أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


"أنت ابني الحبيب الذي به سررت." (مرقس 1: 10) بالتأكيد ليس من السهل سماع هذا الصوت في عالم ملئ بأصوات تصيح قائلة: "أنت سيئ .. أنت نكرة .. حقير .. لا قيمة لك .. لا فائدة منك، ما لم تثبت عكس ذلك." وهذه الأصوات السلبية عالية ومستمرة حتى أنه ليس من السهل عدم تصديقها. هذا هو الفخ الكبير. فخ رفض الذات. على مدار سنوات حياتي وصلت لأن أدرك أن أكبر فخ في حياتنا ليس هو النجاح ولا الشهرة ولا السلطة، بل هو رفض الذات. إن النجاح والشهرة والسلطة يمثلوا بالفعل إغراء كبير، ولكن إغوائهم عادة يأتي من كونهم جزء من الإغراء الأكبر الذي يأتي به رفض الذات. فحين نؤمن بالأصوات التي تدعونا بأننا بلا قيمة وغير محبوبين يسهل أن نرى النجاح والشهرة والسلطة حلول مغرية. ولكن يظل رفض الذات هو الفخ الحقيقي. إنني أندهش دائماً من سرعة استسلامي لتلك التجربة. فبمجرد أن يتهمني شخص ما أو ينتقدني أجدني أشعر بالرفض والترك والوحدة، أجدني أحدث نفسي قائلاً: "نعم هذا يؤكد مرة أخرى أنني لا شئ." وبدلاً من أن أفحص الأحداث أو أن أحاول تفهم محدوديتي ومحدوديات الآخرين أميل إلى أن ألوم نفسي، ليس لأجل ما فعلت ولكن لأجل من أنا. وأجد جانبي المظلم يحدثني قائلاً: "لا فائدة مني .. أنا أستحق الترك جانباً والرفض والنسيان."

ربما تعتقد بأنك مجرب بالتكبر أكثر من رفض الذات، ولكن أليس التكبر في الحقيقة هو الوجه الآخر لرفض الذات؟ أليس التكبر هو أن تضع نفسك على منصة معينة تتلافى فيها أن يراك الآخرون كما ترى أنت نفسك؟ أليس التكبر في النهاية ليس إلا طريقة أخرى للتعامل مع الإحساس بعدم القيمة؟ إن كل من التكبر ورفض الذات إنما يدفعنا بعيداً عن حقيقة الوجود ويجعل الحصول على جماعة رقيقة من البشر أمر صعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً.
إني أعلم جيداً بأن خلف تكبري يوجد قدر كبير من الشك بالنفس قابع هناك تماماً كما يوجد مقدار ليس بقليل من الكبرياء يختفي في رفضي لذاتي. وسواء انتفخت أو تضاءلت فأني أفقد التلامس مع حقيقتي وأحرّف رؤيتي للواقع.
أرجو عزيزي، بطريقة أو أخرى، أنك تستطيع أن تتعرف على تجربة رفض الذات بداخلك، سواء كانت تظهر في هيئة تكبر أو في هيئة تقدير ضعيف للذات. أحيانا قد نرى رفض الذات على أنه تعبير عصابي (مرضي) لشخص يفتقد الإحساس بالأمان. إلا أن العصاب (الاضطراب النفسي) عادة ما يكون هو الإظهار النفسي لأغوار إنسانية مظلمة أكثر عمقاً؛ ألا وهي عدم الشعور بالترحاب الحقيقي في الوجود الإنساني. فرفض الذات هو أعظم عدو للحياة الروحية حيث أنه يتعارض مع الصوت المقدس الذي يدعونا "محبوبين"، وأن نكون "محبوبين" هو أمر يعبر عن قلب حقيقة وجودنا.

إني أضع هذا بكل بساطة ومباشرة حيث أن هذه الخبرة: أن أكون محبوباً، بالرغم من أنها لم تكن متغيبة بالكامل من حياتي إلا أني لا أستطيع أن أدعي أبداً بأنها كانت الحقيقة المركزية في حياتي. لكني ظللت أدور حولها في دوائر صغيرة وكبيرة أبحث دائماً عن شخص ما أو شئ ما يمكنه أن يقنعني بأني محبوباً، كما لو أني كنت دائماً أرفض سماع الصوت الذي يتكلم في عمق كياني قائلاً: "أنت محبوبي الذي به أسر." ذلك الصوت كان موجود دائماً ولكن يبدو أني كنت

متلهفاً أكثر لسماع الأصوات العالية الأخرى التي تقول: "أثبت أنك تستحق: اعمل شيئاً قوياً أخاذاً يكون مناسباً، عندئذ تكسب الحب الذي ترغبه"، وفي ذات الوقت يبقى الصوت الهادئ الرقيق الذي يتكلم في صمت وعزلة قلبي غير مسموعاً أو على الأقل غير مقنعاً. إن ذاك الصوت الهادئ الرقيق الذي يدعوني "محبوباً" قد أتى لي بطرق عديدة؛ أقاربي، أصدقائي، معلميَ، تلامذتي، والعديد من الغرباء الذين مروا بطريقي، جميعهم قد رددوا ذلك الصوت بنغمات مختلفة، حيث اهتم بي الكثيرون برقة ورفق بالغين. لقد علموني ووجهوني بصبر ومثابرة كثيرة. أيضاً قاموا بتشجيعي للاستمرار حين كنت مزمعاً على التوقف، وحفزوني على المحاولة من جديد حين فشلت، بل كافئوني وأثنوا على حين نجحت .. ولكن، بكيفية ما، لم تكفي كل تعبيرات المحبة هذه لتقنعني بأني محبوب. فمن تحت الثقة بالنفس القوية البادية علىّ كان هناك التساؤل: "هل سيستمر يحبني كل هؤلاء الذين يغرقونني بالاهتمام البالغ لو استطاعوا أن يروا ما بداخلي ويعرفوا أعماقي؟" وظل هذا السؤال المعذب القابع في ثنايا دواخلي يؤرقني ويلاحقني حتى جعلني أهرب من الموضع الذي فيه أستطيع أن أسمع هذا الصوت الهادئ وهو يدعوني "محبوباً".

أظن أنك تفهم ما أنا أتحدث عنه. ألست مثلي، تأمل في أن يأتي شخص ما أو شئ ما أو حدث ما ليمنحك هذا الإحساس النهائي بالهدوء والسلام الداخلي الذي ترغبه بشدة؟ ألا تأمل قائلاً: "ليت هذا الكتاب أو هذه الفكرة، أو هذا البرنامج أو الرحلة أو هذه الوظيفة، أو هذا البلد أو هذه العلاقة تملئ أعمق رغباتي." ولكن طالما انتظرت هذه اللحظة الغامضة طالما ظللت تجري مبعثراً، متوتراً وحائراً، تملئك الشهوة والغضب، غير مُشبع دائماً.

الأب هنري نووين
من كتاب "حياة المحبوب"
صفحة 31 – 36

ترجمة: مشير سمير
يُسمح بإعادة نشر المحتوى بشرط ذكر المصدر واسم الكاتب والمترجم



أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا