مقالات متخصصة

 

(كيف تُنقل الشخصية النرجسية من جيل لآخر؟)

                     

1-    كيفية تمييز الشخصية النرجسية

 

لقد قيل عن النرجسية أنها حالة عامة فى المجتمع الحديث، ففى الماضى كان هناك شخصيات نرجسية لكن ليس أبدًا بهذه الوفرة. حين نطق لويس الرابع عشر[1] بتعليقه الشهير "أنا الدولة، والدولة أنا‘‘ كان يعبر عن جوهر وجهة النظر النرجسية للتمركز الأحادي حول الذات. وقد إندلعت الثورة الفرنسية من جراء إحساسه النرجسي بالاستحقاق الذاتي. إن "الأنا Ego" التي للويس كانت متضخمة للدرجة التي ظن معها أنه يمثل إحتياجات كل فرنسا. فإن أكل لويس، يجب على فرنسا أن تشعر بالشبع. أيضًا قدمت مارى إنطوانيت[2] رد فعلها النرجسي الخاص للجموع الجائعة التى تتوسل لأجل الخبز حين تفوهت بصيحتها اللامبالية "دعهم يأكلون الكعك Let them eat cake"، فقد بدا لها أن طلبهم لمجرد الكفاف من القوت اليومي أمر تافه. يبدو التعليقان السابقان كغلاف لكتابين من نفس الطراز، يفترضان الفكرة التالية: "إحتياجاتى هى كل شئ. لا شيء أو شخص آخر يهم".

 

يهتم الشخص النرجسي فقط بما ينعكس عليه. كل ما يفعله أو يجتاز فيه يُرى كإنعكاس لنفسه. وقد اشتقت تسميه هذا الانحراف السيكولوجي من أسطورة يونانية قديمة عن "نارسيسوس Narcissus"، وهو شاب يافع جميل محبوب من الحوريات. وقعت فى غرام نارسيسوس وجماله حورية تُدعى إيكو Echo، لكنه لم يهتم بصرخاتها الحزينة التي أتت على نحو متزايد. لكن، بالنسبة للآلهة التى تنظر من علاها لتلاعبات البشر، بدا الحب غير المتبادل كجريمة. فعاقبوا نارسيسوس على نحو رمزي مناسب بأن جعلوه يقع فى حب إنعكاسه هو (على صفحة الماء الرائقة)، مجاهدًا بصورة دائمة، أن يعانق خيال.

كل مرة يتطلع نارسيوس إلى صورته المنمقة المنعكسة فى بركة من المياة الراكدة، يجد أنها تتلاشى فى تموجات صغير لا حصر لها. تلك هي الذات النرجسية، التي تحاول دائمًا أن تصلح تقديرها الذاتي المُهان، فتُعجَب وتهيم بنفسها الجذابة، ولكن يلازمها رعب التفسخ السيكولوجى، فتُدرك تلك النفس أنها ليست كل ما تَدَعي أنها عليه.

 

يُوصف إضطراب الشخصية النرجسية فى DSM-III[3] على أنه ذو صفات مميزة كالتالي: إحساس متضخم بأهمية الذات؛ تصورات خيالية عن نجاح غير محدود، شهرة، نفوذ، جمال، والاعتقاد في وجود حب مثالى (عشق غير قابل للنقد)؛ الاستعراض وحب الظهور (حاجة داخلية عند الشخص لأن يُنظر إليه ويحظى باعجاب الناس)؛ نزوع للشعور بالغضب العارم لأسباب لها قدر قليل من الموضوعية؛ الإستعداد للتعامل مع الناس بلا مبالاة وقحة كعقاب على معاملتهم المؤذية أو كدلالة على حقيقة أن هذا الشخص لا فائدة مرجوّة من وراءه؛ ميل نحو الشعور الشديد بالدونية، شعور بالخزي، والخواء؛ إحساس بالإستحقاق يرافقه ميل لإستغلال الآخرين؛ ميل لرؤية الناس وكأنهم في حالة مثالية زائدة أو التقليل من قدرهم، وهذا التعامل المتناقض مبني بصورة عامة على الرؤية المُسْبَقَة المتحيزة؛ تركيز ضيق؛ وعدم القدرة على التقمص الوجداني لأعماق الآخرين.

 

هذه القائمة موسعة لكنها غير شاملة لكل ما يتعلق بصفات الشخص النرجسي. وكما يُقال، فإننا نعيش فى عصر النرجسية. عدد قليل منا خال تمامًا من أي سمات نرجسية. حتى أنه تم تصنيفنا على أننا "جيل الأنا"، كما يظهر في التعبيرات السائدة مثل "ما الذي سأستفيد به من هذا؟"، و"الحرص على الوجود في المقدمة". هؤلاء الذين ينزعون للفكر المتفلسف ربما يتسألون عما تفشى أولاً، نرجسية الفرد أم نرجسية المجتمع الذى شَكَّل هذا الفرد. على الأرجح هناك مرحلة؛ عندها تتجمع العلل وتأثيرات المجتمع وعصاب الأفراد الذين يعيشون فيه، لتصب في تيار مشترك.

إن كان المجتمع يقدس الإهتمام بتلك المظاهر الخارجية مثل الإهتمام بمظهرك أمام الآخرين، مكانتك الإجتماعية، السلطة والنفوذ، والمال، فربما يكتسب الشخص الإعتقاد في أن ما تحتفظ به النفس مُحتجبًا بداخلها: مشاعرها وأفعالها التي لا يعرفها أحد سواها، ليس لها قيمة على الإطلاق. بينما يظل المعنى الحقيقي الوحيد والثابت لقيمة الذات الذي يمكن أن يكون لدى شخص هو التلامس مع الذات الأصلية (المُجردة من كل أقنعتها)، الشعور بالكينونة الحقيقية Essential Self، والوعي الأخلاقي المتفرد للقيام بكل ما يمكن أن يراه الشخص لائقًا. فأن يحوز الشخص تقدير لقيمة ذاتية غير مادية هو ما نعنيه حينما نقول أن شخصًا ما لديه "شخصية خاصة Character"، وهذه سمة نادرة في الوقت الحاضر.

إن تطبيق قيَّم مجتمعية مظهرية على ذات المرء يسبب جُرحًا نرجسيًا لمشاعره. نحن نستخدم كلمة نرجسيًا Narcissistic لنوضح أن حب الذات self-love هو الذي تضرر. فعندما يرتكز تقدير المرء لذاته على المظاهر الخارجية، على أراء الآخرين فى من يكون وفي ما يفعل، فإنه يقوم بتضليل ذاته. فهناك تلك المرأة التى تمتلك جمال طبيعى فائق، عندما سمعت أمها تصفها، متفاخرة في حضور مجموعة من الرفاق، على أنها "جميلة كنجمة سينمائية"، انكمشت من الخزي، شاعرة أن ذاتها تافهة وعديمة القيمة إذ أن قيمتها كإنسانة قُدرت، فقط، وفقًا لمظهرها الخارجي. فالذات الصحية ليس لها علاقة بالنجومية. بل تتأتى الصحة النفسية من القبول، بداية من الطفولة المبكرة، لكل أحوال الفرد: الطيب أو الشرير، الطاهر أو النجس، المشاغب أو المهذب، الفَطِن أو الأحمق. في حالة البالغين، تتجلى الصحة النفسية في التطابق بين المفاهيم المثالية لدى المرء وبين تصرفاته، وفي القدرة على تقدير قيمة النفس لأجل الأمور التي مازلت تسعى لتحقيقها جنبًا إلى جنب مع ما نجحت في القيام به قبلاً. إنها تعنى الإقرار بأنه على الرغم من كونك غير كامل إلا أنك تستحق الحب.

يحاول المدربون، فى المدرسة الثانوية، تقوية شخصية لاعبي فرقهم بإخبارهم أن يفعلوا كل ما في وسعهم ولا يحملوا عبء النتيجة النهائية سواء كانت فوز أو هزيمة. لكن مجتمعنا ذو المعايير الظاهرية السطحية يدمن الفوز الدائم إلى أبعد الحدود بحيث لا تُعد مثل تلك النصيحة سوى ترياق [4]Antidote غير مُجْدي ضد الضغط المستمر الواقع على هؤلاء اليافعين من قِبَل كل من: والديهم وطاقم العاملين في المدرسة -المصابين بهستيريا الفوز والنجاح الدائم- وكل من كانت ذواتهم Egos في احتياج للفوز والنجاح لينكروا بواسطة ذلك النجاح صورتهم الذاتية الأساسية Self-Image المتداعية/المتفسخة. ذلك الضغط يلح على الطلاب أن يعملوا على نحو مثالي ويظهروا بصورة مثالية.

كي تنمو شخصية الإنسان لتصبح متكاملة، يحتاج كل من الأطفال الرُضَّع، والأطفال الصغار، الأطفال الأكبر عمرًا، فى مراحل نموهم التكوينية الأساسية [5]Formative Stages، أن يختبروا وجود قبول حقيقى وأصيل genuine acceptance من الحياة؛ وأن يدركوا جيدًا أن لهم اعتبار حقيقي في تلك الحياة ليُنظر إليهم، وفوق ذلك أنهم رائعين وجديرين بالحب فى أعين والديهم؛ هم يحتاجون أن يتعثروا ويُخطئوا وفي بعض الأحيان يقعوا ويُرَحَب بهم ثانية بإبتسامة أبيهم أو أمهم المعزية. ومن خلال هذا القبول الوالدي، يتعلم الأطفال أن كينونتهم، وذاتهم الجوهرية تستحق الحب. فمحبة الذات السوية يتم اكتسابها عن طريق التوحد [6]Identification (مع أحد الوالدين بالتحديد). تلك النظرة الذاتية الإيجابية positive self-regard هى النقيض لما يعرفه الشخص النرجسي عن حب الذات. فهو عاشق لذاته تحديدًا لأنه لا يستطيع أن يحب نفسه He is "in love" with himself precisely because he cannot love himself .

هكذا يجد الشخص -الذي سيصبح نرجسيُا فيما بعد- فطرته الذاتية مرفوضة من قِبَل والده أو والدته النرجسيين أثناء فترة طفولته. فجروح المشاعر التي لدى الوالد تعمل كقالب لجروح جديدة في الطفل[7]. كل والد نرجسي في كل جيل يعيد إرتكاب الجريمة التى أرتكبت -بشكل رديء- فى حقه، على الجيل التالي له. والجريمة المقصودة هنا هى "عدم القبول". فالشخص النرجسي البالغ هو شخص كثير المطالب وأكثر تشويهًا للطفل الذي يماثله بشدة، بالرغم من أن كل أطفاله يُجْتَذَبوا إلى شبكته النفسية الذاتية Subjectivity. فكيف سيتمكن من قبول ذرية أنتجها هو بذاته المزدرى بها فى اللاوعي؟ يُنظَر إلى موقفه كشكل آخر مختلف من متلازمة جروشو ماركس [8]Groucho Marx Syndrome، "لن أنضم لأي نادى يتعامل معي كعضو فيه"، هنا تتحول إلى "لن أحب أي طفل يتخذني كوالد له". وهكذا يقع الرفض من نصيب الطفل كأنه حق طبيعي مكتسب بالولادة.

في معظم الأحيان نجد أن الطفل الذى سوف يتحول فى نهاية الأمر إلى شخص نرجسى بالغ –أي تشمل شخصيته كل صفات الشخصية النرجسية- نجد أنه قد كانت له أم ذات شخصية نرجسية. في كثير من الأحيان، سنجد أن الأم النرجسية -على الأرجح- هي التي تحيل شخصية طفلها ليُصبح فيما بعد شخص نرجسى مشابه لها، والسبب في ذلك هو أن الأم فى الأغلب هي التي توفر الرعاية المهيمنة التى تُحدد شكل العالم المبكر للطفل الصغير. إذا كان الأب نرجسيًا والأم ليست كذلك، فإن وقع وتأثير الأذى الصادر من الأب يَضْعُف في الوقت الذي يبدأ فيه الطفل في تكوين مفهوم الذات الخاص به.

يتحول الطفل -الذي سيصبح نرجسيًا فيما بعد- عن العالم بعد أن يصل إلى إدراكه أنه عالم مجرد من الحنو والمحبة (نظرًا لأن الرعاية التي تقدمها الأم للطفل توضح له نسخة مصغرة أولية عن العالم). فينصرف الطفل إلى خيالات جامحة تتسم بالمبالغة والعظمة كي يقي نفسه من الشعور العميق بانعدام قيمة ذاته الناجمة عن حقيقة أن أمه -في واقع الأمر- لا تحبه. بينما تتيح له العظمة فرصة أن يصدق عن نفسه أنه كامل ومثالي، تعمل تلك العظمة كدرع واقي يحميه من شعوره الدفين بأنه وحش جشع، على استعداد لقتل الآخرين كي يتناول طعامه ويبقى على قيد الحياة. حيث الطعام الأساسي  لهذا الوحش هو الإعجاب Admiration.

الأم النرجسية -التي تتولى رعاية الطفل في أعوامه الأولى- لها ذات متعاظمة، قاسية القلب بصورة مزمنة لكنها مفرطة في حمايتها. تنتهك تلك الأم ذاتية وإستقلال Autonomy طفلها وتتلاعب به ببراعة كي يتوافق مع رغباتها. وهي ترفض كل أمر خاص بطفلها إذا كان غير محتمل بالنسبة لها ولا يروق لها، واضعة إياه فى موقف يعاني فيه من الحصر النفسي (اضطراب التوتر والقلق) Anxiety بأن يفقد حبها إذا أبدى علانية استيائه مما تطالبه به. تتجاوب تلك الأم مع غضب ابنها وضجيجه الطفولى المُتَدَلِّل بالقلق، الحنق والغيظ، أو الإنسحاب. فيصبح الطفل غير قادر على التعامل مع المشاعر الشنيعة المزعجة التي تُنْذِّر بالظهور المفاجيء لتُخَرِب العلاقة الوثيقة بينه وبين أمه، تلك العلاقة التى يعتمد عليها من أجل البقاء على قيّد الحياة.

تتيح الشخصية المتعاظمة للأم لطفلها طريقًا يحتذي به للخروج من هذه المعضلة، حيث تضعه على عرش مشترك معها، ليتشارك معها مظهر عظمتها الأدبية والمعنوية، بحيث يتمكن الطفل بعد ذلك من ابتداع خيالات مليئة بالعظمة عن نفسه ليهرب إليها بعد أن تكون أمه قد أغلقت عليه في مناخ مُخصص ومُزَيَّن له من التميُّز. تلك الخيالات فى نهاية المطاف تتبلور إلى كيان نفسي نسميه الذات المتعاظمة Grandiose Self. بهذه الطريقة يُخلَّق شخص نرجسى جديد.

 

على الرغم من مظهر النرجسي الذي يوحي بالإكتفاء الذاتي، إلا أنه لديه العديد من الإحتياجات الشخصية الضرورية. فهو أكثر إحتياجًا من أغلب الناس الذين يشعرون أن هناك شيء ما صالح بداخلهم. وإذا كان عليه البقاء على قيد الحياة، فلابد له أن يعثر على سبيل يوفي به احتياجاته من دون الإعتراف بالكيان المستقل للشخص الذى يريد مساعدته. فتسليم الشخص النرجسي بأن تواجد شخص ما هو أمر حتمي حيوي بالنسبة له، يجعله في تلامس مع مشاعر نقص، تجعل معنوياته تنهار لدرجة يشعر معها بخواء لا يُحتمل، وغيرة، وحنق وغيظ. ولكى يتجنب هذه المعاناة، نجده يعيش فى عالم به شخص واحد فقط (ذاته). فإما أن يُوجد ويمحي وجود البشر الآخرين، وإما العكس. وينظر الشخص النرجسي لنفسه على أنه مؤدي (بطل/ممثل) يلعب الدور الرئيسي تحت الأضواء، ويرى أن الأشخاص الآخرين هم مجرد ظلال واهية في خلفية مسرح الأحداث. هذا الحل يخلق لغزًا جديدًا: "كيف يمكنني الحصول على حاجتي من الغذاء دون الإعتراف بوجود الشخص الذي يُطعمني؟" وينتهي به الأمر لأن يُهَشِم البشر ويُجزأهم محولاً إياهم إلى أشياء (يشيئهم)، ليعتبرهم كجمادات. فيتعامل النرجسي مع أي شخص كأنه شيء يسدد به إحتياجه أو باعتباره مجرد عضو من أعضاء الجسد (وليس إنسان) مثل الثدى، المهبل، أو العضو الذكري. فهو لا يرى الإنسان كوحدة واحدة من وجهة نظره.

يعد هذا الأمر بمثابة أن يعيش الشخص تلك الحياة وكأنه فى مطعم آلي[9] يُعرض فيه مختلف الأطعمة المحببة له خلف نوافذ زجاجية صغيرة، مع فارق واحد جوهرى. فى ذلك المطعم الآلي، الزبون مسموح له أن يأكل بدون أن يدفع أي مقابل مادي لهذا. وكما هو الحال في المطعم الآلي، يبقى الشخص بمعزل عن الناس. ونظرًا لأن الشخص النرجسي ليس ذهانيًا (مريض عقلي) وأيضًا غير منفصل تمامًا عن الواقع، لذلك فهو مجبر بين حين وآخر على أن يُقر بوجود شخص (آخر) مُعطي. ويمكن تفادي الغزوة العاطفية لتلك الفكرة بتفريغ الهدية من معناها أو الحط من قدر الشخص الذى أعطاها. فليس عليه أن يشعر بالإمتنان إن جعل الهدية تافهة. ناهيك عن أنه لا يقدم الشكر في معظم الأحيان. الشخص النرجسي يمكنه أن يكون ذا أسلوب عذب جدًا حينما يرغب فى أن يترك إنطباع معين لدى الآخرين، لكن كلماته ليس لها تأثير عميق.

في العادة لا يرى الشخص النرجسي أي داعي لأن يذهب أبعد من هذا المدى مع عائلته. فهو يرى أنهم ينتمون إليه[10] ومن المفترض عليهم أن يلبوا إحتياجاته. و أطفاله، بشكل خاص، يُسحقون بافتقاره للإعتراف بمحاولاتهم الحثيثة لإرضاءه، لأنه الشخص المحوري فى عالمهم. فبالإضافة إلى الأهانة والأذى اللذين قد يسببهما الشخص النرجسي لأولاده، نجد أنهم دائمًا ما يأخذون انتقاده وتقريعه لهم بعين الاعتبار حين يقع ما أتوا به في موقع أدنى من معاييره التي وضعها لهم.

وعلى الرغم من فقاعة العظمة التى يتغلف بها الشخص النرجسي، إلا أنه حساس للنقد أو الإهانة على نحو غير ملائم، دائم الشعور بالإستياء وبأنه تم التعامل معه بشكل سيء، خصوصًا حين يظهر الناس تجاهلهم له على نحو خاص فى رد فعلهم عليه. فأن يكون شخص عادي، أقل من مميز في أعين الآخرين، هذا يعني ضمنيًا بالنسبة له أن الآخريفكر فيه  (في ذاته المعظمة) بطريقة مجردة عارية من كل شيء، وهو ما يخشاه على وجه التحديد. فهو يمتلئ سخطًا وحنقًا حينما يُداس على مخزونة الباطني من عدم الأمان.

كذلك يُجرح الشخص النرجسي حين يخفق الطفل الذى يعتبره متميزًا في أن يرقى إلى توقعاته عنه، متجاوبًا معه بغضب عارم قد يحوز مثله المرء تجاه طرف من أطرافه Limb لم يسعفه وقت الشدة. هكذا يتعلم أطفال الشخص النرجسي وشريك حياته كيف يلطفون من آلامه بتدعيمهم لذاته المتعاظمة، وذاك الطفل المميز المشار إليه يتعلم هذا الدرس عن ظهر قلب بألا يخذل الوالد النرجسي أبدًا.

يميل الشخص النرجسى إلى أن يكون في علاقات إجتماعية عابرة نظرًا لأن من يرغبون فى الإذعان لقواعده هم قلة. وهو له حماسة طائشة وزملاء عمل، ولكن أصدقاءه قليلون. والأشخاص الذين يستطيعون التواجد على مقربة من الشخص النرجسي هم النرجسيون الآخرون الذين يبقون بينهم وبينه مسافة مريحة أثناء تبادلهم لإيماءات الإعجاب المشترك، فلا يُلقي أيٍ من الطرفين بمطالب عاطفية على الآخر.

 

فى الزواج، إن لم تقم الفتاة النرجسية بإختيار شريك نرجسي، فسوف تتمكن من التعايش مع شخص يشعر بعدم الكفاية الذاتية (الإحساس بالدونية) ويحتاج أن يتوارى فى علاقة ما. هذا يناسب الفتاة ذات الشخصية النرجسية تمامًا حيث أنها لا تريد أن تعترف بوجود كينونة لشريكها، والذي غالبًا ما يكون طفل لأم نرجسية قد تم تلقينه بالفعل أن يعتبر التجاهل والإهمال والإستغلال بمثابة حب له. فهناك آخرين يتم إغوائهم وإجتذابهم بالهالة النرجسية من العظمة المزيفة للشخص النرجسي، وهم أولئك الذين تم قمع استعراضهم الطفولي الصحي عن أنفسهم. ففي تلك المرحلة من الاستعراض الصحي نجد الولد الصغير يتباهى بعضلاته أمام أمه، التى من المفترض أن تنبهر به بشكل مناسب، ونجد البنت الصغيرة تستدير بفستانها الجديد أمام والدها كي تحوز إعجابه. فإن عَبَّأ الوالد طفله بمشاعر الذنب لأجل تفاخره بنفسه، فحاجة الطفل إلى أن يُنظَّر له يتم  كبتها فى اللاوعي. وهذا الكبت للإحتياج غير المُسَدد سيستمر فى الضغط بقوة مطردة إلى أن يكون واضحًا في الشخص البالغ دون دراية منه بذلك. فنجد الشخص البالغ الذي حدث له مثل هذا الكبت قد يختار رفيق إستعراضي من أجل تحقيق إشباع شخصي غير مباشر.

 

ينبغي أن تُفهَم ما تمثله الشخصية النرجسية من خلل وظيفى dysfunction خطير، وهو أمر يمكن تصنيفه كمرض فى المجال الطبي، إلا أن المجال الطبي لا يُشَرِّح بالحقيقة الشخصية الإنسانية، وأنما أفضل قياس يمكن أن يضعه للميول النرجسية قد يكون معرفة القدر الذي يكون به الفرد -في الواقع- مثمرًا وحَسِن المعاملة، أو ليس كذلك[11]. وقد يكون الشخص النرجسي وافر الإنتاج من الناحية المهنية، رغم أنه كثيرًا ما تعرقله خشيته من ألا يبلغ ما يقوم به حد الكمال. ومثل هذا الشأن يبتر الخبرة الإبداعية لدى الشخص وحتمًا يقوِّض أساس العلاقات تدريجيًا.

ربما لا تشعر الشخصية النرجسية، المتعاظمة فى عالمها الآلي، بحماقة معيشتها، بالرغم من أن خصالها النرجسية تسبب معاناة لكل من هم فى إتصال حميم معها. فقط، يتعلق كل ما تدركه بأن هناك أمر ما يجري على نحو غير مناسب (ليس بالضرورة في نفسها) حينما لا يستمر محيطها في تأييد أوهامها رفيعة المستوى، وحينما تفشل فى أن ترقى لما تتوقعه من عظمة. في هذا الوقت قد يصبح الشخص مكتئب ويسعى لطلب العلاج النفسى من أجل تخفيف وطأة الألم الذي يشعر به.

بالنسبة للشخصية النرجسية التي تأمل في التغيير عن طريق العلاج النفسى التحليلى، سوف تجد أن العلاج ليس بالأمر الهيِّن. فالعملية العلاجية لابد أن تكون شاقة لأنها تتطلب قبول الإخفاقات البشرية؛ تتطلب أن يُقِر الإنسان بحاجته للبشر الآخرين، الذين يملكون الإختيار بأن يمنحوه -أو لا يمنحوه- ما ينتظره منهم (لأن الإنسان لا يستطيع أن يغتصب الحب). هذا يعنى مرة أخرى أن يختبر الإنسان مشاعر أن يكون كطفل لا حول له ولا قوة ويتم التلاعب به بواسطة والدين غير محبين، وأنه سوف يتحمل أضرارًا جسيمة نتيجة لذلك. سوف يكون على الإنسان أن يرى خواء مثل تلك الحياة التي سيطر عليها، بشكل قهري، الإحتياج إلى إعجاب الآخرين والتفاخر بالإنجازات. المحصلة النهائية لصراع الإنسان من أجل أن يكشف عن ذاته الحقيقية تتمثل في قدرته على ترك بصمته الخاصة في حياة عادية، وأن يكون كأحد البشر، له ابتهاج صادق وشجن حقيقي، وهو أمر يختلف عن تلك السعادة الزائفة التى لصورة منعكسة (غير إنسانية).

 

 

2- منهوالابنالبالغالذيسيُشابهالوالدالنرجسي؟

 

ليس كل أبناء الشخصيات النرجسية متماثلين، لكن أغلبهم يتشاركون مجموعة من السمات المشتركة. ويعتمد مدى ظهور مشاكل خاصة تتعلق بوجود والد ذو شخصية نرجسية على حدة درجة نرجسية الوالد ووجود أو غياب عوامل مؤثرة تخفف من شدة تلك الصفات النرجسية فى حياة الطفل. هذا قد يتضمن تواجد أجداد محبين متاحين عادة للطفل، مدرسين مهتمين أو أيٍ من البالغين الآخرين الذين لديهم قدرة على تَفَهُم المأزق الذي ينحصر فيه الطفل.

لسوء الحظ، فإن أحد الأسباب التي تجعل من البيت الذي يقطنه أشخاص نرجسيين مكان مدمر للغاية بالنسبة للطفل هو ميل الأشخاص ذوي الشخصية النرجسية لأن يكونوا منعزلين وضيقي الأفق[12]، وهم لا يملكون سوى عدد قليل من الأصدقاء المقربين الذين لهم أيضًا شخصيات نرجسية، وهم (أي الأشخاص النرجسيين) -على حد سواء- متبلدي الشعور لإحتياجات ومشاعر الأطفال. وآخرون ممن ينجذبوا للشخص النرجسي، كانوا هم أنفسهم أولادًا لشخصيات نرجسية في يوم من الأيام، وهم منشغلين الآن بإعادة تمثيلهم -بصورة آلية- لنفس الدور الذي كانوا يقومون به في علاقات طفولتهم المبكرة، بدلاً من أن يتخذوا موقف ذاتي مستقل بخصوص أطفال الأم النرجسية[13].

لن تسمح تلك الأم النرجسية (حتى) بذلك. فالشخصية النرجسية تتسلط على الشعور العاطفي العام الذي يسود منزلها. وهى تُقيم واقعًا محكمًا حول أطفالها، حيث لا يُتاح لأولادها سوى فرصة ضعيفة للإفلات من قبضة واقعها. وتتاح لهؤلاء الأطفال الذين ينفصل والديهم فرصة أفضل للنجاح في الإفلات من هذا إن عاشوا مع الوالد غير النرجسي أو الأقل نرجسية. وهذا هو ما يحدث في أحيان كثيرة، لأن الشخصية النرجسية نادرًا ما ترغب في تحمل المسئولية العملية التي لتربية أبنائها.

 

أيضًا ترغب الشخصية النرجسية في أن تكون حاضرة فى مناسبات خاصة حين يتاح لها أن تبادر بتفاخرها بنفسها. سوف تجلب معها هدية، تؤجر مركبًا شراعيًا، تحكي قصصًا مذهلة عن إنجازاتها لتحول نفسها إلى بطلة. وأمام هذا العرض، تخبو المهام اليومية للوالد الآخر في الظلام. وفي كثير من الأحيان، لا يتم الاعتراف بجميل الوالد[14] غير النرجسي أو تقدير مآثره وروحه المُحِبَة إلا من قِبَل شخص بالغ، أو فيما بعد، بعد أن يصبح الطفل تام النمو ويصير هو نفسه والدًا.

 

تَكْمُن مشكلة الطفل الذى يحيا فى منزل منفصل عن الوالد ذو الشخصية النرجسية فقط في أنه يُغمَر أحيانًا بوجهة النظر المتجمدة غير المرنة التي تكون لرؤية الوالد/ة الأحادية الخاصة للعالم الخارجي. وحتى مع ذلك، فإن الوالد/ة النرجسى، المحبوب من الطفل، والذي يكون الطفل في احتياج له وفي حالة توحد معه، حتمًا سيظل لوالد النرجسي تأثير عميق في حياة الطفل (المقصود هنا هو أن الطفل الذي يعيش في منزل منفصل عن الوالد النرجسي قد يكون محاصر بوجهة النظر الأحادية للوالد الذي يعيش معه، ومع ذلك، يبقى للوالد النرجسي الذي يعيش الطفل منفصلاً عنه، يبقى له تأثير قوي على الطفل. وربما يكون السبب وراء هذا هو أن الطفل يعيش بمعزل عن هذا الوالد، لذا فهو يتوق إليه ويحتاج له ويتوحد معه ومع سلوكياته).

 

الفكرة الخاصة التي يتبناها الوالد[15] ذو الشخصية النرجسية هي أن الابن -كشخص مستقل بذاته- لا يهم. ها هنا مثالين يوضحان كيف أن الوالد ذو الشخصية النرجسية لا يستطيع تَفَهُم الإحتياجات الحقيقية التى لأبناؤه.

شابة حديثة التخرج الجامعي، تعيش بميزانية محدودة للغاية، تطلب من أمها -ذات الوضع الإجتماعي البارز في المجتمع- مكنسة كهربائية بمناسبة عيد ميلادها، وقد وافقت الأم على ذلك. وحين أتى موعد عيد الميلاد، تلقت أبنتها منها هدية غالية الثمن عبارة عن كارت عضوية في صالون تجميل فاخر للتمتع بكل ما يقدمه هذا الصالون. يجتاح تلك الإبنة الإحباط (وفى مقدرتها التعبير عن مشاعرها بعد عدة سنوات من العلاج)، وتتساءل عن سبب أنها لم تُمنح الهدية التى وُعِدت بها. فتجيبها أمها بنبرة شخص مُضطهد تم مهاجمته بشكل غير عادل."لكن، عزيزتي، هذا ما أعتقدت أنكِ تحتاجين إليه". لقد كان من المستحيل بالنسبة للوالدة أن تتفهم لماذا لم تكن هديتها محبوبة بالمرة. فقد أعطت الأم ابنتها الهدية التى كانت هى نفسها (الأم) ترغب فيها.

فى المثال الثانى، نتواجه مرة أخرى مع أم نرجسية لا تُعجب إلا بنفسها، ولا تستطيع تقدير الإهتمامات العمرية المناسبة لأبناءها. أخذت صغيريها إلى باريس، وهناك حبستهم طوال اليوم داخل حجرة في إحدى الفنادق وذهبت لتقضي وقتًا ممتعًا بالتسوق فى بيوت الأزياء. عادت تلك الأم في ساعة متأخرة من فترة الظهيرة، ووجدت طفليها الشاعرين بالملل والغضب يطالبونها بهدايا لأنهم كانوا منضبطين. شعرت الأم بالهجوم غير العادل من "العاقين الصغيرين". ألم تجلبهم إلى المدينة الرائعة ذات السحر والحظارة التى كانت تستمتع بهما في الخارج طوال اليوم؟ كان عليهم بالأحرى أن يتمكنا من تقدير قيمة تلك الرحلة من خلال خبرتها الخاصة[16]، كما يحدث في الخاصية الأسموزية[17] (خاصية التشرب/التناضح). فالتوقعات الأسموزية شائعة إلى أبعد الحدود فى الأشخاص ذوي الشخصية النرجسية نظرًا لأنهم لا يعترفون بالحدود السيكولوجية بينهم وبين أطفالهم. يجب أن يكون أطفالهم سعداء إذا كانوا هم (الآباء والأمهات ذوي الشخصية النرجسية) سعداء، أو فى مناسبات أخرى، أن يكون الأطفال تعساء بنفس قدر تعاستهم. إن كان الطفل يشعر بالسعادة في حين أن الوالد النرجسي يشعر بالحزن، فقد يؤخذ ذلك كعلامة على عقوق الطفل وتبلد شعوره. فالأم، في المثال السابق، فى إستمتاعها بالشراء شعرت بأنه يجب على أطفالها أن يكونوا مبتهجين للغاية لمعرفتهم أنهم سيستلقوا مسترخين على مفروشات مصنوعة من النسيج الباريسي الرائع. فكيف لهم أن يكونوا غير مُقَدرين لكل المجهودات التي عملتها من أجل مصلحتهم؟!

وهكذا، لا يُنظر أبدُا للطفل/ة الذى للوالد ذو الشخصية النرجسية كما هو/هي حقًا. حتى من قبل ولادة الطفل، ينسب له الوالد/ة صفات مُمَيَزة، صفات تتفق مع الإحتياجات المتفشية في لاوعي الوالد. بعد الولادة، يُشوه الطفل بمحاولات لا نهاية لها لإدخال بعض التعديلات عليه. ويجد الطفل/ة نفسه -بشكل جوهري- أنه مَعيب وغير محبوب، ذلك لأنه وُلد لوالد يشعر بنقص مروع (مع أنه لا يستطيع أن يُقر بهذا)، والد يقوم -بصورة غير واعية- بوصم إبنه -ليس نفسه- بهذا الأمر. حيث يمكن أن تتم مهاجمة الطفل وتقويمه (من قبل هذا الوالد ذو الشخصية النرجسية)، من دون أن يدرك الوالد أنه هو نفسه المستهدف من وراء هذا.

 

نجد أن التجبر المٌلِح الواقع من الوالد/ة ذو الشخصية النرجسية على الطفل كي يعمل وفق تطلعات ذاك الوالد هو مثل الماء الذى يسبح فيه السمك، فهو عديم الشفقة ومنتظم للغاية، حتى أن الطفل نادرًا ما يعي ذلك. الصراعات نادرة الحدوث أثناء سير عملية قولبة الطفل. بالطبع، هناك لحظات يشعر فيها الطفل باعتداء نفسي عليه، وربما يتشاجر أو يبكي أثناءها، لكن حتى في تلك الأحيان يشعر أيضًا بأنه سئ الخلق، مخطئ، ومتحير. يشعر الطفل بما يشير له الوالد إلى أنه يجب عليه أن يشعر به، نظرًا لأن إستياءاته هى خيبة أمل مخزية للوالد (النرجسي). ولكي يتم اشتمال الطفل تحت مظلة العظمة التى للوالد، يجب أن يبدي الطفل تميُّز تام في أي أمور يعتبرها الوالد ذات أهمية. وإلا سيتم طرحه خارجًا بعنف.

 

يتبنى التعليم الصحيح مفهوم تطوير أداء الإنسان -وهذا أمر خارجي عن الذات- لا تحسين شخصية الفرد الداخلية، والتي يجب أن يتم اعتبارها في الواقع على أنها مقبولة. لكن دمج هوية الطفل الداخلية مع سلوكه أو ما ينتج عنه يُدمر تقديره الذاتي لنفسه، حيث يترسخ لدى الطفل الاعتقاد في أنه حتى ولو نجح بجدارة فهو سيظل مجرد قشرة ذهبية تتستر على شيء مقرف gold over shit، مظهر زائف لجمال يُغلِف قُبح حقيقي. يشعر الطفل "الناجح" للوالد ذو الشخصية النرجسية بمثل هذا الزيف نظرًا لأن ذاته الحقيقية توحدت مع الفشل والعجز والضعف.

هكذا ينشأ أولاد الأشخاص ذوي الشخصية النرجسية وسط تلك الأمور القاسية، ويخرجوا منها بمشكلة شائعة لكنها جد خطيرة؛ إذ يشعر مثل هؤلاء بأنه لم يكن لهم حق الوجود في تلك الحياة من الأساس. لقد تم تشويه ذواتهم[18] عن حالتها الطبيعية، ذلك لأن أى تحرك لهم تجاه الإستقلالية يُعامل على أنه خيانة من قِبَل الطفل وأمر يُسَبِب للوالد ضرر لا يمكن إصلاحه.

 

إن فلسفة الوالد ذو الشخصية النرجسية لترشيد الإهتمام بالذات تعوق الطفل عن إدراك سبب شعوره بالذنب لامتلاكه دوافع محركة ذاتية مستقلة. القاعدة التي يعمل وفقها الوالد النرجسي؛ "أنت لا تهم"، تعني أن كل الجهود التي يبذلها الطفل كي يُنظر إليه باعتباره شخص يستحق الاحترام -إذا كانت فقط محاولة من أجل استنتاج أن ولي أمره قد تفهم مشكلاته- هي من أفعال الخيانة. كذلك فإن تحرك الطفل نحو الإستقلالية والذاتية يُقابل بعقاب الوالد له، وإستياءه، وغيظه، والذي منه يتعلم الطفل عن ظهر قلب أن سعيه لأن يصبح شخصًا مستقلاً هو أمر خاطئ وغير أخلاقي.

أيضًا يحاول الوالد ذو الشخصية النرجسية أن يُحدد الأمور التي تنتمي لواقع أولاده. فهو يخبرهم بما يجب أن يشعروا به ويفكروا فيه، في تناقض لما يشعروا به ويفكروا فيه بالحقيقة. على سبيل المثال، يجيب أب على طفله الذى عبر للتو هاتفًا بـ: "أنا أكره جدتي" (والدة الشخص النرجسي، النرجسية قاسية القلب)، يجيبه بقوله: "أنت لا تكره جدتك. فقط الطفل السئ هو من يمكنه أن يكره مثل هذه الجدة الرائعة. أنت تحب جدتك". هذا التصريح من قِبَل الوالد يُحدِّث صراعًا ضخمًا وتشويش فى عقل الطفل، بحيث يعاني الطفل مما يُعرف في العامية الدارجة بـ: "خيانة العقل (العبث بالفكر/ التسخيف به وبآرائه) "mind fu..ing ويتم بذلك ترويض الطفل على ألا يثق فى واقعية أفكاره، وأن يسمح للآخرين بالتفكير نيابة عنه. وبسبب قيام الوالد ذو الشخصية النرجسية بمعارضة قدرة ابنه الطبيعية على فهم مشاعره وأفكاره، يكبر هذا الابن مضطرب ومختل الإدراك، ومحاولاً أن يقيم علاقات مع أناس يفكرون بالنيابة عنه كإمتداد لخبرات طفولته.

يُصِّر الشخص النرجسي على تحقيق توافق تكافلي، يستوجب أن يكون الإدراك الحسي لكلا من الطفل والوالد متماثل تمامًا. فى المثال الموضح أعلاه، نجد أن الوالد يحاول اسكات مشاعر غضبه الشخصي تجاه والدته من خلال رد فعله مع ابنه. ونظرًا لأن الطفل هو الحامل لخيالات الوالد النرجسي التي يعيها، تلك الخيالات التي تتسم بالمبالغة ورفض الأمور غير التامة الكمال، لذا فإن صورته الذاتية تكون متناقضة على نحو مزعج. فهو (أي الطفل) سيصبح شخص مُخفِق شقي بائس لا ينجز أي شيء على الإطلاق، لذا فمن الضروري أن يحيا حياته فى عالم الخيال. أيضًا، في نفس الوقت، هو قادر على النظر لنفسه على أنها نموذج الكمال والفخر التام. فتعكس أفكاره المتناقضة عن نفسه القناع الخارجي والجوهر الداخلي الذى لوجهة نظر الوالد النرجسية عن ذاته.

أيًا كانت المسألة التي يعتبرها الوالد/ة على أنها مشكلته، فسوف يتم غرسها في نفس الطفل بالتبعية. فمن الضروري للمرأة النرجسية أن تكون الأجمل بين الجميع، لكنها بداخلها تخشى أن تكون قبيحة. وحين تعتقد هذه الوالدة (النرجسية) في أنها تفتقد لكل القيَّم الأخرى، فإن ابنها/ابنتها سوف يتم اعتباره كشخصية فاشلة بشعة، وسوف يتعرض لحملة إصلاحية لا تتوقف كي يتحصل منها على بعض القيمة والاحترام والجدارة Worth.

بينما يرغب الرجل النرجسي المهووس بالذكاء في أن يتم تقديره كعبقرى، وهو يخشى سرًا من كونه أحمق. فهو يرى البلاهة في ابنه ويُجبر الطفل على أن يتظاهر بكونه عبقريًا ليُخفي بلاهته. المسألة برمتها قد تم غرسها في الطفل. ومن المفارقات الساخرة، أن الطفل قد يكون بالفعل مُتَقِد الذكاء لكنه لا يستطيع الإستفادة من ذكائه على نحو أكمل ولا حتى أن ينسب له أي فضل لأنه يصدق عن نفسه أنه مجرد أبله يؤدي دور العبقرى.

هكذا يتضرر إحساس الطفل بقيمته الذاتية بواسطة وسمه وتصنيفه بصفات زائفة. وكلما زادت المبالغة في صفاته الشخصية، كلما قل شعوره بقيمته الذاتية الحقيقية. كما هو الحال مع ثمار الزيتون الموضوعة في برطمان، فعندما يتم الإقلال من شأن الطفل، يتم المغالاة في صفاته الشخصية مقارنة بما هي في الحقيقة. بالنسبة لثمار الزيتون، فكلمة ’’ثمرة رائعة‘‘ تستخدم في الحقيقة في الإشارة إلى الثمار الصغيرة جدًا. وهكذا، كلما تم المبالغة في قيمة الشخص الذاتية كلما أحس بصِغَر نفسه. فالتصنيف الكاذب يدمر إدراك الشخص لقيمته الذاتية. فكل شيء يقوم من أجل الإستعراض. أيضًا يشعر الوالد النرجسي بأنه مقيد بالوصف التى وضعه لابنه. فهو يشعر بدوره أنه موسوم بالتشبيه الذي قد صنف به ابنه وهو (أي الوالد النرجسي) يحاول دائمًا أن يرفع من قيمة الصورة الموضوعة سلفًا للطفل. ويتم التعامل مع الذات الداخلية للطفل -الذات التي تتطلب حبًا غير مشروط- كما لو أنها في تطابق مع سلوكه الظاهر للعيان ومع انجازاته. فيتعرض الطفل لوابل من الانتقاد، والذى يصل به الحال فى نهاية المطاف إلى تصديقه. فليس لأنه أجاب في الإمتحان بشكل جيد، لذلك فهو نابغة. وليس لأنه لم يفهم نظرية معينة في الهندسة، لذلك فهو أبله. فالوالد النرجسي يصيغ تعليقاته بطريقة تقتضي ضمنيًا وصف ذات الطفل الداخلية. ونتيجة لذلك، لا يقدر الطفل أن يتناول ما حققه بصورة موضوعية، ولا أن يستفيد من النقد على نحو فعال فاستيعابه لهذا الأمر والتعامل معه هو أمر شديد الإيلام.

 

بناءًا على ذلك، عادة ما يكون لدى هذا الطفل مشاكل خطيرة فيما يتعلق بالفعالية والإنجاز. هناك طرق عديدة للتخفي. يختار البعض عدم التفاعل الإجتماعي. فلا يمكن تقييم تفكيرهم من خلال الضباب الذي يحيطون أنفسهم به. يسعى آخرون للتصرف وفق "معامل التصحيح [19]"Fudge Factor، ذلك عن طريق اتباع أسلوب فوضوي فى الكتابة بحيث لا يتمكن المعلم من قراءة الإجابات. هذا يُمَكِّن الطفل لاحقًا من أن يجادل بشأن أنه كان يعني شيئًا آخر. كبالغ، يمكن أن يتصرف بتشامخ ويتفوه بأسماء مراجع مفهومة فقط لفئة قليلة من الناس[20]، ليحتجب ورائها كستار الدخان الذي يحجب النشاطات العسكرية، معتمدًا على حقيقة أن الناس لديهم نزعة لتبجيل الشخص البارع المتفوق الذى لا يتمكنون من فهمه.

 

آخرون ممن يخشون الانطلاق تكون لديهم قناعة في أن يقدموا تعهدات مبكرة وأن يعيشوا وهم مصدقين في أنه من الممكن أن يكونوا عظماء (وأن يفوزوا بمحبة والديهم) إذا طوعوا أنفسهم بالكامل لذلك، وهو الأمر الذي لا يجرأون على فعله. فقد يكون لديهم تسديدات فطرية قوية في لعبة التنس لكنهم لن يتدربوا أبدًا. فالخيالات التي لديهم عن استحسان ما قد يمكنهم القيام به هو أمر مفضل لديهم عن واقع الرفض المحتمل لما يمكنهم القيام به بالفعل.

يُغمر الطفل الذى يُحذَّر بإستمرار من العواقب الوخيمة بدفعات وبواعث الصد والمنع التي لدى الوالد النرجسي، وعلى نحو وثيق، فهذا الطفل سيأكل من الشجرة المحرمة لا محالة. فالوالد الذى يتكهن مرارًا وتكرارًا أن ابنته سوف ينتهي بها الحال في ’’الحضيض‘‘ لكونها فاتنة ومثيرة جنسيًا، ويُعبر لفظيُا عن انعدام ثقته في فطرتها السليمة، فهو بذلك يمارس عليها نوع خفي من الضغط بحيث يتوافق مستقبلها مع توقعاته عنها بإيذاء نفسها. فممارستها للجنس غير الشرعي يسبب له ألم وسرور، مما يزعج ويُسِر ابنته أيضًا. ولا تدرك الابنة أن تصرفاتها الجنسية هي بمثابة خنوعًا مُحبًا لرغبات الوالد كما تجلى بوضح في توقعاته لها.

 

العديد من أولاد الأشخاص النرجسيين يتحولوا في الواقع إلى مرضى بجنون العظمة Paranoid. وهم يكتسبون حساسية شديدة جدًا لأي شيء يتم تمييزه على أنه تحامل هجومي، ولأي خطأ يرتكبه شخص ما، تجاهل، أو أي قول أحمق يمسهم. هم يتأثرون عندما لا يكون هناك داعي لذلك، معتقدين أن الناس يلحقون بهم الضرر عن عمد. تبدو لهم الحياة غير محتملة تمامًا، حيث أنهم دائماً ما يجدون أنفسهم هم المستهدفين في أوقات الآخرين السيئة. وتتم مهاجمتهم على نحو متكرر من الوالد ذو الشخصية النرجسية، مما يدفعهم لأن يصدقوا أنهم مُلامين من أجل تقلباته/تقلباتها المزاجية. فخبرة أن يكون الشخص هدفًا للآخرين يتم تعزيزها وتعميمها فيما بعد لتشمل ردود فعل شركاء الحياة، الأصدقاء، الأبناء، سائقي حافلات الأجرة الوقحين، الناس الذين يزاحمونهم في مقاعد المترو، السكارى الذين يتفوهون بألفاظ بذيئة بينما يمرون من جانبهم[21].

يتعلم الابن أن يقبل أراء الوالد النرجسي من دون تساؤل، وكثيرًا ما ينقل هذا إلى العالم الخارجي فى شكل سذاجة عامة أو محددة بمواقف معينة. حيث يمكن أن يتلاعب -بهذا الابن أو تلك الابنة- شخص ما يتحدث بسلطة حتى ولو كانت تنقصه الأدلة الدامغة. وقد تقع تلك الشخصية (ابن أو ابنة الوالد النرجسي) ضحية لقوى الإغواء الطائفي الديني، أينما كان الحب يتعهد/يُنبيء بالتخلي عن كل شيء.

 

أيضًأ سوف تميل تلك الشخصية (ابن أو ابنة الوالد النرجسي) في إختيارها للأصدقاء ناحية الأشخاص النرجسيين، الذين يرغبون في أن يتم قبولهم من دون تمحيص. وتتولى تلك الشخصية دورها المعتاد عند أقدامهم، فتكون بمثابة الشخص الذى يستمع دون أن يُصغى إليه، والشخص الذى يضحك لكن لا يحق له إلقاء نكتة، الشخص الذى يدعو الآخرين لكن لا تتم دعوته أبدًا. وتنظم تلك الشخصية حياتها وقفًا لجدول مواعيد الآخرين. كما تكون الصداقات محبِطة ومخيبة للأمل وغير مشبِعة، فهي ليست كالعلاقة مع الوالد النرجسي، لكن تلك الشخصية (ابن أو ابنة الوالد النرجسي) لا تعرف أي طريقة أخرى. فهى واقعة تحت سيطرة دافع قهري يسميه علماء النفس بالنقل/الطرح Transference[22]، فمازالت  تلك الشخصية تحاول أن تظفر بحب الشخص النرجسي.

لا تعرف تلك الشخصية (شخصية الابن أو الابنة التي لوالد نرجسي) كيف تصون اهتمامتها نظرًا لأنها كانت تُوصَف من قِبَل والديها بأنها شخصية أنانية إن حدث ووضعت إحتياجاتها قبل إحتياجاتهم. فالمقصود بالحب (عند الوالد النرجسي) هو نكران الذات التام، ومنح المحبوب أي شيء يرغب أو ترغب فيه دون إستياء، أو تنافسية، أو غيرة، حتى ولو أضر هذا العطاء بالشخص المعطِي. وقد يقع على عاتق تلك الشخصية (الابن أو الابنة التي لشخص نرجسي) أن تجعل الشخص الآخر سعيدًا. في الحقيقة، يمكن لأولاد الأشخاص النرجسيين أن يكونوا ذرية غير أنانية بشكل لافت للنظر.

 

كل الأطفال هم في حاجة ضرورية للحب كى يبقوا على قيد الحياة. وإن لم يكن هناك عاطفة حقيقية، فسوف يُفَسِّر الطفل الملاحظات التي يقدمها الوالد على أنها الحب. إن كان كل ما يلاقيه الطفل من والديه هو الملاحظات النقدية، فسوف يتم تفسير هذا الانتقاد على أنه حب، وسوف يُكرر الطفل السلوك الذي ينتقده الوالد (كي يحظى بالمزيد من الحب). إن كان الإهتمام بالطفل يحدث فقط عندما يكون بليد، مُهمِل، كسول، مستهتر، إلى أخر كل تلك الخِصال العدوانية السلبية passive aggressive، فعنئذ سوف تظل كل تلك الخِصال عالقة بشخصيته حتى بلوغه. هذا يفسر كيف يمكن أن يصبح السلوك السئ -الذي تكيَّف عليه الشخص- متغلغل فيه ويُسبِّب له كل أنواع الصعوبات فيما بعد فى الحياة.

 

ونظرًا لأن أبناء الأشخاص النرجسيين يحملون شعور سيء للغاية عن أنفسهم، فهم عادة يكتسبوا صفات الشخص البغيض Skunk، سلوك كريه غير محتمل ينَفِّر الناس منهم. فهم يتجنبوا ألم الأقتراب من الآخرين عن طريق أن يكونوا مزعجين وجارحين. وبنفس قدر الوجع الذي يكون للرفض والهجر اللذان يحدثان في مرحلة الطفولة، يُفضل الشخص البغيض Skunk أن يتحكم فى الرفض. ولتحقيق ذلك نجده يتحول ليصير مُقاطع شنيع للحديث، كالمقترض الذي يتناسى أن يوفي دينه، غير مُحَدَّد، غير مُهذب، تافه. وهو يُرفض لأنه يرتكب من الإساءات ألف، على أمل أن تكون ذاته الحقيقية محبوبة ومقبولة في يوم من الأيام إذا ما تخلص من تلك الأشياء المستفزة المثيرة للغضب التي يقوم بها. فهو يؤجل/يرجئ البحث عن الحب حتى المستقبل.

 

لا يميز الابن الذي لوالد نرجسي -الذي تم قصفه بوابل من التقييمات والتصنيفات التي لا تخصه- بين ما هو حقيقي وبين ما هو غير ذلك. فهو لا يعرف من هو (هويته)، وقد تم منعه من اكتشاف ذلك بالتجريب عن طريق أن يحاول ويخطئ. الطفل الذى قيل له باستمرار: "لا خير فيك"، سينتهي به الحال شاعرًا بهذا عينه. سيكون كما يقولون عنه -شرير/رديء، بشع، أحمق، وعائق في طريق الآخرين. الوالد النرجسي الذي عانى في كثير من الأحيان من الخزي والهوان من أجل مواطن ضعفه وعيوبه الشخصية التي رآها في عيون والديه التي ظهر فيهما احتقارهم له وإزدرائهم به، يتطلع هذا الوالد لابنه باشمئزاز معرضًا إياه لنفس الاحتقار والرفض والازدراء الذين عانى منهم يومًا ما. وهو بذلك يحاول أن يتغلب على الصدمة الخاصة التي عانى منها في فترة طفولته بأن يتخذ دور عملي ويفعل نفس الأمر مع شخص آخر لا حول له ولا قوة (ابنه أو ابنته) كما حدث معه (مع الوالد) في ما مضى من قِبَل والديه.

ينشأ الطفل (الذي لوالد نرجسي) على السخرية والتهكم، الاستهزاء، توجيه الاتهامات له، وتعبيرات الاشمئزاز والنبذ. وينتج عن عار الخزي هذا -الزائد عن الحد- أن يبتعد الطفل عن التواصل مع البشر الآخرين. ويسعى لأن يكون محتجبًا عن أعينهم حتى يشعر بالأمان. وسوف يعيش مثل هذا الابن -كشخص بالغ- من خلال الآخرين وخلفهم لكنه لا يُدعم نفسه أو يستمع لها. فكشف كيانه الداخلى هو أمر مُهَدِّد له للغاية.

ينمو هذا الطفل (الذي لوالد نرجسي) وهو يشعر بأنه غير محبوب منذ أن تم تلقينه فيما مضى أن كونه غير محبوب هو خطأه الشخصي. أو سيجد -في أفضل الأحوال- أن قبوله كان مشروطًا. كالطالب المتفوق الذي لا يبرح المركز الأول دائمًا، والذى يتم التفاخر بدرجاته المرتفعة والاحتفاء به في حفل تُقيمه والدته ذات الشخصية النرجسية، يشعر هذا الطالب كأنه طائر مُذَّهب محجوز في قفص ذهبي. فهو لا يشعر بأنه محل تقدير.

 

يبقى الوالد النرجسي حيًا في عقل الشخص البالغ (ابن/ابنه الوالد النرجسي، من كان طفلاً في يوم من الأيام)، حتى مع الغياب الفعلي لهذا الوالد. يُعرف هذا الوالد الداخلي بـ "الكيان المدمج Introject." فهذا الكيان المدمج يستمر فى تعزيز الأدوار والسلوكيات الطفولية (التي كانت لهذا الراشد أثناء طفولته مع الوالد النرجسي) والتي اكتسبها من أجل البقاء على قيد الحياة. ويظل هذا الكيان المدمج مهددًا بمنع الحب إذا ما انحرف الطفل عن المنهاج الذي وضعه له (كما كان يفعل تمامًا فيما مضى). لا يوجد مهرب من ذلك، لا يوجد مخبأ -جغرافيًا- يمكن أن يلجأ إليه (هذا الراشد) ليبتعد عن هذا الصوت الداخلي القاسي للكيان الوالدي المدمج في عقله. سيكون على عاتق هذا الطفل -الذي كان لوالد نرجسي-  الذي أصبح راشدًا مهمة استئصال سلطة وتأثير هذا الوالد الداخلي بواسطة الفحص الدقيق المتأني والتحليل.

 

هناك مفارقة مأساوية أخيرة، وهي أن هذا الابن الذي لوالد نرجسي قد يكتسب هو نفسه العديد من السمات النرجسية، حتى يصل إلى حد أن يكون شخص نرجسي في صميمه/حتى النخاع. بعض الملامح المشتركة الشائعة عن ذلك قد تشتمل على: التمركز حول الذات، الإحتياج القهري لأن يبدو على صواب وأن يجعل الآخرين خاضعين لوجهات نظره، عدم القدرة على تقبُل الانتقادات، الرغبة فى بلوغ الكمال الذاتي أو في أن يكون الأشخاص القريبين منه كاملين هم أيضًا، حساسية مفرطة ممزوجة بشعور مستمر من التعرض لسوء المعاملة، إحتياج ضخم لأن يتم الإشادة به وتأييده، وحاجة ماسة لأن يُؤكَّد له مجددًا أنه شخص محبوب.

 

فى بيت كان فيه الوالد النرجسي ساديًا[23] والشريك الأخر أو الابن هما الضحايا، قد يحاكي الابن الذى للوالد النرجسي الدور السادي لأن هذا هو ما تم اعتباره على أن له القوة والسلطة والنفوذ. فلا يعي الأطفال أن هناك إمكانيات أخرى غير تلك التي تظهر بوضوح بواسطة ’بابا‘ و’ماما‘ حتى أنهم في بعض الأحيان ما يختاروا أن يقوموا بالدور الذي يبدو أنه كان من المستحيل أن يقوموا به[24]. فالطفل البالغ، الذي كان لوالد نرجسي في ما مضى، قد يحتال على شريك حياته، ويخدع أبناؤه، وأصدقاؤه، وموظفيه. قد يخدع حتى نفسه، متحاملاً على ضعفه الذاتي بنفس الوحشية الكريهة التى للوالد النرجسي المُدمَج في داخله.

إنه لأمر مؤلم للغاية بالنسبة للطفل الذي كان له والد نرجسي أن يكتشف أنه تحول ليُصبح على شاكلة من يكرهه، وأنه قد استدمج في داخله كل تلك الصفات التي سببت له أشد الأذى من والده النرجسي. فنحن لا نحب أن نرى مثل هذه الأمور فى أنفسنا. في بعض الأحيان، يكتسب الطفل الذى لوالد نرجسي منطقة عمياء Blind Spot فيما يتعلق بسلوكه[25]، وهو بذلك لا يختلف عن الوالد الذي لم يتمكن أيضًا من أن يرى حقيقته. وبالرغم من ذلك، إن رغب الطفل الذى لوالد نرجسي فى أن يكتسب احترامه لذاته ويحقق استقلاليته الذاتي 

(في ما بعد،بعد أن يصبح راشدًا)،فمثل هذه الخِصال النرجسية (التي قد تشربها من الوالد النرجسييمكن تقليصها 

وإضعافها إلى حدٍ كبير، وبذلك تتطور وتنمو الحساسية التي يجب أن تكون بينه وبين الأشخاص الآخرين.

 

إيلان جلوم Elan Golomb

من كتاب: "Trapped in the Mirror"

ترجمة: (ترجمة خاصة لخدمة المشورة والنضج المسيحي)

التحرير والهوامش: د. مريم ميلاد

للمزيد إذهب إلى المقالات السابقة عن النرجسية

 

 



[1] لويس الرابع عشر Louis XIV: حكم فرنسا 54 عامًا (1661- 1715)، وطبع مصيرها بطابعه إلى حد لا يمكن تصور تاريخ فرنسا من دونه.

[2]  ماري أنطوانيت Marie Antoinette :  ملكة فرنسا وزوجة الملك لويس السادس عشر.

[3] DSM-III: The Diagnostic and Statistical Manual Of Mental Disorders, 1980.

 الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو دليل تصدره الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين.

[4] الترياق Antidote: هو علاج ضد السموم.

[5] تبدأ تلك المراحل التكوينية من سن الولادة حتى ١١ سنة.

[6] التوحد Identification: هو أن يدمج المرء نفسه مع أو ما أو شخص ما.

[7] يذكرني هذا بقول عالم النفس هانز كوهت Heinz Kohut عن أن الوالدين هما بمثابة المرآة بالنسبة للطفل؛ فهم يعترفون ويتقمصون مشاعر الطفل ويستجيبون لحاجاته. وإذا كانت تلك المرآة واضحة ونظيفة ومصقولة سوف تدأب على تقديم صورة منعكسة للطفل كما هو في الواقع.

[8] متلازمة أعراض مبنية على مقولة للفنان الكوميدي غروشو ماركس، يقول فيها: ’’لن أقبل أبدً الانضمام لنادي يرضى بي عضوًا فيه‘‘ أي أن ’’النادي الذي يقبل عضوية شخص مثلي هو بالتأكيد نادٍ سيء‘‘. وفي هذه المتلازمة ينمو لدى الشخص شعور بصغر النفس واحتقار الذات للدرجة التي تجعله يظن معها أن لا يمكن لشخص جيد أن يحبه أو يقبله، وأن كل من يحبونه أو يعجبون به أو بسلوكه لابد أن بهم مشكلة ما وأنهم لا يمكن أن يكونوا أشخاصًا رائعين وإلا ما كانوا أحبوه.

[9] مطعم آلي Automat: كافيتريا يُعرض بها العديد من الأطعمة السريعة والمشروبات الغازية في ثلاجات زجاجية مغلقة، وعلى من يريد أن يأكل أو يشرب أن يضع فقط بها النقود المعدنية في المكان المخصص، ثم يحصل على ما يريد على الفور.

[10] يرى الشخص النرجسي عائلته كجزء منه لا كأشخاص مستقلين.

[11] المقصود بهذه الفقرة أن الطب النفسي لا يقدم لنا تشريح حقيقي لنفس الإنسان، أو شخصيته وما يُعتمل داخلها. فحتى وإن كان الطب النفسي يُشَخِص لنا إضطرابات الشخصية المتعددة أو يصنف لنا العديد من الأمراض النفسية والعقلية، إلا أنه لا يضع لنا مقاييس لأعماق الشخصية الإنسانية، وهو لا يسبر غور الإنسان.

[12] يؤثر هذا بالطبع على العلاقات الإجتماعية لتلك الأسرة ككل. بمعنى أنه إذا كان أحد الوالدين ذو شخصية نرجسية -إن لم يكن كليهما- فإن علاقات تلك الأسرة ستكون محدودة، وإن توافرت فهي ستكون مع أشخاص نرجسيين، حيث يسهل تعامل النرجسيون مع بعضهم البعض، مما سيجعل الطفل محاطًا بكثير من الأشخاص ذوي الشخصية النرجسية. بكلمات مختصرة، إضطراب الشخصية النرجسية هو أضطراب مٌعْدي.

[13] يتحدث هنا عن صديق أو صديقة الأم النرجسية، والذي هو بدوره أيضًا شخص نرجسي. فنجده يعزز ما يظهر من الأم من صفات نرجسية في تعاملها مع أولادها. وكأن هذا الشخص يتآمر مع الأم النرجسية ضد أولادها.

[14] الحديث هنا عام عن كوّن أحد الوالدين نرجسي الشخصية والآخر غير نرجسي الشخصية، فقد يكون هذا الطرف غير النرجسي هو الأب أو الأم، وليس المقصود هنا أي  تحديد لكلا منهما، أو وضعه في قالب شخصية معين  ثابت لايتغير..

[15] سواء كان الأم أو الأب.

[16] هذا هو ظن الأم ذات الشخصية النرجسية، وهي أن الآخرين وبالأخص أولادها، يرون العالم من خلالها وكما تراه هي، ويرغبون فيما ترغب بالضبط.

[17] الخاصية الأسموزية Osmosis: هي خاصية تخص حركة انتقال جزيئات الماء عبر غشاء نصف منفذ من منطقة ذات كثافة مائية مرتفعة (تركيز مخفف للذوائب) إلى منطقة ذات كثافة مائية منخفضة (تركيز أعلى للذوائب) دون الحاجة لاستهلاك طاقة. والمقصود هنا هو أن الأم تعتقد أن ما كانت ترغب به، سينفذ إلى وعي أولادها كأمر مسلَّم به، بدون معارضة أو انتقاء من جانبهم.

[18] الزمن الذي أستخدمه الكاتب لوصف هذا الأمر هو المضارع التام، وهو يستخدم عمومًا لوصف أمر أستمر لوقت ليس بقليل وترك بصمة خاصة في حياة الإنسان. ما يريد الكاتب توصيله هو أن هذا التشويه الذي يقوم به الوالد ذو الشخصية النرجسية في حياة طفله هو تشويه شديد الوطأة، يكاد يكون تشويه تام في معظم الأحيان!!

[19] معامل التصحيح أو عامل التصحيح: رمز رياضي كيفي  لعدد يضاف على المسائل الحسابية من أجل تصحيح النتائج، وذلك عن طريق جعلها مطابقة لما يحدث في الواقع حقيقة بشكل أفضل، أو عن طريق إضافة هامش للخطأ. وقد يتم العمل بعوامل التصحيح بأثر رجعي.

[20] هذه آلية من الأليات النفسية اللاشعورية تسمى الاستعلاء الفكري.

[21] المقصود هنا أن الشخص ذو الشخصية النرجسية يشعر بأنه مستهدف طوال الوقت ومن كل الأشخاص، يشعر بأنه هو المقصود دائمًا بأي أذى يقع في محيطه الإجتماعي والشخصي.

[22] النقل/الطرح Transference: هي آلية من الآليات الدفاعية النفسية اللاشعورية، فيها يقوم العقل الباطن للشخص بطرح صورة خارجية من معاملات الشخص الماضية على شخص آخر، بحيث يرى الإنسان الذي يقوم عقله بهذه الآلية صورة معينة لأحد شخصيات الماضي في شخص آخر يتعامل معه.

 [23]  السادية Sadism: اضطراب من اضطرابات الشخصية، من أهم صفاته اكتساب المتعة من رؤية الآخرين يقاسون الألم أو عدم الراحة. وتتميز شخصيات الساديين بالقسوة والعدوان المتكرر. كما يمكن أن تشمل السادية استخدم القسوة العاطفية، والتلاعب بالآخرين وذلك من خلال استخدام التخويف والعنف. في حين يستمتع بعض أفراد السادية في تعريض الآخرين للألم والمعاناة، إلا أن السادية لا تعني دائمًا الاعتداء الجسدي أو العنف. ففي كثير من الأحيان، يُعبِّر أفراد السادية عن السلوكيات الاجتماعية العدوانية والتمتع بإهانة الاخرين من أجل الشعور بالقوة أو السيطرة أو حماية النظام.

[24] يقصد أن هذا الشخص يختار من بين مجموعة من الاختيارات السيئة، أكثر دور كان يتعذر عليه بل ويرفض أن يقوم به لأنه عانى من ويلاته.

[25] أي أنه لا يدرك واقع وحقيقة سلوكه.

التعليقات  

 
#1 انجي 2016-05-13 12:51
اد ايه انا سعيده بترجمة هذا الكتاب ... وبالأخص ترجمه تحوي المعاني بذلك الدقه!
سيفيد جدا جدا جدا
اشكركم
اقتباس
 
 
#2 إدارة الخدمة 2016-05-13 18:59
لم مترجم سوى هذان الفصلين.
اقتباس
 

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended on: 18 تشرين1 2017 - 12:01

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

...أكمل القراءة

كن من اصدقائنا