أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


الصلاة لابد وأن تقوم في محضر الله بقلب مفتوح و بيد مفتوحة. فهناك الكثير من الأمور في حياتي التي اقبض عليها بأيد محكمة، هي طبعا الأشياء المادية التي املكها ولكن هناك أيضا الأمور غير المادية مثل: أصدقائي، أفكاري، معتقداتي، مبادئي وتصوراتي. إن فتحت يدي فهي هناك ولا يسقط منها شيء. ولكن يدي لا تزال مفتوحة. وهذه هي الصلاة. وبعد برهة إن رغبت أن ابقي فترة كافية بأيد مفتوحة، يأتي الله. سيلقي نظرة ويتجول ليري ما احمل بيدي. قد يندهش – إني احمل أشياء كثيرة!
ثم يسألني:
"أتمانع لو أني أخذت هذا الجزء الصغير؟"
وأجاوب:
بالطبع يمكنك، ولهذا أنا هنا بأيد مفتوحة."
وربما يلقي الرب نظرة أخرى ويسأل:
"أتمانع لو أنى وضعت شيء أخر في يديك؟"
وأجاوب:
"بالطبع يمكنك."
وهذا هو لب الصلاة. قد يأخذ الرب شيء ويضع شيء آخر. لا يمكن لأحد أخر أن يصنع هذا. لكن الله يمكنه. هو الرب. يجب عليّ فقط أن افتح قلبي ويدي و امكث فترة كافية حتى يأتي الرب.

الصلاة ليست بحث. فالبحث ينم عن عدم الصبر وعلي الحركة؛ "يجب أن افعل شيء." الصلاة هي انتظار. الانتظار يضع تأكيداً علي الشخص القادم، وأني أستطيع أن انتظر هذا الشخص.
أن انتظر فهذا تعبير عن عدم قدرتي وعدم كفايتي وهذا هو سلوكي تجاه الله. لا أستطيع أن أرغم الله أن يأتي. كل ما أستطيعه هو أن انتظر وان أكون حاضراً. الصلاة تعني أن افقد قبضتي، أنى لا املك السيطرة فيما بعد عندما اصلي. الله هو المتحكم.
سيأتي عندما يشعر انه الوقت لكي يأتي. الصلاة هي الشجاعة في أن أنصت، وأتخلى عن تصميمي وإصراري.
إن الانتظار يعبر عن الكثير. فلنفترض أن أربعة منا قرروا التقابل في التاسعة صباحاً للخروج سوياً. وفي الوقت المحدد يأتي ثلاثة منا فقط، فننتظر الشخص الرابع 15 دقيقة ثم 30 دقيقة وساعة كاملة. إن انتظارنا يدل علي أن هذا الشخص الرابع مهم لنا ولا يمكننا الاستغناء عنه.
يقول إدوارد فارل في كتابه "مندهش بالروح" أنه سأل راهب في أن يعطيه كلمة ولكن الراهب لم يجاوبه. وبعد أربع أو خمس أيام عندما كان في طريقه للمغادرة والعودة إلى دياره قال له الراهب: "عندما تعود إلى دارك قل لشعبك أن ينتظروا الله ويصبروا قدامه."

الصلاة هي الانتظار. وهذا الانتظار هو الذي يطبع ويشكل شخصيتي. عندما ارغب في الانتظار، اصبح مختلفاً. الصلاة تجعل الشخص متنبه و متأمل، بدلاً من أن يكون متحكم ومسيطر. فان رجل الصلاة يكون كجهاز استقبال في هذا العالم ... لا يعض بل يلمس. لا يسأل بل يعشق ويحب.
ويصف القديس يوحنا الحياة المثالية بأنها "أن تعيش في انتظارٍ محبٍ ويقظ". هذا سلوك صحيح من الإنسان تجاه الله. يقول بونهوفر "إن رفضت أن تكون وحدك فأنت ترفض دعوة المسيح لك". يجب أن يكون الإنسان وحده ليتحمل الانتظار. يجب أن ينتظر الشخص – ولا يهرب – بل ينتظر بكامل كيانه.
إن لب الصلاة هو إدراكي لمحبة الله ليّ وتجاوبي بتسليم كامل لمحبته. هذا التواصل الشخصي بين الله والإنسان يُعرف بالعبادة، وهو يتطلب اشتراك كيان الإنسان كله. أنها ذروة عمل الإنسان. وفور أن يصير الإنسان في كامل العبادة، يصل إلى الشبع الكامل الذي نسميه السماء. وهو أمر يدوم إلى الأبد ولا يفوقه شيئاً آخر. وهذا كمال النهاية. في حين أن العبادة في حد ذاتها لا تستخدم كنهاية.

إن الصلاة ليست بأمر يختص بالمنفعة، لذلك فهي أمر صعب. إن حياتنا تتسم بالتخطيط والتهديف ويُعني لها أن تُحدث نتائج، حتى لحظات استرخائنا يجب أن تحقق نتائج. الصلاة هي الاستثناء الكبير. أنها نقطة السكون، المحور الذي تدور حوله كل الأشياء. عندما يغيب المركز أو المحور تصبح حياتنا بلا معني، ولكن هذا المحور لا يخدم أي قصد معين في حد اللفظ. فطالما كنت اهدف لأمر ما في الصلاة يجب أن أُحبَط، وهذه إحدى اكبر الصعاب في حياة الصلاة. الأمر الذي قد يجعلني افشل في رؤية فوائدها في مرحلة معينة واشعر بإغراء أن أتوقف عنها.
هناك الكثير من الأجزاء التي تقنعنا بفوائد الصلاة:
ففي الصلاة يستمع الله لتوسلاتنا.
الصلاة تعطي حكمة وبصيرة لا توجد في مكان أخر.
الصلاة تعطي سلام عميق لا يمكن للعالم أن يعطيه أو يأخذه.
الصلاة هي مصدر قوة تبعدنا عن كل مشاكل الحياة.
كل هذه دوافع للصلاة ولكنها لا تمس أعماق الصلاة نفسها. إنها دوافع ثانوية. لماذا إذن نصلي؟!
الصلاة لا يمكن أن توصف بمدي نفعها وإنجازها. لكنها يُمكن أن تفهم كتسليم واستسلام كامل دون أن "نريد شيئا منها". سيأتي الوقت حين تنهار الأسباب الثانوية، عندما لا تكون هذه الأسباب كافية لاستمر في الصلاة. سيأتي الوقت عندما اشعر أن صلاتي لا تـُستجاب . وسيأتي الوقت حين اختبر الصلاة كمضيعة واستهلاك كامل للوقت، عندما اكتشف انعدام البصيرة و الراحة وعدم وجود أي مشاعر شبع. عندها اشعر بالرغبة بان احول وقت الصلاة إلي نصف ساعة أقرأ فيها أو أتمشي مع نفسي. علي الأقل يمكنني أن اجني شيئا من ذلك.
وسيأتي الوقت حين لا تأتينا الصلاة بأي سلام، عندما تستنفذ قوتي وتجعلني أدرك ضعفي. كيف أعالج هذه الصعوبات؟ ما هي الصلاة إذن؟
الصلاة هي ضياع للوقت. واكثر من ذلك هي ضياع للذات. هذا الوقت الضائع هو علامة ضرورية حقيقية لضياع اعمق واستسلام يحدث في كل صلاة أصيلة وحقيقية.!! "من يخسر نفسه يجدها" هي اصل كل صلاة حقيقية. وهذا الكلام لا يعني أن الصلاة ليست لديها ثمار فعالة بل فقط لنؤكد أن المنفعة ليست نهاية الصلاة. أن الصداقة يمكن أن يكون لها فوائد كثيرة ولكن أن يتمركز جوهر العلاقة في الفوائد لما اصبح هناك صداقة من الأصل. ومن مقولات كاتب روحي في العصور الوسطي: "إن تستخدم الله تقتله".
وبما أن الصلاة تأخذ مكانا في جذر حياتي، فإن حياتي كلها مدعومة. لا يمكن للصلاة أن تكون مجرد جزء من حياتنا أو محاولة لرشوة الله. لا يمكن أن اصلي إلا إذا كنت علي استعداد كامل أن اسلم نفسي. كثير من المشاكل في الصلاة تنتج لان الناس ليسوا علي استعداد حقيقي لتسليم أنفسهم. ولا يمكن للصلاة أن تكون بديلا لوهب ذاتي الحقيقية. ولنأخذ الوقت مثلاً.
ففي كل ليلة عند منتصف الليل استلم عطية وهي الأربع والعشرون ساعة لكي ما اقضيها بالطريقة التي يريدها الله مني. فلو أن صلاتي صادقة يجب عليّ أن أقول بطريقة أو بأخرى "فلتكن مشيئتك". وبالتالي لا يمكنني أن أضع توقيتي الخاص. وعندما أجرؤ على الإقدام في صلاة حقيقية، ولو لمدة خمس دقائق فقط تصبح هذه الأربع والعشرون ساعة ليست ملكي. واشعر بالصراع، فعندما اصلي أتخذ قرار، اختيار جوهري؛ إن كان الله سيصبح الإله في حياتي أم لا. و يحب أن أضع حلاً لهذا السؤال عندما اصلي.
أما عندما لا اصلي فليس عليّ اتخاذ هذا القرار أو أن أؤجله لأجل غير مسمي.
الصلاة تحولني إلى خبز يُـكسر. إنه في هذا الكسر اصبح متاحا بطرق كانت خفية بالنسبة لي. كالخبز اُقدم مرة تلو الأخرى. الصلاة تتطلب وتنبت داخلي الرغبة في أن أتقبل هذا السر كدعوة أتجاوب معها بكل كياني. وفقط في كسر الخبز أدرك سر الفصح في الموت والقيامة. إن كان عليّ أن أحيا هذا السر فيجب أن اصلي. وإلا لن أكون قادرا علي أن اصلي. وعلي الوجه الأخر إن كنت ارغب في أن اصلي فيجب عليّ أن انفتح لهذا السر وإلا فلن اقدر أن اصلي.
يجب أن أحيا بهذه الطريقة لكي اصلي. إن المشاكل والصعوبات في الصلاة لا تنتج عن صلاتي بل غالبا من الكيفية التي أعيش بها حياتي. في بعض الأوقات أشكو من أن الصلاة تتسبب في جعلي متوتراً وأني لا أستطيع أن اصلي بانتظام. هذا بالتأكيد هروب. إن الصلاة لا تصنع هذا التوتر بل إن أسلوب حياتي هو الذي لا يتفق مع صلاتي.

--------------------
من كتاب: "كما الخبز المكسور"
(بيتر ج. فان بريمن)

من ترجمة خاصة
ترجمة: مشير سمير
يُسمح بإعادة نشر المحتوى بشرط ذكر المصدر واسم الكاتب والمترجم


 

التعليقات  

#1 رفعت وليم 2015-12-06 08:47
"الصلاة هي ضياع للوقت. واكثر من ذلك هي ضياع للذات."، تعبير صادم، يحمل في داخله أكثر مما يبدو من كلماته، فهو يعنى إلغاء الفكر" النفعى" في التعامل مع الله في الصلاة، " أنا أعطيك وقتى، لتعطينى ، راحة، سلام، حلول لمشاكلى..."، ولكنى بالحقيقة أسكب إناء وقتى أمامك بلا طلب للمقابل، كما قال في البداية" فقط أفتح يدى وقلبى" ليأخذ الله ما يريد و يضع ما يريد. أفتح الآن يدى وقلبى، ليعطنى الرب هذا الحضور وهذا الفكر في حضرته.
اقتباس

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا