مقالات متخصصة

 

 

"اضطراب الشخصية النرجسية "

Narcissistic Personality Disorder

 

النرجسية هي شعور غير عادي بالعظمة وحب وأهمية الذات وأنه شخص نادر الوجود أو أنه من نوع خاص فريد لا يمكن أن يفهمه إلا خاصة الناس. ينتظر من الآخرين احترامًا من نوع خاص لشخصه وأفكاره، وهو استغلالي، ابتزازي، وصولي يستفيد من مزايا الآخرين وظروفهم في تحقيق مصالحه الشخصية، وهو غيور، متمركز حول ذاته يستميت من أجل الحصول على المناصب لا لتحقيق ذاته وإنما لتحقيق أهدافه الشخصية.


ويعود أصل كلمه "النرجسية Narcissism " إلى أسطورة يونانية قديمة تقول:

أن فتاة تدعى(صدى) هامت بحب فتى يدعى (نرجس) ومن فرط حبها له وإعجابها به سقمت حالها ومرضت بسببه. ومن اجله كابدت وصبرت حتى أضناها هذا الحب وجعلها تذبل شيئاً فشيء حتى فارقت الحياة. ولكن الآلهة (بزعم الأسطورة)

لم تترك الفتى دون عقاب. لذلك كان العقاب قاسياً عليه للغاية حتى أودى بحياته.كان العقاب أن يعشق نفسه بصورة مرضيه عندما رأى صورته منعكسة على الماء لذلك اخذ يجلس الساعات الطوال أمام صورته بكل فخر وزهو.واستمر على هذا الحالة حتى مرض نفسيا بسبب هذا التعلق الذاتي.وما هي إلا فترة بسيطة حتى فقد عقله وفى إحدى خلواته وعشقه لنفسه قفز إلى بركة الماء ليمسك صورته ولكنه غرق ومات. وظهرت في مكانه زهرة سميت على اسمه نرجس (وهى زهرة النرجس..!)


وقد كشفت إحدى الدراسات إلى وجود خاصيتين هامتين للأشخاص النرجسيين وهما
:

1ـ ميلهم إلى أن يكون لهم خط ثابت من الشعور بالعظمة وإعطاء قيمة عالية لأفضالهم الشخصية.

2ـ الميل إلى البحث عن المثالية في أبائهم أو بدائل آبائهم من حيث المركز الاجتماعي أو العطاء المادي كان أم المعنوي.


وأما الفروق بين الذكور والإناث في درجات النرجسية السوية أو المرضية فإنها أعلى لدى الإناث وخاصة في فترة المراهقة ومن ابرز مظاهرها كثرة استخدام المرآة وكثرة استخدام كلمة أنا ولكن بعد الزواج والانشغال بالأطفال ينخفض مستواها إلى الحد الطبيعي!!



تتميز الشخصية النرجسية بالتعجرف والنقص في التعاطف مع الآخرين و فرط الحساسية تجاه آراء الآخرين. فهم لا يستطيعون تقبل آراء الآخرين بأي شكل من الأشكال دون أن يتركوا الآخرين يلاحظون ذلك، ويسفهون بشكل غير مباشر من آراء واقتراحات الآخرين، بل ويدعون أنهم يعرفون ما يفكر فيه الآخرين وأنهم ليسوا بحاجة إلى محاضرات الآخرين. ويبالغ النرجسيون في إنجازاتهم وميزاتهم ومحاسنهم ويتوقعون من الآخرين أن يعترفوا لهم بالجميل بصورة خاصة، سواء كان هذا الاعتراف مبرراً أم غير مبرر. ويستحوذ عليهم وهم النجاح والسلطة والتألق ويعتقدون أن وظيفتهم ضبط الأمور تحت سيطرتهم لأنهم على حق والآخرين على خطأ.


إن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نرجسية في الشخصية غالباً ما يمتلكون مشاعر مهزوزة بالذات (غير واثقين من أنفسهم داخلياً ويبالغون نحو الخارج بإظهار ثقتهم الكبيرة)، ويعتبرون آراء الآخرين حولهم مهمة جداً لهم فهم يسعون دائماً لمعرفة ماذا يفكر الآخرين حولهم …الخ. وهم يستجيبون لأقل نقد سلبي بالغضب أو بمشاعر من المهانة أو الإذلال، على الرغم من أنهم يستطيعون إخفاء ذلك وعدم إظهاره، وينتظرون الفرصة المناسبة لرد الصاع صاعين (والمشكلة هنا أنه يصعب معرفة ما الرأي الذي يعتبرونه سلبياً وما الرأي الذي يعتبرونه إيجابياً، فهم ينظرون للأمر من منظار نرجسيتهم الخاصة) وغالباً ما يسعون من أجل الحصول على إطراء ومديح الآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر.)


وغالباً ما تعاني علاقاتهم البين إنسانية من سلوكهم. فهم حاسدين مزمنين للناس الذين يعتبرونهم أنهم أكثر نجاحاُ منهم ويضعون في طريقهم العراقيل إذا ما أحسوا أنهم أكثر نجاحاً منهم، ويسفهون آرائهم ويقللون من قيمتها وأهميتها أو يشككون بنوايا الآخرين وأهدافهم. والنرجسيون يميلون لاستغلال الآخرين ويستعملونهم وسيلة لتحقيق أهدافهم الخاصة. بالإضافة إلى ذلك فإنهم قلما يكونون متعاطفين مع الآخرين أو حساسين لهم ويمكنهم أن يمتلئوا بالغيظ والغضب على أي شخص لمجرد أنه له رأيه الخاص أو لا يريد أن يكون تابعاَ لهم يدور في فلكهم.


صفات الشخصية النرجسية:

- يعتقد بأنه فوق الجميع وفوق كل نقد (لأنه لا يرى انه يقوم بأخطاء... بقناعته أن من هم الآخرون حتى ينتقدونه (...

ولذلك فالمشكلة الكبرى لدى النرجسي انه لا يدرك انه مريض ويحتاج علاج وتغير على الرغم انه يلاحظ جفاء الآخرين وابتعادهم عنه  ...لأنه يرجع السبب بذلك لسلوكهم هم وليس له هو.. وهذى حاله في غاية الخطورة ..

- أن الشخص النرجسي منغمس مع الآخرين ومندمج معهم ويعاملهم كما لو كانوا امتدادا له.

- تعبر النرجسية عن إحدى مراحل النمو التي يمر بها جميع الأفراد ففي السنة الأولى من العمر نجد الطفل الصغير متمركزا حول ذاته (حيث يكون هو المركز) وبعد عدة سنوات ينتقل ليتمركز حول الآخرين أي يبدأ الإنسان بحب ذاته ثم حبه للآخرين.

- الاستغراق في الشؤون الداخلية بدرجة كبيرة

- الهدوء المتكلف أو المصطنع، وإظهار تكيف اجتماعي كبير يغطي تشويه عميق في العلاقات الداخلية مع الآخرين

-  الطموح الزائد بأي ثمن...

-  الشعور بالعظمة مع مشاعر شديدة بالنقص جنباً إلى جنب...

- اعتماد كبير على الإعجاب الخارجي وهتاف الاستحسان...

- الشعور بالملل والضيق والفراغ..

- الرغبة المستمرة في البحث عن الألمعية والقوة والجمال من أجل الإشباع...

-  عدم القدرة على الحب والتعاطف مع الآخرين...

- الحيرة المزمنة وعدم الرضا عن النفس...

- استغلال الآخرين وعدم الرأفة بهم...

- حسد شديد ومزمن ودفاع عن هذا الحسد مثل تحقير الآخرين والقدرة المطلقة...


ويميل النرجسيون نحو إعطاء قيمة عالية لأفعالهم وأفضالهم والبحث عن المثالية في آبائهم أو بدائل آبائهم من حيث المركز والعطاء...


ملخص للمعايير السلوكية التي تميز الشخصية النرجسية:


- المعنى المتعاظم لأهمية الذات أو الانفراد (كالمبالغة في المواهب والإنجازات والتركيز على أهمية الإنجازات الشخصية(

- الانشغال بأوهام النجاح غير المحدودة والقوة والألمعية

-  الاستعراضية وحب الظهور: كطلب الفرد الانتباه إليه والإعجاب به بصفة مستمرة من الآخرين

- اللامبالاة الباردة أو المشاعر المميزة للحنق والدونية والضحالة في الاستجابة للنقد وعدم الاهتمام بالآخرين ومشاعر الهزيمة

-  توقع الفرد أن يكون المفضل دائماً بغض النظر عن تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه، مثال ذلك الدهشة أو الغضب من أن الناس لا يفعلون ما يرغبه.

- استغلال العلاقات بين الأشخاص: كالاستفادة من الآخرين في إشباع رغباته أو تعظيم ذاته، وعدم الاكتراث بالتكامل الشخصي وحقوق الآخرين.

- تذبذب العلاقات على نحو مميز بين الإفراط في المثالية وإبخاس الذات.

- الافتقار إلى التعاطف: كعدم القدرة على التعرف على ما يشعر به الآخرون.

 

___________

مقتبس من الإنترنت

عن الدكتورة "منى عرب"

http://www.shabablek.com/vb/t46571.html



أما الدليلالتشخيصيوالإحصائي الرابع المعدلللاضطرابات النفسيةالخاص بجمعية الطب النفسيالأمريكية DSM-IV-TR  American Psychiatric Association، فيعرف مشكلة النرجسية، كالتالي:

 

أنها طراز ثابت من العظمة (في الخيال أو السلوك) والحاجة إلى التقدير والافتقار إلى القدرة على التفهم العاطفي Empathy، يبدأ في فترة مبكرة من البلوغ ويظهر في مجموعة متنوعة من السياقات، كما يستدل عليه بخمسة، على الأقل، من المظاهر التالية (بمعنى إنه بالرغم من أننا قد نجد بعض الملامح النرجسية في كل من يعاني من اضطراب نفسي إلا أننا لا نستطيع تشخيص أي منهم باضطراب الشخصية النرجسية إلا إذا توافرت فيه خمسة على الأقل من إجمالي التسعة الظواهر المميزة لهذا الاضطراب، كما هو موضح هنا):

- لديه شعور عظمة بأهمية الذات (مثال: يبالغ في الإنجازات والمواهب ويتوقع أن يُعترف به كمتفوق دون أن يحقق إنجازات مكافئة.)

- مستغرق في خيالات عن النجاح اللامحدود أو القوة أو التألق أو الجمال أو الحب المثالي.

- يعتقد أنه «متميز» وفريد ويمكن فهمه، أو يجب أن يُصاحَب فقط من قبل أناس مميزين أو من طبقة عليا أو من قبل مؤسسات خاصة.

- يتطلب تقديراً مفرطاً.

- لديه شعور بالصدارة (التخويل) Entitlement، أي، التوقعات غير المعقولة عن معاملة تفضيلية خاصة أو الامتثال التلقائي لتوقعاته.

- استغلالي في علاقاته الشخصية، أي، يستغل الآخرين لتحقيق مآربه.

- يفتقر إلى القدرة على التفهم العاطفي: يرفض الاعتراف أو التماهي بمشاعر وحاجات الآخرين.

- غالباً ما يكون حسوداً للآخرين أو يعتقد أن الآخرين يكنّون له مشاعر الحسد.

- يبدي سلوكيات أو مواقف متعجرفة ومتعالية.

 

اكتشاف المرء نرجسيته (مقال هام لإريك فروم)

وفقاً لفهمي، فإن الشخص النرجسي هو الشخص الذي لا يكون الواقع عنده إلا الذي يجري ذاتياً. فأفكاره وأحاسيسه وما إلى ذلك يراها حقيقية؛ وتمثّل الواقع. ولذلك فالطفل الصغير يكون نرجسياً إلى أبعد الحدود لأنه في الأصل لا يوجد عنده واقع في الخارج بعد. والمريض الذُّهاني نرجسي متطرف لأن واقعه الوحيد تشكله تجاربه الداخلية. وجُلّنا نرجسيون إلى هذا الحد أو ذلك، أي أننا منجذبون قليلاً أو كثيراً إلى ألاّ نحسب حقيقياً إلا ما هو في داخلنا، لا ما يشير إلى شخص آخر.


والحالة النرجسية تعني هنا أن كل شيء يخصّني ـ فكري وشعوري وجسدي وميولي ـ إن كل ذلك هو حقيقي، وبقية العالم التي لا تتعلق بي ليس حقيقية، ليس لها لون، غبشاء، وليس لها وزن. فأنا أقيس بمقياسين مختلفين كل الاختلاف: ذلك الذي هو لي، ويعود إليّ، وهو رأيي، المكتوب بحروف كبيرة، وذلك هو اللون، وذلك هو الحي. وأشعر لأنني أقول ذلك أجعله حقيقية، وليس عليّ أن أملك البرهان. فأنا مشغوف بنفسي، أي بعملي، بأفكاري. ولكن ما هو في الخارج فإنه لا يخلق أي انطباع، وأكاد لا أشعر به.

والمثال التالي متكرر كثير، وهو في الحين ذاته مثال جيد على السمات الأخرى للنرجسية. خذ على سبيل المثال رجلاً متزوجاً ويحتاج إلى أن تكون لـه علاقات غرامية عديدة. إنه يتوقع أن تكون زوجته مبتهجة عندما يأتي ويخبر زوجته عن كل الفتوحات العجيبة التي قام بها. وهو يأتي إلى المحلل ويقول:"انظر، إنها لا تحبني، لأنها بدلاً من أن تكون سعيدة بخصوص فتوحاتي ومهتمة بما أقوم به وكيف تقع الفتيات الكثيرات في حبي، لا تُبدي أي اهتمام." وتُظهر الحجج السخيفة لهذا الرجل كيف أنه لا يعيش إلا تجربة نفسه، ما يتعلق به، أي هو سعيد جداً لأنه يحتاج إلى ذلك النوع من الشيء، ولكنه عاجز تماماً عن رؤية واقع زوجته، أي أنه من الطبيعي تماماً ألا تكون سعيدة بذلك. ولو كان من شأنها أن تقعد في صمت وتستمع إلى قصصه وهي شديدة الابتهاج بها لكانت عُصابية لأنها كانت ستتصرف مثل أم وتنظر إلى الرجل كأنه صبي صغير يخبرها بمغامراته، وكم مباراة ربحها في كرة القدم.

والشخص النرجسي يعيش على تغذية نرجسيته. والنرجسي شخص مضطرب للغاية لأن كل مشاعره ليس لها أساس، وليس لكل هذه الأشياء أساس في الواقع. إنه ينشئ عبارة ولكن هذه العبارة لم تُنجز بعدَ تفكرّ، ولم ينجزها تفّطن، أو عمل، أو تماسّ بالمادة، بل ببساطة لأنه ينشئها. إنها عبارته ولأنها عبارته  فهي صحيحة. ولكنه في أمسّ الحاجة إلى أن تتأكدّ نرجسيته لأنها عندما لا تتأكد يبدأ الشك في كل شيء. إذن من هو؟ فإذا كانت عبارة النرجسي صحيحة لأنها عبارته، فإنه لا يستطيع أن يتراجع ويقول: "طيب، سأنشئ غيرها في مرة قادمة." وعلى سبيل المثال: إن شخصاً قال في إحدى الحفلات شيئاً ما، إنه قد يكون شديد الذكاء، وقد كان محطّ إعجاب دائماً. ثم قال شيئاً فيه غباء، أو ارتكب خطأ واكتشفه الناس. قد لا يكون الأمر بذلك السوء، ولكنه سيقع  في اكتئاب عميق. إن درعه قد تمّ اختراقه، لأنه يفقد الإيمان بروعة كل شيء يعمله. وبما أن وجوده الكلي، أمنه الكلي، ليست لـه جذور إلا في اقتناعه، اقتناعه الشخصي، فإذا التقى شخصاً انتقده أو نظر إليه بخيبة أمل، فإنه يشعر بأنه مهاجَم. وعندئذ يتمّ اختراق نظامه الكلي من الاعتقاد بالذات وتضخم الذات وسيصاب بالاكتئاب الشديد أو يستشيط غضباً.

وليس هناك استشاطة غضب أشد من إيذاء نرجسية الشخص النرجسي. إنه سوف يغفر كل شيء إلا إيذاء نرجسيته، وذلك بالفعل أمر على المرء أن يتذكره دائماً. ويمكن أن تفعل مع النرجسي أي شيء تقريباً، ولكنك إذا اخترقت نرجسيته أو آذيتها فسيصاب بالغيظ وسواء في ذلك إظهاره و إخفاؤه، وسيكون لديه شعور بالرغبة في الانتقام لأن ذلك يكاد يشبه قتله.

والناس الذين هم نرجسيون جداً كثيراً ما يكونون جذابين جداً لأن الشخص منهم شديد التمكّن من نفسه. وهم ينزّون بالثقة بالنفس. والنرجسي جذاب، ولنقل إن الفتاة تقع في حبه وتُعجب به لأنه متمكّن من نفسه كثيراً ـ ولا أحد متمكّن من نفسه مثله. وإذا لم يكن الشخص نرجسياً فإنه لا يستطيع أن يكون واثقاً بنفسه، وبأي شيء. وبعد بضعة أشهر تعتقد أنه مخطئ في أمر ما وتنتقده. وفي هذه الآونة فإن السبب الكلي الذي يجعله يحبها هو: أنها أُعجبت به أكثر مما أعجبت الفتيات الأخريات. وذلك هو الخيار غالباً، فهناك منافسة الإعجاب، وهكذا كانت أكثر المعجبات به والآن تقوّض الوضع كله بانتقاده. وذلك يعني عنده:"إنها لا تؤمن بي، إنها خطرة، إنها تهديد." وسيكون لـه أي نوع من رد الفعل: فقد يكون شديد البذاءة بحيث لا تجرؤ على تكرار ذلك، أو قد يهجرها، والشكوى المألوفة هي أنها لا تفهمه. والشكوى من أن ذلك الطرف لا يفهم الطرف الآخر هي الشكوى النموذجية، ولاسيما بالنسبة إلى النرجسيين، لأنهم يعتقدون أنهم غير مفهومين.


ومع ذلك تتفاوت درجة نرجسية الناس تفاوتاً كبيراً. وتجد أناساً نرجسيين إلى أقصى الحدود من دون أن يكونوا مخبولين ومن دون أن يكونوا مجانين. والشخص الذُّهاني منسحب من العالم كثيراً لأنه قد ناله منه أسوأ الأذى. ولكنه كذلك حسّاس تجاه الناس أكثر بكثير من الشخص النرجسي غير الذُّهاني. الذي يكون في جلّ الأحايين غير حسّاس لأنه غير قادر على الرؤية، وعلى المعرفة، وعلى النظر فيما يجري في الشخص الآخر.

والشخص النرجسي جداً شديد التيقّن لأنه لا يهمه كيف هي الأمور. وهو يستطيع أن يتكلم بيقين لأن كل يقينه يرتكن على ما يعتقد به. وإذا كان ذلك ما يعتقد به، فهو صحيح. ولنقدم مثالاً على ظاهرة من ظواهر البارانويا: لنقل إن شخصاً يفكر في شخص آخر هو عدوّه، أو يبغضه. وقد يكون هذا صحيحاً تماماً.وقد يصل به الأمر في بعض الأحيان إلى أن يكون خائفاً من أن يؤذيه الرجل بعض الأذى. فما هي ردة فعل المصاب بالبارانويا؟ إنه يكون مقتنعاً أن الرجل يخطط لقتله، وهذا الاقتناع لا يتزعزع لأنه اهتدى إلى خبرة إحساسه الذاتي، التي هي عنده حقيقة واقعة. تلك حقيقة، ولذلك فهو يؤمن بالحقيقة لأن أحاسيسه الذاتية بعداء الآخر وجيهة وجاهة الحقيقة، ولا يدخل الواقع في تلك الصورة.


إن فهم النرجسية هو أحد المفاتيح لفهم تصرفات الناس غير العاقلة، ولفهم الإنسان لنفسه؛ وردود الفعل غير العاقلة هي إلى حد كبير أساسها الظواهر النرجسية. وتحليل شخص شديد النرجسية أمر صعب للغاية لأنه نسبياً لا يدانيه أحد. وهو في العادة يستجيب بقوله إن المحلل أخرس، عدواني، حسود، غبي، وأي شيء للفرار من الإحساس بأن عظمته غير مصونة، لأن المحافظة على صورته وإبقاءها في حالة حسنة أمر شديد الحيوية بالنسبة إليه. ولذلك فهو أمر لا يمكن أن يتمّ إلا بحذر شديد وبطء شديد.

إن درجة النرجسية تتباين إلى حد كبير. وإنك لتجد أناساً نرجسيين من دون أن يكونوا مخبولين، ومن دون أن يكونوا مجانين. مع ذلك تجد بين من هم ليسوا مجانين، وفضلاً عن النرجسيين إلى أقصى الحدود، أناساً ليست نرجسيتهم أقل بكثير من ذلك ويستطيع كل إنسان بالملاحظة الذاتية وبالمقارنة وبملاحظة الآخرين أن يتحقق من نرجسيتهم. ومن المستحيل أن يتحدث المرء عن النرجسية نظرياً من دون أن يكون قد خبرها في نرجسيته، أو أن يكون قد رآها بوضوح في شخص آخر، ولكن على نحو يمكن فيه أن يراها حقاً لا أن يسميها فقط. ولولا هذه الخبرة لا معنى للتحدث عنها لأن المرء يتحدث عن الجانب الآخر من القمر.

والنرجسية مشكلة عصيبة من مشكلات النشوء الإنساني. وبإمكانكم إجمال كل التعاليم، سواء أكانت بوذية أم يهودية نبوية أم مسيحية أم إسلامية، أو أن تأخذوا بعد ذلك بقول من المذهب الإنساني ـ فيمكن القول إن ما يقول به كل ذلك ماهوياً هو أن تتغلّبوا على نرجسيتكم. إن ذلك هو ابتداء الحب كله، والأخوة كلها، لأنه في هذه النرجسية يغترب الناس بعضهم عن بعض. وتختلط النرجسية بحب الذات. وفي التراث الفلسفي تجدون بأشد الوضوح أن النرجسية أو التمركز حول الأنا شيء مختلف كل الاختلاف عن حب الذات. لأن حب الذات حب، وفي الحب فإن مسألة من هو موضوع حبي لا تُحدِث أي اختلاف.

إن على الإنسان أن يكون لـه موقف إيجابي محب من نفسه. والمتمركز حول الأنا هو في الواقع شخص لا يحب نفسه، وهو شخص جشع. وعموماً فإن الجشِع هو الشخص الذي لا يشبع. والجشَع هو نتيجة الإحباط العميق على الدوام. والشخص الذي يشبع ليس جشعاً، بخصوص القوة أو الطعام أو أي شيء سواهما. والجشَع هو نتيجة خواء في الداخل على الدوام. وذلك هو السبب في أنك تجد الناس الذين هم قلقون جداً أو مضغوطون، مثلاً، يبدؤون في تناول الطعام بصورة اضطرارية، استحواذية، لأن لديهم إحساساً بالخواء.

وإذا أراد كل شخص أن ينشأ وينمو حقاً، فيجب أن تكون إحدى محاولاته التعرّف بنرجسيته. على المرء أن يحاول ذلك. فأنت تتعرّف بها ببطء، وببطء تقوم بخطوة جيدة، خطوة إلى الأمام، وإذا ازداد تعرّفك، فذلك هو الأفضل. ولكن التعرّف بها صعب للغاية لأنك قاضي نفسك، أي أنك تعتقد بما تفكر، ولكن من سيصحح لك؟ من الذي سيظهر أنك على خطأ؟ فمن زاوية نظرك لا تشعر بذلك، فأنت لا تملك علامة توجّه.



إريك فروم

من كتاب "فن الإصغاء"

 

 

 

التعليقات  

#1 ميلاد وليم 2010-09-04 05:27
[مقالة هايلة كل الناس نرجسيين ماعدا أنا اعمل ايه وسط جحافل النرجسيين الى حواليا..هاهاهاه ا بس بجد حلوة..شكرا
#2 ملكه عزيز 2010-09-15 06:59
مقاله هايله لكن كان يفضل يركز علي انواع النرجسيه أو النسب المتفاوته بين النرجسي بزياده والنرجسي أقل ويتكلم عن كيفية التعامل معاه وبيتعالج ولا مفقود ألآمل في علاجه يعني شوية تفاصيل تفيد الحاله لكن شكرا علي المجهود
#3 وائل وديع 2012-03-06 03:00
بالطبع اشكرك جداً على هذه المقالة الرائعة التي آشعر آنها آنقذتني من حيرتي تجاه تصرفات شخص قريب لي فهي تقريباً ٩٠٪ من هذه السمات. وكنت في حيرة لسبب ان هذا الشخص كنسي، ولم نتعلم في كنائسنا أن ننعت مثل هؤلاء بصفة النرجسية ونواجهها لئلا نُنعت بصفة الإدانة. واستطيع أن آقول ان النسبة من هؤلاء تضخمت جداً -في كنائسنا- والسبب أولاً عدم ثقافتنا ودرايتنا وثانياً نقص الشجاعة في المواجهة -والإثنين أسوأ من بعض-. لكن ينقص هذا المقال بعض الحلول أو بمعنى أصح طرق للتعامل مع النرجسي وطرق لمساعدته على الأقل في رؤية نفسه وطلب التغيير.

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا