أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


"إن هذا ليس بالأمر السهل، فلوقت طويل قد لا نشعر بالقدرة على قبول حياتنا الخاصة. قد نستمر نحارب من أجل حياة أفضل أو على الأقل حياة أخرى مختلفة. عادة يبزغ بداخلنا احتجاج عميق ضد ما قد قُدِّر لنا. فنحن لم نختر بلدنا ولا أهلنا ولا لوننا ولا جنسنا. ولم نختر حتى شخصياتنا ولا ذكائنا ولا شكلنا ولا طباعنا المميزة. أحياناً نود أن نفعل كل شئ بالإمكان لكي ما نغير ظروف حياتنا، نتمنى لو كنا في جسد آخر، في زمن آخر أو حتى لنا عقل آخر. ومن ثم تأتي صرخة ما من أعماقنا قائلة: "لماذا يجب عليّ أن أكون هذا الشخص؟ أنا لم أطلبه، ولست أريده".

لكن بينما نأتي تدريجياً إلى مصادقة واقعنا هذا الخاص، وننظر برفق إلى أحزاننا وأفراحنا الخاصة، وبينما نتمكن من اكتشاف الطاقات الكامنة الفريدة لطريقنا المميز في الحياة، نستطيع أن ننتقل إلى ما وراء احتجاجنا ونقرب كأس حياتنا إلى شفاهنا ونشربه، ببطء وعناية ولكن إلى التمام.

إن الرفعة الروحية لا شأن لها بأن نكون أعظم أو أرفع شأناً من الآخرين. بل هي تتعلق تماماً بأن يكون كل منا أفضل ما يمكن أن يكونه. إن القداسة والطهارة الحقة تكمن تماماً في أن نشرب كأسنا الخاص وأن نثق بأنه في تمسكنا بمشوارنا الخاص الذي لا يمكن استبداله في الحياة نصير مصدر أمل للكثيرين. فعلى سبيل المثال نحن نجد شخصاً كفان جوخ في بؤسه وانكسار قلبه أمن، دون شك، في دعوته ورسالته الداخلية كرسام، ومضى إلى أقصى ما أمكنه بالقليل الذي كان لديه. نفس الشئ نجده في القديس فرانسيس الأسيزي، ودوروثي داي من نيويورك، والأب أوسكار روميرو من السلفادور. أناس صغار ولكن عظام في شربهم لكأسهم عن أخره.

كيف يمكننا إذاً، ونحن في عرض حياتنا اليومية العادية، أن نجرع كأسنا، كأس الحزن والفرح؟ كيف نأخذ بل ونمتلك بالكامل ما قد مُنحنا إياه؟ فنحن نعلم، بطريقة أو بأخرى، أننا عندما لا نشرب كأسنا، أي نتجنب حزن وفرح الحياة، فإن حياتنا تصير مصطنعة وغير أصيلة، بل سطحية ومملة وغير صادقة أيضاً. حينئذ، نحن نصير دمي تتحرك يميناً ويساراً وإلى أعلى وأسفل في يد محركيها في هذا العالم. نصبح مجرد عناصر وأشياء، نعم وضحية لمصالح الآخرين ورغباتهم. لكننا لسنا مضطرين أن نكون ضحية. فنحن نستطيع أن نختار أن نشرب كأس حياتنا، باقتناع عميق بأننا حين نشربه نجد حريتنا الحقيقية. وهكذا نكتشف أن كأس الحزن والفرح، الذي نشربه، إنما هو كأس الخلاص أيضاً.

من كتاب: "هل تقدر أن تشرب الكأس؟"

(الأب: هنري نووين)

من الفصل السابع: "الشرب"

صفحات 81 - 83

ترجمة: مشير سمير
يُسمح بإعادة نشر المحتوى بشرط ذكر المصدر واسم الكاتب والمترجم


You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا