أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

هل العربي يقرأ؟ هل في تاريخه أنه كان يقرأ؟ هل في حياته أنه يقرأ؟ هل في أخلاقه أو مزاجه أو شهوته أو في منطقه أنه يقرأ، أو أنه يمكن أن يتحول إلى قارئ؟ ولماذا يقرأ ولماذا يفهم أنه يجب أن يقرأ وما معنى أن يقرأ؟ أيهون العربي ويضعف ويضل ويفقد مزايا البداوة والفروسية ليكون قارئاً؟

إن تحول العربي إلى قارئ طعن في أصالته العرقية. إن أصالة العربي تمنعه من أن يكون قارئاً.

إن العرب لا يقرءون ولا يكتبون ولا يحسبون، ومهما قرؤوا وكتبوا وحسبوا فإنه لا يقرؤون ولا يكتبون ولا يحسبون. إن القراءة والكتابة والحساب ليست تعليماً على القلم والقرطاس. إنها أصعب وأكبر من ذلك كثيراً. إنها ليست تعليماً لليد والعين إنما أغلى من ذلك وأعمق تفسيراً.

إن القراءة والحساب والكتابة ليست أرقاماً أو أقلاماً أو صفحات تكتب أو تقرأ، إنها ليست أيادي تتحرك ولكنها – أي الكتابة والقراءة والحساب – إنسان يعاني ويعبر في معاناته عن مستويات عقلية وفكرية وأخلاقية ونفسية وفنية صعبة، صعبة جداً. إنها أي الكتابة والقراءة والحساب إنسان قليل جداً، إنها إنسان صعب جداً، صعبة شروطه وصفاته ومعاناته – إنها إنسان صعب وجوده.

إن القراءة والكتابة والحساب ليست تعليماً ولكنها إنسان يجئ ضد التعليم والتعاليم ليتخطى التعليم والتعاليم.

إنهم قليلون جداً في العالم الذين يقرؤون ويكتبون ويحسبون مهما أصبح كل من في العالم قارئاً كاتباً حاسباً. إن أكثر من يقرؤون ويكتبون ويحسبون إنما يقرؤون ويكتبون ويحسبون ضد القراءة والكتابة والحساب ولكيلا لا يكونوا قارئين وحاسبين. إنهم ليسوا فقط غير قارئين وغير كاتبين وغير حاسبين، بل إنهم قارئون وكاتبون وحاسبون لئلا يكونوا قارئين أو كاتبين أو حاسبين.

إن الناس قد يفعلون الشيء بأسلوب لئلا يفعلوه بأسلوب آخر، أو ليقاوموه بأسلوبه الآخر أو بكل أساليبه الأخرى.

أما العرب فصعب أن يوجد شعب يتفوق عليهم في أنهم قوم يقرؤون ويكتبون ويحسبون لكيلا يكونوا قارئين أو كاتبين أو حاسبين – أي إذا أصبحوا يقرؤون ويكتبون ويحسبون حقيقة.

إن كتّابهم ضد الكتاب، ضد معنى الكتابة، إنهم كتّاب يقاومون كل تحليقات الكاتب ونياته ومخاطره، ويقاومون موهبته ونظافته وصدقه وشجاعته وذكاءه وحريته وكل معانيه وتفاسيره وأخلاقه. إنهم كتّاب يحاربون الكتابة بمعناها الحضاري. إنهم أكثر محاربة للكتابة من كل الناس من كل الذين لا يكتبون.

إن الكاتب العربي نقيض شامل لكل معاني الكاتب المطلوبة أو المفروضة أو في مستوياتها الحضارية والإنسانية.

إنه لا أحد يقاوم الكتّاب بمعناهم الحضاري أكثر من الكتّاب العرب إنه لا أحد يتفوق على الكاتب العربي في مقاومته للكتاب الذين يكتبون بمستوى حضاري.

إن كل ما كتبه العرب ليس إلا رفضاً للكتابة وللكاتب وعقاباً لهما. لقد كانت أقلامهم أسلحة يقاتلون بها الكتاب المتحضر.

أما القارئ العربي فإنه يقرأ – إذا قرأ، أو لو قرأ – لئلا يكون قارئاً، إنه يقرأ بلا قراءة، إنه يقرأ – أي لو قرأ، وهذا قليل جداً – ليقاوم القراءة وليعاديها. إنه لن يكون قارئاً مهماً قرأ، وإنه لن يقرأ ما يستحق القراءة لو قرأ. هل حدث في أي عصر أن قرأ أي عربي ليكون قارئاً، ليكون مستجيباً لمعاني القراءة أو لأخلاق القارئ؟

إن القارئ العربي لا يقرأ، ولو قرأ لما قرأ ليقرأ، ولو قرأ ليقرأ لما قرأ ما تنبغي قراءته.

إنه لافتضاح في قدرته على القراءة وفي رغبته فيها، وإنه لافتضاح في حوافز القراءة فيه وفي معناها فيه وفي تأثيرها فيه، وفي فهمه لها، وفي أدائه لها، وإنه لافتضاح في نوع ما يقرأ.

إنه افتضاح، افتضاح، افتضاح.

أما الحساب فما أصعب وأبعد أن يصبح العربي حاسباً، إنه فاقد لكل موهبة الحساب وأخلاق الحاسب.

إن كل الأشياء تحكمها وتحركها حسابات ذاتية وحسابات كونية. إن كل الأشياء تعيش وتتعامل وتتصادم وتتلاقى وتتناقض، وتبقى وتزول بهذه الحسابات الذاتية والكونية. إنه لا شيء بلا حسابات في ذاته ومع ذاته أو بلا حسابات مع غيره وفي غيره. إن العربي لا يعرف هذه الحسابات في ذات الأشياء وفي العلاقات بين الأشياء، إنه لا يعرف هذه الحسابات في ذاته هو ولا في علاقات ذاته بالأشياء. إن الحساب ليس عداً للأشياء ولا قراءة لها، ولكنه خلق وفهم لها وتوافق وتناقض وتعامل معها وبها.

إن الأشياء ليست أعداداً ولكنها تبدو مثل أعداد وتجيء في صيغ أعداد. إن العدد ليس منطق الشيء ولا تفسيره ولا قيمته بل شكله.

إن الرقم لا يساوي الرقم وإنما يساوي ما يعني الرقم.

إن للأشياء أخلاقاً ومنطقاً وقوانين وأسباباً وحوافز وأهدافاً، وإن فيها لذكاء وغباء وقبولاً ورفضاً وحباً وبغضاً.. وإنها بذلك لأكبر وأكثر من أعدادها. إن الأشياء لا تساوي أرقامها، ولا تفسرها أرقامها.

إن الذين لا يملكون موهبة الحساب فإنهم مهما حسبوا أعداد الأشياء وقاسوا أبعادها وأحجامها وأوزانها فلن يستطيعوا أن يعرفوا حساباتها. إنهم لن يعرفوا ماذا يعني كونها بهذه الأعداد والأحجام والأوزان والأبعاد، ولا لماذا جاءت كذلك، ولا ما القوانين التي جعلتها كذلك، ولا ما العلاقات بينها، أو بينها وبينهم، ولا كيف يغيرونها، ولا ما احتمالاتها، ولا ما اتجاهاتها.

إن العرب لا يعرفون الحساب، إن الحساب ليس تعاملاً مع الأرقام، إنه تعامل مع أخلاق الأرقام ومع نياتها، ومع ذكائها وغبائها، مع عشوائيتها، ومع مسيرتها الأبدية الضاربة الضالة في التيه الأبدي.

إن الحساب ليس تعاملاً مع الأرقام ولكنه فهم لعشوائيتها وتفوق عليها ومحاسبة لها. إن الأرقام مهام كانت منطقية فإنها عشوائية. إن منطقها أسلوب فاضح من العشوائية. إن مجيئها بهذا المنطق الذي تخضع له لهو أعلى مستويات العشوائية. إن العشوائية ليست أخلاقاً في الأشياء ولا مواقف لها. إن العشوائية منطق في الأشياء، إنها أسبابها الأولى، أسبابها الخالقة المبدعة المنظمة. إن الأرقام هي أعنف أساليب الخروج على المنطق وعلى الحساب. إن الذين لا يفهمون عشوائية الأرقام، ولا يفهمون ما في عشوائيتها من منطق فإنهم لا يعرفون الحساب. إن الحساب هو أن تعرف العشوائية ثم أن تعرف منطق العشوائية. أن المعرفة لمنطق العشوائية لهي المعرفة لكل ما في هذا الكون من منطق وجمال وذكاء وقوة ومن أسباب أولى خالقة.

أي صديقي..

إنه يجب أن أقتنع بأنك لن تسير في قراءة رسالتي إلى هذا المدى لأنك عربي والقراءة شيء ليس عربياً ولا ينبغي أن تكون شيئاً عربياً. إن العربي لا ينبغي له أن يتورط في القراءة، لأنها أي القراءة قد تجعله يرى نفسه بلا إعجاب أو ارتياح أو سرور، ولأنها قد تجعله يشعر بأنه أقل ذكاء أو قدرة أو نظافة أو فضيلة أو مجداً أو سعادة أو حظاً مما يريد لنفسه، أو مما يجب أن يكون، أو يريد أن يكون، أو مما يزعم لنفسه أنه قد كان، أو كان آباؤه أو أربابه وأبطاله.

ولأنها أي القراءة قد تجعله يقتنع بأنه لا يستطيع أن يفهم ولا يستطيع أن يكون. بينما تطالبه القراءة بأن يفهم وبأن يكون، وتشعره بالتحقير والإهانة والنذالة إذا لم يستطيع أن يفهم وأن يكون.

إن القراءة قد تصبح تحدياً لإيمانه بنفسه وبمزاياه وبتفوقه وبآبائه وبتاريخه بل وبأنبيائه وأربابه.

إنني يجب أن أقتنع بأنك لن تستطيع أن تسير في قراءة رسالتي إلى هذا المدى لأنك عربي، ولأن القراءة قد تتحول إلى شعور بالتعري أو بالتخلف أو بالإذلال أو بالعجز أو بالذنب أو بالتلوث أو بالضآلة أو بالغربة النفسية أو العقلية أو الأخلاقية أو الدينية.

ولعل الكثيرين ممن يتجنبون القراءة أو يهابونها أو لا يجدون فيها المتعة والمسرات إنما هم محكومون بهذه الأسباب أو بأمثالها.

ولعلهم قليلون جداً أولئك الذين لا يجدون فيما يقرؤون ما قد يخيفهم أو يحقرهم أو يذلهم أو يهزمهم أو يصدمهم أو يتعبهم أو يتحداهم. إن القراءة قد تكون في معناها وفي الإحساس نحوها ليست إلا استعراضاً لقوة أخرى أمام قوتك، ولذات أخرى أمام ذاتك، وموهبة أخرى في مواجهة موهبتك. لهذا قد تشعر أنها أي القراءة أسلوب من أساليب ممارسة العدوان عليك والهجاء لك ورفع السلاح في وجهك وفي وجوه آبائك وأبطالك.

إن الكتاب الجيد الذي تقرؤه قراءة جيدة ليس إلا سلاحاً تطلقه على جميع معابدك وهياكلك وكتبك المنزلة بل وعلى وجودك.

إن من تقرا له ليس إلا إنساناً آخر يقف أمامك أو في وجهك، يقف بمزاياه أو برذائله. وليس من المحتوم أن ترى أنه يقف معك. إنك قد ترى أنه يقف ضدك إنه يقف حتماً ضدك متعمداً، مطلقاً أسلحته وجبروته عليك، على ذكائك، وعلى ثقافتك وموهبتك وعلى مذاهبك وأربابك وتاريخك وقومك، بل على شخصك وعلى شخوص آبائك وأنبيائك وأهلك.

إن القراءة ليست دائماً صداقة، ولا دائماً تعارفاً، ولا دائماً سلاماً، وإن الكاتب لا ينوى دائماً أن يكون كذلك.

إن قراءتك لكاتب جيد تعني أن كل جبهاتك ومراكزك قد أصبحت أهدافاً لكل الأسلحة الضاربة، الضاربة في كل اتجاه.

إن القراءة أعني القراءة بمعناها الكبير الصعب ليست إلا خطراً نفسياً وفكرياً وأخلاقياً وتاريخياً بين قوم يعادوننا أو يخصاموننا أو يشتموننا أو يهزؤون بنا ويحقروننا أو يرهبونا أو يتهموننا، أو يحدثوننا بلغة غير مقروءة أو منطوقة ولكنها مفهومة، عن ضعفنا أو عن بلادتنا أو عن جهلنا أو عن هواننا أو عن نفاقنا وأكاذيبنا. أو عن تلوثنا وتفاهتنا، أو عن الآلام والمخاطر التي من المحتوم أن نجدها أو أن تجدنا أو يطالبوننا بأن نكون ما لا نريد أو ما لا نعرف أو ما لا نستطيع، أو يروننا في أنفسنا ما لا نحب أن نرى أو أن نعرف، أو يذلون عقولنا لأنهم يكلفونها أن نفهم عقولهم وأن تبارزها وتتبارى معها وهي لا تستطيع ذلك.

وهل يمكن أن يكون العربي قاسياً وفظاً في معاملته لنفسه أو لعقله أو لأخلاقه أو لتاريخه إلى المستوى الذي يجعله يتحمل كل هذه المواجهات الصعبة التي يتحملها كل من يقرؤون ما يقرؤه المتحضرون بالأسلوب الذي يقرأ به المتحضرون، بالرغبة التي يقرأ بها المتحضرون، بالاقتحام الذي يواجه به المتحضرون ما يقرءون؟ إن قراءة المتحضرين والقراءة لهم لهول، لأشد الأهوال. إن قراءة المتحضرين تفوق على هذا الكون، وإن القراءة لهم مواجهة – مبارزة لهذا التفوق.

إن العربي لأكثر رحمة وبراً بنفسه وبعقله وبتاريخه وبأخلاقه وبمستوياته من أن يفعل بها كل ذلك، بل ولا بعض ذلك. وإن احترامه لأربابه ولمعلميه ولأنبيائه وآبائه، ليذوده ويزجره عن القراءة، عن أية قراءة، لأنه قد يكون فيها أي في القراءة ما يرجح على هذا الاحترام أو ما يتحداه أو ما يصنع الارتياب فيه. إنه يريد الإبقاء على مجده لأربابه وأنبيائه وآبائه لهذا يرفض القراءة.

إنه يخاف على أربابه وآبائه وأنبيائه من الهزيمة والتحقير ومن الشك فيهم ومن الاقتناع بتخلفهم. لهذا يخاف كل قراءة بل يقاوم كل قراءة.

نعم، إنه يجب على أن أقتنع بأنك أيها الصديق لن تبلغ هذا المكان في قراءتك لرسالتي هذه، لأنه يجب على أن أقتنع بأنك يجب ألا تقرأ شيئاً وبأنك معصوم من القراءة لأن القراءة قد تخرج بك على عروبتك وقد توهن من إيمانك بأشيائك.

إني مقتنع بأنك عربي وبأنك محترم لعروبتك. لهذا وجب على الاقتناع بأنك لن تقرأ رسالتي هذه لأنك لن تقرأ شيئاً لأن قراءة أي شيء تهديد لكل قصورك وقبورك ومحاريبك ولكل ابتساماتك وأغانيك لنفسك ولوجودك. إنك لابد أن ترفض قراءة الكلمات بقدر ما ترفض قراءه الأشياء. إن قراءة الأشياء لابد أن تتحول إلى عدوان على عروبتك بقدر ما تتحول قراءة الكلمات إلى مثل هذا العدوان. إن خوف الإنسان العربي من القراءة ليس استرخاء وبلادة فقط، بل وشهامة أي مخافة على أمجاده من الإهانة.

عبد الله القصيمي

من كتاب "أيها العار إن المجد لك"

بتصرف

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا