أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


إن التفاؤل محاول للرضا عن النفس، وعن وسائلها في الحياة بكل ما سوف تؤدي إليه من نتائج. إنه جبن وبحث عن العزاء المريح. إنه مجاملة بأسلوب ما، لشئ ما.

إن التفاؤل فرار من وقاحة الحقيقة، ومن ألم الإحساس بها.

إن التشاؤم الهدام ليس تشاؤما ً، إنه خوف قتال أو هزيمة كاملة.

أما التشاؤم، فإنه رؤية للواقع بكل ما فيه من وحشية، إنه اعتراف بهذا الواقع، وتحدث عنه بجسارة.

إن الجماهير تنقاد للذين ينشرون فيها فلسفة التفاؤل وتهبهم إيمانهم وقيادها. إنها تريد وتشتهي أن تنخدع لهم لأنهم يريحونها.

إنه إذا نزل السوق داعيتان: داعية تفاؤل، و داعية تحذير، يتحدث عن أن كل إنسان لابد أن يموت، لابد أن يشيخ، عن أن كل إنسان ممكن أن يتعذب، أن يهزم، أن يفقد أسنانه. فمعروف جدا ً من الذي سوف يجلسه السوق على عرشه.

ما أقسى الطبيب الذي يقول كل الحقيقة لمرضاه.. ما أقل الذين يؤمنون حينئذ ٍ بتقواه أو بنبوته أو بقيمته، أو بمعرفته لعمله.

إن من يدعون إلى البقاء تحت سفح الجبل سيلقون أتباعا ً أكثر من الذين يدعون إلى صعود القمة الخطرة.

إن الذين يبشرون بالأوهام السهلة، يكونون أنبياء أكثر من الذين يأتون بالمعجزات.

إن الحياة احتمال دائم، و كذا الحقيقة.

إن الحقيقة ليست هي إذن أن نتفاءل فقط. إن التفاؤل ينقلنا من أن نبقى احتمالا ً، إلى أن نتحول قدرا ً.

ليس معنى التشاؤم الاستسلام و البكاء. إن معناه تقوية الجسور، و البحث عن الوجه الآخر من الكون، ومن الحياة، ومن الناس.

إن التفاؤل قد يهبنا الراحة، و لكنه لن يهبنا الحقيقة. قد تكون راحة المتفائلين كراحة المخدرين، قد تكون راحة تؤدي إلى التعب والضعف.

إنني لا أدعو إلى التشاؤم الكئيب.

إنني أدعو إلى رؤية الحقيقة بكل احتمالاتها وأخطارها، مع الابتسام والغناء إذا كان ذلك مستطاعا ً.

إنني أدعو إلى التفكير المتشائم  والحياة المتفائلة.. أدعو إلى أن نتشاءم إذا فكرنا وإلى أن نتفاءل إذا مارسنا الحياة.. إذا مارسنا الحب.. إذا مارسنا النوم.. إذا مارسنا علاقاتنا بالآخرين.

والكتـَّـاب الأردياء يختارون دائما ً الوسيلة السهلة المألوفة. يختارون أن يغنوا للنائمين ، بدل أن يوقظوهم أو يحركوهم. لقد وجدوا أن أيسر ما يصنعون أن يغمدوا قراءهم في أنفسهم، أن يحولوا شهوات الحياة فيهم إلى أحقاد و آمال لا تتعب من الانتظار.

والكاتب في الأغلب، متهم بأنه يختار الطريقة المضللة المريحة. إنه لا يعلم قراءه.. إنه يخدعهم.. إنه يعلمهم أنهم أذكى الناس وأقواهم، و أشرفهم و أعرقهم فضيلة، وأنفذهم في وعى الأمور، وأنهم منتصرون وصائرون إلى جميع ما يشتهون، وأنهم مبرءون من العيوب، وأن كل حقائقهم حقائق خالدة.

إنه ليزعم لهم أن الله وأن الطبيعة لم يوجدا ولم يقبلا وجودهما إلا لكي يعملا من أجلهم. إنه ليزعم لهم أن الله والطبيعة لم يقبلا عبقريتهما إلا لكي يصباها في أنهار شهواتهم و تفاهاتهم.

إنه يزكي من غير وقار، مشاعرهم وأوهامهم بكل ما فيها من ضغينة وصغار، و ضلالة  وعقم.. إنه يملأ الزقاق الفارغة بالهواء الفاسد.. إنه لا يترك لهم فرصة لاستنشاق الهواء النظيف.

إنه يكرر قراءه على أنفسهم.

إنه لا يقطع لهم من ذاته شيئا ً، ولعله لا يملك شيئا ً يمكن أن يقطعه لهم. إن تكراره لهم يجعله يضربهم في أنفسهم، فيعطي النتيجة التي يعطيها ضرب أرقام معينة في أرقام مثلها.

إنه يضرب أحقادهم في أحقادهم.. إنه يضرب أوهامهم في أوهامهم، وضعفهم في ضعفهم، و تفاؤلهم في تفاؤلهم، وثقتهم بأنفسهم في ثقتهم.

إنه إذن لا يغيرهم.. إنه يضاعف حماسهم لبقائهم في طفولتهم، في هوانهم وآلامهم.

كان الشاعر القديم ينافق الحاكم وحده.

أما الكاتب الحديث، فينافق الحاكم و الجمهور معا ً.. إنه يقول لكل منهما ما يريده، لا ما يغيره أو ما يصدمه. لهذا أصبح الكاتب أشد احتياجا ً إلى النضال ضد الصدق. لقد أصبح الكاتب في الأغلب أحد أعداء الحقيقة الشرسين.

سيرى الطيبون أن هذا تشاؤم.. إنه تشاؤم هدام.

نعم، إن رؤية الحقيقة والتعبير عنها بقدر ما فيها من قسوة و كآبة، كان يعد دائماً تشاؤما ً.. إنه تشاؤم.. إنه تشاؤم. نعم إنه كل التشاؤم. إن الحقيقة هي دائما ً تشاؤم.. إن الحقيقة هى أقسى مستويات التشاؤم. إن أي متشائم هو أقل تشاؤما ً من أية حقيقة متفائلة.

لهذا كان الإنسان يهرب من رؤية الحقيقة. كان يصنع الأقنعة الكثيرة الواقية من رؤيتها. لقد كانت أكثر عقائده ومثالياته و فلسفاته، أساليب مختلفة من هذه الأقنعة. كان الإنسان يكذب ضد نفسه على نفسه.. كان يحول هذا الكذب إلى شرائع و فضائل.. كان يصلها بأبعد حدود الأزل.. كان يفسر كل شئ تفسيرا ً مريحا ً لأعصابه ومخاوفه و ضعفه. إنه لم يكن ينظر إلى الأشياء كما هى، بل كما يريد ويستريح.

المتفائلون يرون الأشياء بأمانيهم.. إنهم لا يرونها بعيونهم، بصورها.

أما المتشائمون فإنهم أيضا ً يرون الأشياء في أنفسهم، من خلال أنفسهم؛ و لكنهم لفرط إحساسهم يرونها رؤية أقرب إلى إدراك عيوبها وعاهاتها، إلى إدراك الآلام المخبوءة فيها.

إنه لهذا كان المتشائمون في الغالب أصدق حكما ً على العالم من المتفائلين.

التفاؤل يخلق أحيانا ً الغباء والهوان، والتواضع والانتظار لما يكون. أما التشاؤم فقد يبدع الاختراع والتجديد، والقوة والخيال، لأنه خطر وقلق، و تطلع وتخط لما كان، و كراهة لما هو موجود. إن التشاؤم نقد عنيف.. إن أي تشاؤم لن يكون أكثر مما في العالم؛ لهذا هو دائما ً صادق. أما التفاؤل فهو دائما ً أكثر مما في العالم؛ لهذا هو دائما ً كاذب.

لقد أعطى المتفائلون الأحلام الجميلة، وأعطى المتشائمون الحضارات والفلسفات والاحتجاج.

إن التفكير المتشائم ليس خطرا ً على الحياة، و لا على الإبداع فيها أو الافتتان بها؛ وإنه كذلك ليس خطرا ً على الإنسان. إنه مهما جاء الفلاسفة المتشائمون، ومهما أبدعوا في تحقير هذا الوجود والزراية به وبمن فيه، فسيمضون في طريقهم دون أن يضعفوا من حب الإنسان لأخطائه، لنقائصه، لتفاهاته، لآلامه.. و بدون أن يضعفوا من العلاقة بين البشر والأرض.

إن علاقة البشر بالأرض، بأوحالها، لن يضعف غوايتها أى متشائم. كما لم يضعفها جميع مواكب الأنبياء و المعلمين الذين جاؤوا ليحاربوا الأرض، لكي ينصروا عليها السماء.

لقد جاء الأنبياء يبصقون على الدنيا، على كل عبقرية فيها.. لقد جاؤوا ليحولوا كل شئ إلى مناحة. . لقد جاؤوا ليلعنوا كل ما كان وكل ما سوف يكون.. ليرجموا الإنسان كحشرة كافرة ذليلة بكل شهب السماء وغضبها؛ فماذا حدث..؟

إن الناس لا يرهبون التشاؤم لأنه عقلي، ولكن لأنه تحذير. إنهم يرحبون بمن يقول لهم اطمئنوا، لا بمن يقول لهم احذروا. إن الحذر التزام .. إن التحذير تكليف وإلزام. أما الاطمئنان فتخل عن الالتزام؛ لهذا كانت الدعوة إلى التفاؤل رشوة يقدمها الزعماء والمعلمون إلى السوق الباحثة عن الاطمئنان.

إن التشاؤم هو أن ترى الليل وأنت في النهار، و أن ترى الموت وأنت في الحياة، وأن ترى الشيخوخة وأنت في الشباب، و أن ترى الخطر وأنت في الأمن، و أن ترى الخطأ وأنت في الصواب.. هو أن تستوعب الأشياء في إحساسك و تفكيرك استيعابا ً محيطا ً.. أن ترى كل الأشياء منظرا ً واحدا ً.. أن ترى الشمس حينما تكون طالعة، وحينما تكون غائبة ومتلاشية، منظرا ً واحدا ً ممتدا ً. إن الذين لا يرونها إلا حينما تكون طالعة، هم إما أغبياء وإما جبناء.

التشاؤم لا يعني كره الحياة أو الإنسان، بل فهمهما، والعطف عليهما، والدفاع عنهما.

عبد الله القصيمي

من كتاب "صحراء بلا أبعاد"

التعليقات  

#1 منى يعقوب 2010-05-13 21:16
لاأعتقد ان الانسان فى معترك هذه الحياةالقاسية فى حاجة الى من يذكره بالظلام وهو يرى النهار. فابن آدم فى معاناة مستمرةمنذ نعومة أظافره وهو فى احتياج حقيقى لمن يذكره أنه فى وسط هذه الظلمة الحالكه التى يعيشها هناك نهار آت وان ظنه بعيدا سوف يأتى يوما لكى يستطيع هذا الانسان التعس ان يعيش على الرجاء والأمل. فرفقا ياعبد الله بعبيد الرحمن

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا