عن يسوع بقلم جبران - 1

جبران خليل جبران ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٢

هل كان يسوع رجلاً أم فكراً؟

على لسان "راحيل" (تلميذة افتراضية)

كثيراً ما أفكر منذهلة فيما إذا كان يسوع رجلاً ذا لحم ودم نظيرنا، أو فكراً بغير جسد، في العقل، أو فكرة تزور خيال الإنسان.

وكثيراً ما يخطر لي أنه لم يكن سوى حلم حلمه رجال ونساء لا عديد لهم؛ وقد رأوه جميعهم في نوم أعمق من النوم، وفجر أهدأ من كل فجر.

ويظهر أننا إذ كنا نقص هذا الحلم بعضنا لبعض شرعنا نتخيله حقيقة وقعت بالفعل، وإذ منحناه جسداً من خيالنا وصوتاً من حنيننا جعلناه أخيراً جوهراً حقيقياً لمادة وجودنا.

ولكن بالحقيقة إنه لم يكن حلماً. قد عرفناه ثلاث سنين ورأيناه رأى العين في نور الظهيرة اللامع.

قد لمسنا وتبعناه من مكان إلى مكان. قد سمعنا خطبه ورأينا أعماله. وهل يخطر لكم أننا كنا فكراً ينشد غيره من الأفكار أو حلماً هائماً في منطقة الأحلام؟إن الحوادث العظيمة تظهر دائماً غريبة عن حياتنا اليومية وإن كانت طبيعتها مغروسة في طبيعتنا، وهي وإن أقامت فجأة في مرورها بنا فإن جوهرها الحقيقي  يرافق السنين والأجيال.

ويسوع الناصري هو نفسه الحادثة العظمى. فإن ذلك الرجل الذي نعرف أباه وأمه وأخوته كان نفسه أعجوبة حدثت في اليهودية. بلى، وكل عجائبه إذا وضعت عند قدميه لا تعلو إلى مساواة عقبيه.

وجميع الأنهار في جميع السنين لا تقدر أن تذهب بذاكره من قلوبنا. فقد كان جبلا محترقاً في الليل، ومع ذلك كان حرارة لطيفة وراء التلال، وكان عاصفة في الجو، ومع ذلك كان يتحرك بلطف في ضباب الفجر.

كان يسوع سيلاً جارفاً منحدراً من الأعالي إلى السهول ليهدم كل شئ في طريقه، وكأنه في الوقت نفسه لطيفاً كابتسامة الأطفال.

في كل سنة أنتظر زيارة الربيع لهذا الوادي، وفي كل سنة أنتظر الزنابق ويخور مريم، ولكن نفسي تكتئب في أعماقي كل سنة، لأنني طالما فقت لأفرح مع الربيع فلم أقدر.

ولكن عندما جاء يسوع إلى فصولي كان بالحقيقة ربيعاً لأحلامي وقد تحققت فيه جميع السنين المقبلة. فقد ملأ قلبي فرحاً، فنموت كالبنفسج خجولة في نور مجيئه.

واليوم لا تستطيع تقلبات فصول العالم التي لم تصر لنا بعُد أن تمحو جماله من عالمنا هذا.إلا أن يسوع لم يكن حلماً ولا فكرة تمخضت بها أحلام الشعراء بل كان رجلاً مثلك ومثلي بالبصر والسمع و اللمس، وفي جميع ما تبقى كان يختلف كل الاختلاف عن جميعنا.

فقد كان رجل أفراح، وعن طريق الفرح تعرف إلى كآبة جميع الناس، ومن أعالي سطوح كآبته رأى جميع الناس.

إن الرؤى التي رآها لم نراها نحن، والأصوات التي سمعها لم نسمعها، وكان يتكلم مخاطباً جموعاً غير منظورة، بل كثيراً ما تكلم بوساطتنا لأقوام لم يولدوا بعد.

وكان يسوع وحده في أكثر الأحيان، فقد كان بيننا ولكنه لم يكن واحداً منا. وكان على وجه الأرض، ولكنه كان من السماء. ونحن لا نقدر أن نرى أرض وحدته إلا في وحدتنا.

قد أحبنا ممتلئاً بالعطف والحنان. وكان قلبه معصرة. وأنت وأنا كان في منالنا أن نتقدم إليه بكؤوسنا فنشرب حتى نرتوي.

إن أمراً واحداً لم أكن أفهمه في يسوع، وهو أنه كان كثير المجون مع سامعيه، فهو يخبرهم ملحة ويلعب بالألفاظ، ثم يضحك من أعماق قلبه حتى في الأوقات التي كانت ترتسم فيها الكآبة على عينيه وتمتزج بدقائق صوته. كل هذا لم أفهمه في ذلك الوقت ولكنني أفهمه الآن.

كثيراً ما أفكر في الأرض فأتمثلها امرأة حبلى يبكرها وعندما ولد يسوع كان ابنها البكر. وعندما مات كان أول رجل يموت.

لأنه، ألم يظهر لك أن الأرض كانت صامتة في تلك الجمعة المظلمة، والسماوات كانت في حرب شديدة ضد السماوات؟

بل، ألم تشعر عندما اختفى وجه عن أبصارنا بأننا لم نكن سوى تذكارات هائمة في الضباب؟

 

جبران خليل جبران

من كتاب يسوع ابن الإنسان