أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


إن الكنيسة الآن، أكثر من أي وقت مضى، تعي واقع أن الناس فيها يعانون من آلام حقيقية. ولكن هذه الحساسية الحسنة قد خلقت نتائج عكسية غير مرجوة. فبدلاً من أن تقربنا من الله وتطلقنا نحو اهتمام أعمق بالآخرين فإن هذه الحساسية قد جعلت وعينا ينصب أكثر على رغبة شديدة في الشعور بالتحسن وإصرار أكثر لأن نجد الطريق إلى ذلك. صارت الأضواء تتركز على أنفسنا كأناس معوزين قد تعرضوا للجرح وللإيذاء وعلى الله الذي صار في وضع ينتظر فيه إشارة البدء ليحل بأجنحته ويشفي جروحنا ويردنا إلى الحياة السوية.

إن مساعدة الناس أن يشعروا بأنهم محبوبين وذوي قيمة قد صارت هي الرسالة المركزية للكنيسة. فنحن لا نتعلم أن نعبد الله في خدمة مكلفة وإنكار للذات وإنما نتعلم أن نعتنق طفلنا الداخلي وأن نعمل على شفاء ذكرياتنا وأن نتغلب على الإدمان وأن نخفف من اكتئابنا وأن نحسن من صورتنا الذاتية عن أنفسنا وأن نؤسس حدود صحية لأنفسنا وأن نستبدل كراهية النفس بحب النفس وقبول أنفسنا وتوكيدها محل الشعور بالخزي.

إن الاستشفاء من الألم يمتص قدراً متزايداً من طاقة الكنيسة الآن. وهذا يدق لنا ناقوساً للخطر. فبالرغم من أن الإنجيل يباركنا بالفعل بهوية جديدة في المسيح لنتمتع بها، إلا أنه يدعونا لقيم أعلى من قبول أنفسنا. قيم مثل تحويل الخد الآخر، تقدير الآخرين تقديراً أكبر من ذواتنا، المضي إلى الميل الثاني، تحمل الرفض والمضايقات، العيش من أجل الحصول على اللذة في الحياة الأخرى بدلاً منها في هذه الحياة، والتشبث بوعود الله حينما لا نشعر بصلاحه. ولكن مثل هذه القيم، والتي تصنع أناس لا يستحقهم العالم (عب11: 38)، قد سقطت في صعوبات كثيرة.

لقد صرنا مكرسين لعلاج الآلام التي تقع خلف مشاكلنا أكثر من استخدام ألمنا لكي نناضل بحماس أكثر مع شخصية الله وأغراضه منا. إن الشعور بالتحسن صار أكثر أهمية لدينا من أن نجد الله. بل أسوأ من ذلك، أننا نفترض أن من يجدون الله دائماً يشعرون بالتحسن.

كنتيجة لذلك فإننا نعسكر بسعادة في الأفكار الكتابية التي تساعدنا على أن نشعر بأننا محبوبين ومقبولين، ونمر من فوق تلك الأجزاء الكتابية التي تدعونا إلى مستوى أعلى. ونلوي حقائق رائعة عن قبول الله وحبه الكفاري وهويتنا الجديدة في المسيح لتكون قاعدة لتكريم ذواتنا بدلاً من أن نراها كما هي "إعلان مذهل عن إله بهذا الكرم حتى يحب من كرهوه، هو إله يستحق الإكرام فوق كل شئ وكل شخص آخر".

لقد تعلمنا أن نمدح الله بالطريقة التي بها نمنح الساقي النبيه بقشيشاً سخياً. فإننا بديهياً وبطريقة مسلم بها نتوقع معاملة حسنة منه، ولكن المعاملة الخاصة تستحق تقديراً خاصاً. وبالتأكيد فإن الله جدير بالتقدير الخاص، فقد تحمل مشقة كبيرة ليغذي أنفسنا ويدعم تقديرنا لذواتنا. ولذا فإننا نترك له بقشيشاً كبيراً، شاعرين بالنبل والكرم من جهتنا. وهو بدوره ينحني في امتنان متضع حين يسمعنا نقول له: "حسناً جداً، لقد خدمتنا خدمة جيدة."

ولكن ذلك وضعاً معكوساً! فقد رتبنا الأمور بحيث أن الله يستحق الإكرام لأنه قد أكرمنا! نحن نصيح "مستحق هو الخروف" ليس كاستجابة لنعمته المذهلة، ولكن لأنه قد استرد لنا أقيم شئ لدينا؛ ألا وهو القدرة على أن نقبل ونحب أنفسنا. نحن هنا أهم من الله.

إنه لأمر صحي أن نجابه الآلام في نفوسنا، وأن نشعر بالاستياء حين يمتهن الآخرون كرامتنا، وأن نقر أمام أنفسنا بمقدار رغبتنا الملحة في أن نشعر بالحب وبالقيمة وبالقبول كما نحن. ولكن في هذه جميعها نحتاج أن نتذكر أن المسألة في المسيحية ليست نحن، بل الله الذي هو يعتني بنا.

إن جوعنا غير ملزم لله. فهو ليس الساقي الذي بإشارة من إصبعنا يهرع آتياً من مطبخ السماويات محّملاً بأصناف الطعام لكي يملئ معدتنا الخاوية. فالمسيح بدمه أشترى أناس لأجل الله، وجعلنا كهنة لكي نخدمه هو (رؤ5: 9-10). نحن موجودون لأجله، وليس العكس.


د. لاري كراب

من كتاب "Finding God"

ص17-19

ترجمة: مشير سمير
يُسمح بإعادة نشر المحتوى بشرط ذكر المصدر واسم الكاتب والمترجم


You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا