها أبدًا لوحدهم.

والانتقاد هو أداة يسهل استخدامها بشكل سيئ مع مصاصي الدماء (أو مع أي شخص آخر). وما لم تكن حذرًا للغاية. فإنه يمكنك أن تحدث ضررًا بالغًا. إليك بعض الأفكار حول كيفية مضاعفة الآثار الإيجابية وتقليص الدمار.

 

اثن أكثر مما تنتقد. إن أردت استخدام الانتقاد بشكل جيد، وخاصة مع الأساطير النرجسية، فإن الخطوة الأولى هي استخدام الثناء أكثر من استخدام اللوم؛ فالنرجسيون بحاجة إلى أطنان من الثناء، وكي تحرز أي نجاح معهم، عليك تقديمه لهم. احرص فقط على تقديمه مقابل ما يستحق –اضبطهم وهم يحسنون التصرف وكافئهم.

لا تكن عفويًّا. إن الانتقاد العفوي عادة ما يأخذ شكل انفجار عاطفي –طريقة للتعبير عن الألم أو الغضب بدلاً من تدخل مخطط له لمساعدة الطرف الآخر على التحسن. وهناك طرق للتعبير عن العاطفة بالطبع، ولكن ليس كوسيلة لحث الآخرين على تغيير سلوكهم.

اعرف هدفك. ما الذي تريد الأسطورة فعله نتيجة لما تقوله؟ ليس عليك أن تسرد ما فعلته الأساطير بشكل خطأ لتطلب منهم القيام به بشكل صحيح في المرة القادمة؛ فطلب بسيط يكون أفضل انتقاد في بعض الأحيان.

اطلب إذنًا. قبل أن تنتقد، اسأل: "هل أنت مستعد لسماع بعض التغذية الاسترجاعية؟" وإن قال مصاص الدماء نعم، فإن لديك على الأقل موافقة مبدئية على الإنصات.

انتقد السلوك وليس الشخص. نعرف جميعًا هذه القاعدة، ولكننا نكسرها كل يوم. ركز على الكلمات التي تختارها. وإن بدأت أية عبارة بكلمة "أنت" ولم تكن الكلمة التالية "مذهل"، فإن أي شيء ستقوله سيؤخذ كهجوم شخصي، بغض النظر عن نيتك. لذا فلتتحل بمزيد من الفاعلية بسؤالك لما تريد أو تعبيرك عما ستشعر. فبدلاً من أن تقول: "أنت غير مبال"، فهناك طريقة أفضل وهي أن تقول: "عندما أجبت قبل أن أنتهي من الحديث، شعرت بالإحباط، هل هذا ما قصدت فعله؟". أو اطلب من مصاص الدماء ببساطة أن ينتظر حتى تنتهي من كلام قبل أن يجيب. وتذكر، كلمة مقاطعة تحمل اتهامًا بداخلها. فمن أجل تحقيق أفضل نتائج، استخدم لغة محايدة.

أعط مصاص الدماء مخرجًا. قدم سببًا مقبولاً اجتماعيًّا لارتكاب الخطأ قبل أن تقول ما هو الخطأ. ابدأ نقدك بـ: "أعلم أنك مشغول" أو أية عبارة أخرى تشير إلى أن مصاص الدماء كان يحاول القيام بعمل جيد.

تدرب. تدرب على انتقاد النرجسيين بطريقة تدربك على إلقاء خطبة مهمة نفسها، انصت لنفسك وتخيل بماذا ستشعر إن قال أحدهم هذا، ثم ضاعف هذا الشعور عشر مرات.

اعط مصاص الدماء وقتًا للتفكير. إن أجاب أسطورة نرجسية على الفور، فسيكون ذلك على الأحرى محاولة لتوضيح لماذا هو محق ولماذا أنت مخطئ. تأكيدك "لا أنتظر منك الإجابة على الفور –سنتحدث عن هذا الأمر غدًا" هو طريقة لدحض الأسلوب الدفاعي. النقد هو أداة مهمة لتغير سلوك مصاص الدماء. ومثله مثل أية أداة أخرى، فكي يؤتي الانتقاد ثماره، لابد أن يُستخدم بحرص ومهارة وتدبر.

 

8-      تجاهل نوبات الغضب

معظم مصاصي الدماء الذين التقيناهم حتى الآن، يستخدمون نوبات الغضب للحصول على مرادهم، والنرجسيون ينخرطون في نوبات الغضب كما لو أنها فنون قتالية. فهم يملكون أحزمة سوداء في كل من المحاضرات اللانهائية والكتف الباردة ورغم مهاراتهم الواضحة، فإن الأساطير النرجسية تنخرط في نوبات غضب ويسهل إخمادها نسبيًّا. الغضب هو أحد أشكال المسرح، والأساطير النرجسية هم ممثلون بشعون؛ حيث إنهم لا يبدون انتباهًا كافيًا لجمهورهم كي يجذبوهم إلى العرض. وتذكر أنهم لا يبيعون الكثير من أي شيء، ولكنهم مبدعون. لقد طور النرجسيون حدهم شكلاً من أشكال الانفجار العاطفي التلاعبي، يمكنك أن تسميه نوبة غضب الذنب. فعندما تسوء الأمور حقّا ويشعر مصاصو الدماء هؤلاء بأنهم يواجهون مشكلة كبيرة، فإنهم يعلقون في وابل من لوم الذات. وبالنسبة لغير الحذرين، فقد يبدو لهم أن أطفال الليل هؤلاء المتمحورين حول أنفسهم بدأوا أخيرًا يدركون ما يحاول الجميع إخبارهم به منذ سنوات. هذا مستحيل؛ فمشاعرهم تلك مؤقتة، وإن خدشت معرفتهم الذكية المكتشفة حديثًا ولو بشكل طفيف، فسوف تجد الرثاء على الذات أسفل السطح. والكثير من رحلات الذنب شديدة الوضوح.

يقول "تايلور" بصوت مهترئ وعينين ممتلئتين بالدموع "لا ألومك لرغبتك في الرحيل فمن الذي سيرغب في الحياة مع فاشل؟".

تقول "كريستين" وهي تبكي أيضًا: "أنت لست فاشلاً. أنت فقط....".

يمسك "تايلور" بيدها: "لا تُنكري هذا. كلانا يعرف أنني إنسان مثير للشقفة".

تشبث بأسلحتك. إنها مؤلمة، ولكن في النهاية هي الأكثر تلطفًا بالجميع.

 

9-      اعرف حدودك

يحتاج النرجسيون إلى كميات هائلة من الثناء والانتباه والإمدادات. ومثلهم مثل الحمام في المتنزه، عندما ينفد الفشار منك فإنهم يحلقون بعيدًا. وفي بعض الأحيان يكون من الأفضل تركهم يفعلون ذلك.

فحتى عند امتلاك أطيب النوايا وأفضل التقنيات، لا يكون هناك ما يسعك قوله أو فعله لمضاهاة إغواء خيالات العظمة الداخلية لدى الأساطير النرجسية. وإن صارت الأجواء عصبية للغاية، فإنه يمكنهم خلق واقع بديل لأنفسهم والانغماس داخله إلى الأبد.

في أثناء النهار، "تايلور" هو شخص لا يستطيع فعل شيء بشكل جيد ولا يستطيع الاحتفاظ بوظيفة ويعيش وحده في شقة وضيعة. وفي أثناء الليل، يتصفح الإنترنت كمحارب شجاع يهزم كل الوافدين الجدد في ألعاب الخيال. إنه أسطورة بين اللاعبين الصغار المنتقين –لا أحد يعرف اسمه الحقيقي أو جنسيته، بل يعرفون فقط أنه الأفضل.

 

*******

 

(3)النرجسيون في حياتك

 

يحب الناس النرجسيين أو يبغضونهم. وكثير من الناس الذين أحبوهم قبل ذلك يكرهونهم في النهاية، ويكرهون أنفسهم لأنهم أحبوهم. وكما قلت في الفصل السادس عشر، فإن النرجسيين هم –سواء كان ذلك صوابًا أم خطأ- أكثر أشخاص محتقرين من بين كل أنواع مصاصي الدماء. وربما لا يكونون الأكثر خطورة، ولكنهم يبدون الأكثر استفزازًا لمعظم الأشخاص.

وأحد الأسباب التي تجعل للنرجسيين مثل هذا التأثير القوي علينا له صلة بالبرمجة في أكثر جوانب مخنا بدائية؛ فنحن نستجيب لهرمية الهيمنة بطرق قابلة للتوقع.

وقواعد الهيمنة تلك بسيطة؛ فالمهيمن يعمد لأن يكون عدوانيًّا مع الخانع، ولكن لا يستطيع الخانع أن يكون عدوانيًّا في المقابل إلا إذا كان يتنافس على دور المهيمن. وهذه القواعد قد تكون بسيطة، ولكن أثرها ليس بسيطًا بالمرة.

وبعض التسلسلات الهرمية واضحة ورسمية، ولكن معظمها ليس كذلك. ففي أي وقت يجتمع شخصان أو أكثر معًا، ينبثق سؤال عن أيهما أعلى منزلة من الآخر.

ويتقلد النرجسيون دومًا دور المهمين، سواء كان لهم الحق في ذلك أم لا. والغضب الذي نستشعره عندما يعاملنا أحد بدونية ينجم من أعماق أقدم جزء في مخنا.

وهذا الغضب يقوّض قدرتنا على الحكم على الأمور. وبدلاً من أن نعرف ماذا نريد أن يحدث في موقف معين، نرغب فقط في الاقتصاص منهم، أو نريهم كيف يكون الأمر عندما يعاملهم أحد بالطريقة التي يعاملوننا بها. والنرجسيون يسعدون بهذا الارتباط الذي يولده هذا النوع من التنافس.

وكي نتعامل بفاعلية مع النرجسيين في حياتنا، ينبغي أن نمتلك القدرة على التغلب على غضبنا البدائي، والتفكير فيما نريد، وتحديد أفضل طريقة لنيله. وهذه العملية مشابهة للتغلب على استجابة الفر أو الكر عند التعامل مع المتنمرين. علينا فهم النرجسيين، واستخدام هذا الفهم كي نتعامل معهم بحرص كما يعاملوننا بحرص.

وإليك أهم شيء عليك فهمه: رغم أن النرجسيين يعاملونك بقسوة؛ فإنهم يحتاجون إليك –ربما أكثر مما تحتاج إليهم. وهم لا يحتاجون إليك بالطريقة التي تريد أن يحتاج إليك بها أحد- بوصفك إنسانًا ثلاثي الأبعاد؛ ولكن كمصدر للإمدادات النرجسية، وكي تحمي نفسك، عليك قبول هذا، لأنك لن تستطيع تغييره.

وكي تتعامل بفاعلية مع النرجسيين، عليك التعامل معهم بطريقتهم، فينبغي أن تكون صلب الفؤاد بما يكفي لتقايض الشيء الذي يريدونه منك، مهما كان، بمعاملة لائقة، وتكون قويًّا بما يكفي لتجعلهم يدفعون مقدمًا. وإن لم تستطع القيام بذلك، أو استشطت غضبًا لأنك محق، فمن الأفضل أن تبتعد الآن لأنهم سيلتهمونك حيًّا.

 

نقاد من الجحيم

جميع من بالأسرة يعتقدون أنه يجب أن يظهر العم "إد" والعم "والت" في برنامج سياسي خاص بهما صبيحة الأحد؛ فبهذه الطريقة يمكن تفاديهما.

"إد" و "والت" هما في الواقع ناقدان في الإذاعة، على الأقل داخل رأسيهما؛ فهما يتصلان دومًا بفرسان البرامج الحوارية المحلية، فيتصل "إد" بالمحافظ ويتصل "والت" بالتقدمي.

ولدى كل من "إد" و "والت" آراء صادمة قائمة في الأساس على تحيزاتهما، ويدعهما ما يسمعانه بالإذاعة والتلفاز ويقرآنه بمدوناتهما المفضلة. وهما يؤمنان بأن أي شخص لا يوافقهما الرأي هو مجرد أحمق.

يقول العم "إد" لـ"بريان" ابن أخيه: "حسنا، يا طالب الجامعة. ما رأيك في خطبة الرئيس؟".

يقول "بريان"، الذي تخصص في الاقتصاد؛ "حسنًا، أعتقد أن أفكاره بشأن تخفيض الضرائب ليست منطقية، ارتكازًا إلى أي من النماذج الاقتصادية الأكثر قبولاً".

"هذه هي مشكلتكم أيها المتحررون؛ أنتم دومًا تستخدمون النماذج. أتحدث عن العالم الحقيقي".

"ما هذا العالم الحقيقي؟". يقاطعه العم "والت": "هذا الذي تتسم به الفجوة بين الأثرياء والفقراء بأنهما أكثر اتساعًا من تلك التي توجد في أوغندا؟ بالطبع يا "إد"، أعلم أنك لا تؤمن بالإحصائيات؛ فأنت لا تظن أنه لا وجود لهذه الأمور، شأنها في ذلك شأن أرنب العيد والاحتباس الحراري".

وهكذا يسير الحوار، حتى الغثيان. فالأساطير داخل رؤوسهم كهؤلاء هم خبراء فيما يُطلق عليه العلماء المنطق الجدالات الموجهة لمشاعر المرء، فيهاجمون الشخص بدلاً من الفكرة. وفي المناظرات الرسمية، فإن هذا مساو للاعتراف بالهزيمة. أما بالنسبة لـ"إد" و "والت" فإنه يعني أنهما فقط بدءا الإحماء.

والجدالات الموجهة للمشاعر هي سلاح النرجسيين السري، وهم يستخدمونه طوال الوقت. أنصت فقط، لأي متفاخر أو متبجح بالإذاعة. فإن تورطت مع نرجسي، فسوف تعلق في شرك الدفاع عن نفسك وليس عن وجهة نظرك. وفي معركة كسب الهيمنة، عادة ما يفوز النرجسيون، لأنهم لا يلعبون بإنصاف.

وإليك بعض الأفكار عن كيفية التعامل مع نقاد مثل "إد" و" "والت"، وأخشى أنه لا يوجد ما يسعنا فعله مع هؤلاء بالإذاعة والتلفاز.

 

لا تشتبك معهم

لست واثقًا إذا ما كانت قصة رضيع القار الذي نصب شركًا للأرنب برير بعدم تفوهه بكلمة مازالت صحيحة سياسيًا أم لا ولكنها وثيقة الصلة بموضوعنا، فأسهل طريقة تتجنب باستخدامها صراع من أحد يتنافس كي يكون أذكى شخص في الحجرة، هي أن تلعب دور الأحمق. وكي تفعل ذلك، عليك أن تقوض حنقك، لأن تُعامل كأنك لا تعرف شيئًا وتقول "ماذا؟" فقط.

وكما هي الحال مع أية استراتيجية تقويض، بمجرد أن تبدأها، عليك التشبث بها؛ فسوف يشعر النرجسيون بسعادة وهم يحاضرونك عن وجهة نظرهم ما دمت تنصت. لا تنصت، فقط: "لا أعرف شيئًا عن السياسة"، ولتحتفظ برأيك لنفسك.

 

استدع قاعدة الروتاري

أنا عضو في نادري الروتاري منذ وقت طويل، وقد تأسس منذ أكثر من مائة عام من قبل مجموعة من رجال الأعمال البارزين، الذين ظنوا أن الزمالة والمناقشات السلمية من شأنها أن تفيد مجتمعهم. وقد أدركوا أن إنشاء مجموعة مكونة من أصحاب السلطات العالية ربما يولد جميع أنواع الصراعات لأجل الهيمنة، لذا من البداية، حظروا مناقشة السياسة والدين. ومنذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا، حالت هذه القاعدة دون الانخراط في ملايين من المجادلات وساعدت الروتاريين على التركيز على هدفهم المعلن – والمتمثل في تقديم يد العون لمجتمعاتهم.

واتباع قاعدة الروتاري سيجعل جميع تجمعاتكم الأسرية متحضرة، وخاصة عند وجود نرجسيين في المنزل. واستدعاؤها سيتطلب بعض التعاون، ولكنك ستستطيع على الأحرى تجنيد بعض المتآمرين بسهولة؛ فهناك الكثير من القوة والهيمنة.

 

قلب الطاولات

وهذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطرة. ولا أقترح عليك تجربتها في المنزل. ومع ذلك، إن أردت إحراز نقطة ضد صرامة شخص نرجسي، فاستغل الحقيقة القائلة إن الجدال الموجه للمشاعر لا يمكن الدفاع عنه منطقيًا.

وأفضل وسيلة دفاع ضد جدال موجه للمشاعر هي تجاهله والتركيز على الموضوع الذي يوجد بين يديك. ولست بحاجة لأن أقول إن ذلك يصعب فعله عندما يدعوك أحدهم أنت ومصادرك بالحمقى.

ولاستخدام هذا التكتيك، ابدأ بالموافقة على أي شيء تتهم به – الحماقة أو العرقية أو المثالية المفرطة. فإن التقطت الطعم وحاولت أن تدافع عن نفسك، فستكون خرست.

بدلاً من ذلك، كن صاحب اليد العليا. ففي أي نقاش، تعد الأسئلة أقوى كثيرًا من التصريحات لذلك حاول أن تسأل النرجسي الصارم عن مصدر معلومته.

يغضب العم "إد" قائلاً: "الاحتباس الحراري؟ بحق الله! إن هذا اهو مجرد حفنة من السماد يحاول الديمقراطيون دسها في حلوقنا. لا يوجد شيء يُسمى الاحتباس الحراري.

فلا يوجد سوى الدورات المناخية الطبيعية".

يسأل "بريان" طالب الجامعة: "إذن، ما مصدرك؟ كيف لك أن تعرف أنه لا وجود للاحتباس الحراري؟".

"ماذا تعني بـ"ما مصدري؟". إن هذا يبدو مثل الأشياء التي يثرثر بشأنها أساتذة الجامعات دومًا. هل تعني أنك تصدق هؤلاء الرفاق؟ ظننت أنك أذكى من هذا".

"حسنًا، أعترف بأن هناك الكثير من الأساتذة الليبراليين في الجامعة. وقد أكون أحمق لأنني أحضر صفوفهم. لذا فلتثقفني أنت. كف لك أن تعرف أنه لا وجود لما يسمى بالاحتباس الحراري؟".

"إنه يُشبه عصر الجليد".

"وكيف يشبه عصر الجليد؟".

يهز "إد" رأسه. "يا لشباب هذا اليوم!".

هل هذا يجدي نفعًا حقًّا؟ هل يمكنك حقًّا الفوز بجدال مع صارم؟

على الأرجح لا، ولكن يمكنك أن تحلم بهذا.

وفي الوقت نفسه، حاول استدعاء قاعدة الروتاري.

 

الأم النمرة

تطلق "جويندلين" على نفسها لقب الأم النمرة، ولكن يبدو أنها خلطت بين النمور وجياد السباق. إن لديها ابنتين جميلتين. إحداهما في الثامنة والأخرى في الثانية عشرة، وهما موهبتان وذكيتان ومحفزتان إلى أقصى حد. إنهما أكثر فتاتين متفوقتين في المدرسة الإعدادية، وهما متفوقتان في الموسيقى والرسم والرياضة وأي شيء آخر يمكن التفوق فيه.

ووالدهما "إيفان" فخور بهما للغاية، ولكنه يخشى أن تفوتهما طفولتهما.

وهو يعرف لماذا تفعل "جويندلين" هذا. إنها نابغة إلى درجة مخيفة، ولكنها اضطرت إلى الذهاب إلى جامعة محلية. وهي وكيلة عقارات ناجحة ولكن كان يمكنها أن تكون...

حسنا، من يدري؟

ما يظنه "إيفان" أنها تعيد عيش شبابها عبرهن.

يحاول إثارة الموضوع عرضيًّا. يقول لها ذات ليلة: "جوين، ألا تعتقدين أنك تضغطين على الفتاتين كثيرًا؟".

تبدو تحديقة "جويندلين" أبرد من الأنتارتيكا. "إن هاتين الفتاتين، اللتين تظنان أنني أقسو عليهما، تكونان في أسعد حال عندما تفعلان أقصى ما في وسعهما لتحققا شيئًا. ولكنك لن تستوعب ذلك، أليس كذلك؟".

لا يستطيع "إيفان" أن ينطلق بكلمة.

عندما يُنتقدون، سرعان ما يصعد النرجسيون الأمر ويستخدمون أسلحة نووية تكتيكية. إنهم يطلقون القذائف غير مكترثين بالألم الذي يتسببون فيه. وأنت التقطت على الأرجح الجدال الموجه للمشاعر، وتعرف أنه مجرد تحويل للانتباه – ونتمنى أن يكون "إيفان" أدرك ذلك.

إليك بعض الإرشادات التي من شأنها مساعدة "إيفان" في هذا الموقف، والتي يمكنها أن تساعدك كذلك إن كان عليك مناقشة موضوع جدالي مع مصاص دماء نرجسي.

 

لا تنتقد

ليست للأمر صلة بأن النرجسيين مثل "جويندلين" لا يستحقون النقد؛ إنهم فقط لن يستمعوا إليه. لذا عليك تجربة شيء مختلف.

 

اعرف هدفك

اسأل نفسك ما الذي تريده أن يحدث. فكر في نطاق المدى الطويل.

يرغب "إيفان" أن تترفق "جويندلين" بالفتاتين، وهي نقطة جيدة، وهي نقطة جيدة للبدء منها. وإن اكتفى بهذا الحد فسيضطر إلى أن يخوض هذا النقاش مرة أخرى عندما تُغضب "جويندلين".

وكي تترفق "جويندلين" بأي شيء، عليها أن تتمكن من التفكير في مشاعر الطرف الآخر كما تُراعي مشاعرها؛ وهذا شيء يصعب تعليمه للنرجسيين، ولكنه ممكن، وخاصة إن كنت تتعامل مع أحد تحبه بشدة.

فلابد أن يستغل "إيفان" كل فرصة ليسأل الفتاتين عن شعورهما، ليس فقط عن إنجازاتهما، بل عن كل شيء؛ فجعل المشاعر جزءًا من حديث الأسرة سيذكر "جويندلين" بأن لدى الآخرين أيضًا مشاعر، وقد يستحثها على مراعاتها كي تكون الأم المثالية في هذا العام، وهو اللقب الذي يبدو أنها تتنافس للحصول عليه.

 

أعد الاستيلاء على الأرض العليا

أحبطت "جويندلين" "إيفان" بشكل غير منصف. ومعظم الناس يعتبرونه شخصًا ناجحًا للغاية، ولكن فيما يتعلق بالتنافس، ف،"جويندلين" هي المحترفة وهو مجرد هاو. ولتحقيق هدف –المتمثل في حثها على مراعاة مشاعر الطفلتين- يحتاج إلى أن يُغير الرياضة إلى أخرى تتمحور حول أيهما الوالد الأكثر اهتمامًا، والذي يُعتبر منافسًا قويًّا فيها.

 

تحيات الموسم من النرجسي في حياتك

النرجسيون صعاب المراس في أي وقت من العام، ولكن خلال الإجازات والعطلات يكونون أكثر إزعاجًا.

تتطلع "سارة" إلى وقت العطلات، ولكنها تبغضها كذلك. والمشكلة هي أنه في كل عام يُخيم افتقار "كونور" للحماسة على الموسم مثل دثار كئيب، وهو لا يقوم بالتثاؤب والنظر في ساعته، ولكنه قد يفعل ذلك.

وشراء هدية له يُشبه الكابوس. ففي العام الماضي اشترى الأطفال قميصًا ورباط عنق ظنوا أنهما جميلان حقًّا. وعندما بدأ "كونور" في تقطيع غلاف الهدية منزلي الصنع، كان الأطفال يشعرون بإثارة بالغة حتى إنهم كانوا يقفزون لأعلى وأسفل – حتى رُفع الغطاء.

قال: "شكرًا أيها الأطفال، إنهما رائعان!". ولكن الطريقة التي دُفع بها الصندوق جانبًا جعلته يبدو كأنه حصل على كتلة من الجمر، حتى إن الطفل البالغ من العمر أربعة أعوام أدرك أنه محبط.

عادة ما يرى النرجسيون أنفسهم أشخاصًا يسهل التوافق معهم لأنهم لا يصرخون مطلقًا. وهم ليسوا بحاجة لذلك؛ فبوسعهم التعبير عن السخط بفصاحة دون أن ينبسوا بكلمة. فالكتف الباردة أن نظرة الازدراء أو مجرد عدم تواجدهم هي أمور من شأنها أن تقول أكثر مما تستطيع الكلمات أن تُعبر عنه. تشعر "سارة" بألم في قلبها. لا يوجد شيء تستطيع أن تقوله كذلك، فتركت الأمر كما هو، ومن ثم فقد كافأت "كونور" على كونه وغدًا، وزادت من احتمالات استمراره في التصرف كأنه طفل متجهم عندما لا يحصل على ما يريده بالضبط. وهو يفعل أمورًا كهذه طوال الوقت، ولكنها تبدو أكثر إيلامًا في أثناء الإجازات، عندما ينضح كل شخص آخر حبًّا ومرحًا.

إن كان هناك نرجسي في حياتك، فإليك بعض المقترحات التي قد تجعل عطلاتك أكثر سعادة (ناهيك عن الأوقات الأخرى من العام أيضًا).

 

فلتحول غير اللفظي إلى لفظي

لا تترك النرجسي –أو أي نوع آخر من مصاصي الدماء- يفلت بأي استهجان غير ملفوظ؛ فالتواصل غير اللفظي أقوى من الكلمات لأنه غامص. فإن قال النرجسي إنك فعلت شيئًا خطأ فإنه يمكنك على الأقل مخالفته الرأي، وإن لمح بذلك فقط، فتتساءل إذا كان ما تراه يعني حقًّا ما تعتقد أنه يعنيه، أو ما إذا كان الأمر برمته خطأك، أو أي شيء آخر قد تتخيله.

من خلال محاولة تجنب النزاع مع النرجس، فأنت تخلق نزاعًا داخل نفسك، وينجو هو سالمًا. وإن كان لديك أطفال، فسوف تراودهم على الأرجح المشاعر نفسها، ويتساءلون لماذا لا يبوح الراشدون مطلقًا بمكنونات صدورهم.

ماذا تفعل بدلاً من ذلك؟ سوف تُجدي هذه التقنية نفعًا، ولكنها تتطلب بعض اللياقة والشجاعة – إليك بعض الخطوات التي يجب عليك اتباعها:

لاحظ. لدى كل شخص طرق مميزة في التعبير عن عدم الاستحسان غير اللفظي – زمجرة، تقطيبة، تدوير العينين، تغيير الموضوع، أو التهكم بالثناء. راقب عن كثب، وحدد هذه السلوكيات المميزة جيدًا حتى تستطيع وصفها بصوت عالٍ.

ترجم بدلاً من أن تُشير بإصبعك. وهذا جزء صعب لأنه دقيق، ولكنه سيُحدث كل الفارق. إن الاتهام الضعيف بالانخراط في حالة داخلية مثل "أنت ستشعر بالملل" يستثير الدفاعية. أما ترجمة من قبيل: "أنت لا تتوقف عن النظر في الساعة؛ أفترض أنك تشعر بالملل" فتعد عبارة أصعب في الإنكار. وقد يحاول شبه الهستيري ذلك، ولكن الأنواع الأخرى من مصاصي الدماء سيسلمون بأنهم بالفعل يتفقدون الساعة.

تأخذ "سارة" نفسًا عميقًا. "من خلال الطريقة التي وضعت بها الصندوق جانبًا، أرى أن القميص ورباط العنق لم يروقا لك".

يحاول "كونور" التبسم. "لا، آه، كل ما في الأمر... حسنًا، هذا اللون لا يتماشى مع أي من بزاتي".

هذا هو ما يحدث عندما تُحرز نقطة ضد نرجسي. والهدف ليس إثارة شعوره بالذنب، وإنما الاستيضاح عندما تجعل غير الملفوظ ملفوظًا، يفقد النرجسيون ملاذ الصمت. لابد أن يعترفوا بسلوكهم الطفولي، وهذا يُقلل من احتمالات محاولة تجربة الأفعال ثانية نفسها، ويصدق على ملاحظات أي طفل يتواجد في هذه اللحظة.

 

لديك شيء يريده النرجسي – ساوم عليه

يحتاج النرجسيون إلى إمدادات نرجسية. يريد "كونور" أن يراه الآخرون بشكل إيجابي. لذا حدد الثمن مقدمًا، وهذا شيء لابد منه عند التعامل بفاعلية مع النرجسيين.

"كونور، العطلة اقتربت. نريدها أن تكون ممتعة للجميع، لذا سأطرح عليك سؤالاً الآن: هل تريد المشاركة؟".

"بالطبع. ما الذي يجعلك تعتقدين أنني لا أريد ذلك؟".

تواصل "سارة" الضغط متجاهة الخطاف الذي قد يُلقي بها في جدال غير ذي جدوى في هذه المرحلة.

"حسنًا، إليك قائمة بالأشياء التي نفعلها عادة في العطلة. أخبرني بأي منها تريد القيام به معنا".

يُلقي "كونور" نظرة على القائمة. "جميعها".

"حسنًا، إن كنت تريد أن تكون جزءًا من الأنشطة، فإليك قائمة بما ينبغي ومالا ينبغي فعله".

"هل تمزحين؟".

"كلا، إطلاقًا".

بالنسبة للشخص الطبيعي، ستكون هذه الطريقة جامحة، ولكنك ستندهش من مدى الاستجابة الجيدة للنرجسيين لها؛ فسوف يدفعون كي يلعبوا، ولكن فقط إن طلبت ذلك مقدمًا.

وقد يتهمك كذلك بأنك محب للسيطرة أو تعامله كطفل. دعك من هذا؛ فالشيء الوحيد الذي سيترك له ليتجادل بشأنه هو حقه ليتصرف كهادم للملذات.

 

لا تنظر للنرجسي أن يحب أي شيء لم يختره لنفسه

كما هي الحال مع جميع مصاصي الدماء، عليك التركيز على السلوك وليس على المشاعر. فإن أردت أن ترى عيني النرجسي تلمعان، فاسأله عما يريده وأعطه إياه. وأن شعرت بأن الهدية لابد أن تكون مفاجأة، فتذكر أنه بالنسبة للنرجسي، الثمن هو الأهم وليس الكفرة. فلتتوجه دومًا للخلاصة.

وكي تستحث نرجسيًّا على المشاركة في احتفالات العطلات. عليك فعل الأشياء نفسها التي قد تفعلها مع طفل في الرابعة من عمره: اجعله جزءًا من الاحتفال واتركه يُخطط ويُنفذ ما يريده.

إن كان هناك نرجسي في حياتك، فأنت تعرف كيف تشعر عندما تتشابك وتتجادل مشاعر الحب والكراهية والخوف والغضب بداخلك حتى تصيبك الحيرة ولا تعرف ما عليك القيام به.

في تلك اللحظات المظلمة، ثق بنفسك. ففي النهاية، يحتاج إليك النرجسيون أكثر مما تحتاج إليهم أنت.

 

 د. ألبرت جيه. برنشتين

من كتاب: "مصاصو دماء العواطف"

 

للمزيد إذهب إلى المقالات السابقة عن النرجسية

التعليقات  

#1 christine 2016-03-13 22:03
مقالات طويلة لكنها تستحق القراءة .. مفيدة جداً و واقعية لأقصى حد .. لو يوجدفي حياتك شخص نرجسي ستفهم ما أعنيه .. شكراً ..

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا