عرض/ تلخيص كتاب

إسم الكتاب : شجاعة الإبداع.

إسم المؤلف: روللو ماي.

إسم المترجم: فؤاد كامل.

دار سعاد الصباح - الكويت 1992

موجود بمكتبة الخدمة لدينا تحت رقم 2 /119 - التصنيف: "مشورة وعلم نفس"

 

نبذة مختصرة عن الكتاب:

 

هناك فرق بين الموهبة والإبداع, فالفنان الموهوب مرهف الحس, إلا أنه قد يفتقر إلى المواجهة التي تؤهله ليبدع, فالإبداع هو الفعل الحقيقي الملموس و بعض الفنانين يفتقروا لشجاعة الإبداع, والأسباب تتعدد, ففي الإبداع أنت تتلاقى وجهاً لوجه مع باطنك, وتنشأ حرب مستعارة داخل اللاشعور, تناجي فيها العدم للوجود, وتستخرج منها الموسيقى من الصمت, وتمارس نشاط أشبه بالخلق فيتزوج الشاعر اللغة وينجب القصيدة, التي تكون نتاجاً لمقابلة ذات الفنان مع موضوع في العالم, فيصب الفنان في بوتقة الموضوع نفسه وذاته وروحه, وينتج عملاً ملموساً لم يكن له وجود قبل أن يشرع فيه الفنان, زواجه للغة ليس مجازياً إذ هو يعيش معها ويناجيها وينحت فيها ليستخرج من سريان خياله الذي كنهر يميزه شكلاً محدداً كضفتي النهر يحدد الشكل الخارجي لموضوعه الذي سيراه الناس ويتأثروا به, هذا القلق الذي يشعر به الفنان والهلع الناتج من مواجهته لنفسه يتطلب قدراً من الشجاعة والمواجهة, ففي مقابلته للعدم شعوراً خفياً بالذنب سينتج من زعزعته لقوانين وأعراف قديمة بفنه الوليد الجديد. ويكلل هذا القلق بالرضا والفرح آخر الأمر.
هذه الخلاصة خرجت بها من قراءتي لكتاب شجاعة الإبداع لروللو ماي, الذي أعجبني جداً, ورأيت أنه قد يفيد كل من يعمل في حقل الإبداع, لهذا فقد قمت بعمل تلخيص وتبسيط للكتاب في هذا الموجز القادم. المذهل في كتاب روللو ماي أنه غير قابل للتلخيص, فسطوره هي لغة مركزة لا يمكنها أن تفقد كلمة دون أن تفقد جزء من المعنى, لذا فقد انتقيت الموضوعات, وبسطت المصطلحات لتتناسب مع الجميع.

يلخص الفصل الأول شجاعة الإبداع على أنه ثمة سرور عميق يغمرنا حين ندرك أننا نساعد في تشكيل عالم جديد, وهذه هي الشجاعة المبدعة, فمهما كانت إبداعاتنا ضئيلة وجزافية فها نحن نخرج للمرة المليون لكي نصوغ في مكان الحدادة من أرواحنا الضمير الغير مخلوق للجنس البشري.

ويعرف الشجاعة أنها ليست غياب اليأس، وإنما هي بالأحرى القدرة على التحرك قدما، على الرغم من اليأس.

ثم يتحدث عن الشجاعة البدنية وهي استخدام الجسد لا في تنمية أصحاب العضلات المفتولة وهذا معناه تنمية القدرة على التفكير بالجسد.

ثم يأخذنا إلى الشجاعة الأدبية التي تصدر عن التطابق من خلال حساسية المرء مع معاناة إخوانه في البشرية.

ويتحدث في هذا الفصل أيضاً عن الشجاعة الاجتماعية، و الشجاعة الخلاقة.

وينهي هذا الفصل بكلمات رائعة "مرحباً أيتها الحياة، فها نحن نخرج للمرة المليون لكي نصوغ في مكان الحدادة من أرواحنا الضمير غير المخلوق للجنس البشري."

في الفصل الثاني يحدثنا عن طبيعة الإبداع, ألمح أدلر إلى نظريته التعويضية في الإبداع وخلاصتها أن البشر ينتجون العلم والفن والجوانب الأخرى من الثقافة لتعويض مناطق قصورهم, فالتعريف المألوف للإبداع في أوساط التحليل النفسي هو أنه ارتداد في خدمة الأنا, فمن الواضح أن الإبداع والأصالة مرتبطان بأشخاص لا يتكيفون مع حضارتهم بيد أن هذا لا يعني بالضرورة أن الإبداع ناتج عن الأمراض النفسية العصبية, فتعريف الإبداع الأصيل كما وصفه قاموس وبستر هو إضافة شيء جديد إلى الوجود لا مجرد نزعة جمالية سطحية. لذا فعملية الإبداع ليست نتاجاً للمرض بل تمثل أعلى درجات الصحة العاطفية وتعبيراً عن أناس أسوياء أثناء فعل تحقيق أنفسهم, وينبغي كذلك أن نرى الإبداع في علاقة الأم السوية بابنها، وبقادة التكنولوجيا الحديثة، وفي الباحث في الجماليات، وعند المفكر، والعالم، كما نراه في الفنان والأديب والشاعر.
الإبداع مواجهة, فالفنانون يواجهون المنظر المقترح رسمه, فهم ينظرون إليه من تلك الزاوية, أثناء استغراقهم فيه, أو قد تكون المواجهة مع فكرة في حالة الفنانين التجريديين أو رؤية باطنه مبعثها لوحة الألوان أو بياض قماش اللوحة الفارغة, وهنا تصبح الألوان والقماش لغة هذه المواجهة أو الوسط, وفي حالة الأدباء فالوسط هو اللغة. وربما تتطلب المواجهة مجهوداً إرادياً, قوة الإرادة, وعلى سبيل المثال فاللعبة التي يلعبها طفل تتميز بكل السمات الجوهرية للمواجهة, وهي تمثل أحد الأنماط الأولية المهمة لإبداع الشخص البالغ, والنقطة الأساسية هنا ليست هي المجهود الإرادي أو الالتزام بل هي درجة الاستغراق ودرجة الشدة. ثم يتطرق إلى أن الإبداع المزيف يفتقر إلى المواجهة عكس الإبداع الأصيل الحقيقي. فيمكن للمؤلف الشاب أن تخطر بباله فكرة قصة ممتازة ويقلب في ذهنه خطوطها العريضة حتى أدق التفاصيل ويكتبها دون مزيد من الضجة ويستمتع ويتلذذ بنشوة التجربة, إلا أنه يتوقف على هذا الحد دون أن يكتب أي شيء, وكأن التجربة لا تزيد على مجرد رؤية نفسه بوصفه شخصاً يستطيع أن يكتب, وتجربته في حد ذاتها تنطوي في داخلها على ما يسعى إليه حقاً وعلى جزائها الخاص ومن ثم لم يبدع بالفعل, وهذا الهروب المفتقر إلى المواجهة صنع الفنان الناقص, الأمر الذي جعل نوعاً من الفن يكون عصابياً والآخر صحياً سليماً. وهذا يضعنا أمام الفرق بين الموهبة والقدرة الإبداعية, فالموهبة مرتبطة بالعصابية وهي ممنوحة للشخص دون سواه وقد يستخدمها أو لا , أما الإبداع فلا يمكن أن يرى إلا في الفعل فحسب, ولو شئنا الدقة لما تحدثنا عن شخص مبدع بل عن فعل مبدع, إلا أنه في حالات نادرة نرى موهبة عظيمة ومواجهة عظيمة وبالتالي نكون بإزاء إبداع عظيم, وأحياناً نكون أمام موهبة عظيمة ومواجهة مبتورة كما في حالة سكوت فيتزجيرالد أو نكون إزاء شخص على درجة عالية من القدرة الإبداعية إلا أن نصيب الموهبة لديه ضئيل مثل توماس وولف الذي كان عبقرية بلا موهبة إذ تميز بأنه كان يلقي نفسه كلية في مادته وفي تحدي التعبير عنها فكان عظيماً في الشدة التي اتسمت بها مواجهته.
الفنانون في لحظات المواجهة الشديدة يعانوا من تغيرات عصابية بالغة الوضوح من خفقات القلب السريع وضغط الدم المرتفع والشدة المتزايدة وانقباض الرؤية وضيق الجفون حتى يستطيعوا أن يروا المنظر المرسوم بمنتهى الوضوح وينسوا البيئة المحيطة ومرور الوقت, ويعانوا من نقص الشهية في نشاط أشبه برحلة جوية قتالية ينهمكوا فيها بكل جوارحهم, ويجدوا متضايف عصابي الذي هو القلق والخوف, يلازمه بشكل عجيب الفرح, الانفعال الذي يصاحب الوعي المرتفع، والمزاج الذي يصاحب تجربة إخراج إمكانيات المرء إلى حيز الواقع الفعلي, إلا أنهم لا يعانون من الرضا والإشباع.
شدة الوعي لا ترتبط بالضرورة بالقصد الواعي, فربما يحدث الوعي في أحلام اليقظة أو في أحلام النوم أو في مستويات اللاشعور, والجميل في الوعي أن عمليات التشكيل والصنع والبناء تستمر في أذهاننا حتى وإن لم نكن على وعي شعوري بها طيلة الوقت, فقد تبدأ الفكرة بعقلك الواعي وتترك عقلك الباطن يكمل الفكرة بشكل تلقائي حتى يفاجئك باكتمال الفكرة في وقت غير متوقع لينتظر دور الإبداع في تدوين فكرتك أو فنك.
الطبيعة بالنسبة للفنان ليست سوى وسط ولغة يكشفون بها عن عالمهم, فما يفعله المصورون الأصلاء هو الكشف عن الظروف النفسية والروحية الكامنة وراء صلتهم بالعالم, لذا لو أردت فهم المزاج النفسي والروحي لأية مرحلة تاريخية فلا شيء أفضل من أن تمعن النظر في فن تلك المرحلة ففي الفن يتم التعبير عن المعنى الروحي الكامن للمرحلة تعبيراً مباشراً في الرموز وليس ذلك لأن الفنانون مربون أو أناس نذروا أنفسهم لتعليم الناس فلو فعلوا ذلك ستتحطم قدرتهم على التعبير فتدمر علاقتهم المباشرة بالغير منطوق من المستويات اللاشعورية من الثقافة حيث أن ماهية الفن هي المواجهة الحية بين الفنان وعالمه.
الوعي المكتسب في الإبداع ليس هو المستوى السطحي لعملية التعقل المتموضعه بل هو مواجهة مع العالم يلغي القسمة إلى ذات وموضوع, لهذا يمكننا أن نعرف الإبداع على أنه مواجهة الإنسان الواعي بشدة مع عالمه.

في الفصل الثالث الإبداع واللاشعور, نعرف أن القلق يأتي من عدم استطاعتك معرفة العالم الذي تعيش فيه, من عدم قدرتك على توجيه نفسك في وجودك الخاص،  وكذلك نعلم أنه أحياناً تخبرك بصيرتك عن كيفية سير الأمور إلا أن اللاشعور يتدخل معترضاً على الاعتقاد الواعي الذي كنت متشبث به, ويجلي الحقيقة أمام عينيك. الشعور يتحكم في تقلبات اللاشعور الوحشية الغير منطقية, بينما يحافظ اللاشعور على عدم جفاف الشعور في العقلانية المبتذلة الخاوية, وهذا الأمر يعمل على حل المشكلات فعندما تعكف بوعي في اتجاه واحد فلا شعورك يميل للاتجاه الآخر, وهذا الأمر الذي يجعلنا منقسمين على أنفسنا لا شعوريا, وهذا الصراع المحبوس في الجانب اللاشعوري المكبوت في الجدل العقلي يبتهج بالتفجير لكل ما نتمسك به بصرامة فيعقلنا الواعي ويبتهج عندما يخرج في صورة الإبداع, وتولد البصيرة ممتزجة بقلق وبشعور بالذنب, فعندما تبزغ فكرة ذات معنى فهي تدمر ما يعتقده الكثير أنه جوهري لبقاء عالمهم العقلي والروحي، وهذا هو مصدر الشعور بالذنب في العمل الخلاق الذي لاحظه بيكاسو عندما قال: "كل فعل من أفعال الإبداع هو في المقام الأول فعل من أفعال الهدم." وهذا البزوغ يحمل الكثير من القلق إذ أنه لا يزعزع الافتراض السابق فحسب بل يزعزع علاقتك بعالمك الذاتي أيضاً وفي مثل هذا الوقت تجدك مضطراً للبحث عن أساس جديد لا تعلم عنه شيئاً وهذا هو مصدر الشعور بالقلق الذي يأتي في لحظة البزوغ, وغير ممكن ظهور فكرة جديدة دون حدوث هذا الاهتزاز, ثم يظهر شعور الرضا والفرح عندما نرى نتيجة المعاناة تظهر بين أيدينا بعد أن غصبنا العدم على الوجود.

التجربة هي حالة من الوعي الحاد, واللاشعور هو بعد الأعماق للشعور, وعندما ينبثق إلى الشعور في هذا النوع ألاستقطابي تكون النتيجة تقوية للوعي, وهو كذلك يرفع من قدرة المرء على التفكير, كما يضفي المزيد من الرهافة والحدة على العمليات الحسية وهو يعمل على تقوية الذاكرة, وتلك البصيرة تأتي في لحظة بين العمل والاسترخاء. لهذا يجب أن ننمي مهارات العزلة إذ يجب أن نكون قادرين على الانسحاب من عالم شديد الوطأة وقادرين على التزام الهدوء فندع العزلة تعمل من أجلنا وفينا. البعض يظن خطأً أن العزلة دلالة على الفشل الاجتماعي إذ لا يمكن أن تكون وحيداً إذا كنت قادراً على مد يد العون،  والحقيقة أن الضجيج الدائم للحياة المدنية الحالية المشحونة بالمشغولية الدائمة صنعت للناس مشقة كبيرة في أن يدعوا الاستبصارات تنبثق من أعماق اللاشعور, وعندما يخشى الفرد من اللامعقول, والأبعاد اللاشعورية للتجربة فهو يغمس نفسه في أشد حالات الانشغال محاولاً بأشد ما أوتي من قوة أن يحيط نفسه بأقصى ضجة ممكنة ومحاولاً تجنب القلق الناجم عن العزلة باللجوء إلى التلهية المثيرة, إلا أن التركيبات المفيدة الخارجة من اللاشعور الممتعة للحساسية الخاصة الكائنة بداخل الفنانون والعلماء, والتي يجهلها الآخرين جهلاً تاماً بحيث يغريهم الابتسام عليها, معظم التركيبات المنبثقة من اللاشعور المصنوعة عشوائياً تظل بلا معنى الأمر الذي يجعلها بلا تأثير على الحساسية الجمالية دون أن يدركها الوعي, إلا أن الذي يتسم بالانسجام منها يكون في الحال مفيد وجميل ويجذب الانتباه ليخرج لحيز الوعي.
الأمر الذي دفع الناس إلى الخوف من التجربة اللاشعورية اللاعقليه هو أن الإمكانيات التي تصعد إليهم من الآبار العقلية لا تتلاءم ببساطة مع التكنولوجيا التي أصبحت أساسية لعالمنا, وما يصنعه الناس خوفاً من العناصر اللامعقولة في أنفسهم وفي غيرهم من الناس هو أن يضعوا الأدوات والأساليب التكنولوجية بين أنفسهم وبين الجانب اللاشعوري وهذا الإجراء يحميهم من أن تستولي عليهم الجوانب المخيفة المنذرة من التجربة اللامعقولة, وبهذا نضع التكنولوجيا عازلاً بيننا وبين الطبيعة, أو سداً بيننا وبين الأبعاد الأعمق في تجربتنا بدلاً من أن تكون الأدوات والأساليب الفنية امتداداً لوعينا إلا أنها تحولت لحماية لنا من وعينا وتصبح أساليب دفاعية ضد الأبعاد الأوسع والأعقد في الوعي الذي نسميه اللاشعور, فنصبح غير واثقين في دوافع الروح.
الإبداع الصادر من ما قبل الشعور ومن اللاشعور يثري الفن والشعر والموسيقى والتأليف, ولو خفنا من تقديم الفن المدفوع بقلق ومعاناة إخراج المعنى من العدم والشيء من اللاشيء سنجعل من مجتمعنا مجتمع مبتذل بشكل كبير متزايد ولقطعنا نبع المياه الخارج من الجبال الصخرية الصلبة الخشنة الذي يصنع نهر الإبداع.. لقد أدرك الفيزيائيون تلك العلاقة المتبادلة بين الاستنارة الشعورية اللاعقلية وبين الكشف العلمي.
ثمة شيء غامض بشأن الشاعر وتعبيره الشعري جعل له تأثيراً رهيباً على السلطات الروسية وكأن الشعر قوة رهيبة ينبغي إذلالها وإلجامها بل وتحطيمها، فالشعراء هم المدمرون الممكنون لنظمنا المنظمة على نحو بديع, فالدافع الخلاق هو الصوت الذي يعبر عن الأشكال الشعورية واللاشعورية والذي يشكل تهديداً للمعقولية والسيطرة الخارجية, وقد حاول البعض ومنهم السلطات الكنسية تلقين الفنان بموضوعات مسبقة, كما حاول الرأسماليون شراء الفنانين باحتوائه, عن طريق الحرمان أو العزل الاجتماعي الذي يؤدي تبعاً لطبيعة الحافز الخلاق إلى قتل الفن, حيث لا يمكن أن تتحكم بالفنان دون أن يموت الفن.

يناقش روللو ماي في الفصل الرابع قضية المواجهة, الإبداع يحدث في فعل من المواجهة وينبغي فهمه على أساس أن المواجهة هي مركزه, فمثلاً عندما يرى (سيزان) شجرة ويرسمها على لوحة, فهو لا ينقل فحسب الواقع على ورقة بل هو يمتص من خلال إدراكه الحسي شموخ الشجرة وانتشارها الحاني الأمومي, والتوازن الرقيق في تشبثها في الأرض وشعر بها من خلال بنيته العصبية كلها, وهذا كله جزء من كل رؤيته للمشهد الذي أكد على بعض جوانبه وحذف بعض جوانب أخرى, لا لتعد ما يرسمها مجرد شجرة بل شجرة معروفة له, فالشجرة الحقيقية التي نظر لها (سيزان) قد تشكلت في ذهنه لتصبح ماهية الشجرة, ومهما كانت رؤيته أصيلة فلم تكن سوى رؤية للأشجار جميعها أطلقتها مواجهة هذه الشجرة بعينها.

هذه المواجهة بين إنسان (سيزان) وبين واقع موضعي هو الشجرة هي مواجهة جديدة وفريدة وأصيلة, فها هو شيء جديد يولد, شيء لم يكن له وجود من قبل, وكل من يأتي ليشاهد اللوحة تتحدث إليه ويراها بالحركة القوية و بالحميميه بين الشجرة والمنظر الطبيعي. هذا الأمر يجعل دراسة الفعل الخلاق أمر عسير جداً إذ يصير مواجهة بين قطبين, وإذا كان من اليسير أن نجد القطب الذاتي الشخصي فمن العسير أن نقوم بتعريف القطب الموضوعي.
يستشهد أرشيبالد ماكليش في كتاب الشعر والتجربة بشاعر صيني يقول: نحن الشعراء نناضل العدم لإرغامه على إنجاب الوجود.  ونحن ندق أبواب الصمت لتجيب علينا الموسيقى. ويعقب ماكليش أن الوجود الذي يجب أن تتضمنه القصيدة يستمد من العدم لا من الشاعر أو الموسيقى, ويتلخص جهد الشاعر في رفع التلفيحة التي ارتداها العالم من اللامعنى والصمت ويرغمه على اتخاذ المعنى, فيجعل الصمت يجيب ويرغم العدم على الوجود. إنه جهد يأخذ على عاتقه تعريف العالم ليس عن طريق التأويل والبراهين بل بطريقة مباشرة كتلك التي يعرف بها الإنسان التفاحة وهي في فمه, وهذا الترياق المصاغ في أبدع تعبير للافتراض الشائع بأن الإسقاط الذاتي هو ما يحدث في الفعل المبدع, وتذكير بالسر الذي لا مهرب منه المحيط بعملية الإبداع.
رؤية الفنان هي المحدد الوسيط بين الذات (الشخص) والعالم الذي ينتظر الوجود) القطب الموضوعي), والعدم حتى ينشئ صراع الفنان معنى مجيب, ولا تكمن عظمة العمل الأدبي في تصوير الشيء كما لاحظه الفنان أو عاناه بل لأنها تصور رؤية الفنان التي تشكلت نتيجة لمواجهة الواقع, الأمر الذي يجعل للعمل الأدبي طابع فريد أصيل لا سبيل إلى تكراره, فليس من الهام عدد المرات التي رسم فيها مونيه الكاتدرائية في روان لأن كل لوحة رسماً جديداً يعبر عن رؤية جديدة.
يجب أن نحترس هنا من الوقوع في خطأ فادح هو تفسير التحليل النفسي للإبداع، وهذا الخطأ هو محاولة العثور على شيء داخل الفرد أسقطه في عمله الفني, أو على تجربة مبكرة نقلت إلى قماش اللوحة أو كتبت في قصيدة, ومن الهام أن التجارب المبكرة تلعب أدواراً هامة في كيفية مواجهة الفنانين لعالمهم فيما بعد وهذا هو دور التحليل النفسي, إلا أن هذه المعطيات ذاتها لا تستطيع أن تفسر المواجهة ذاتها. فحتى في حالات فناني التجريد حيث تكون عملية التصوير ذاتية إلى أقصى حد, فالعلاقة بين الوجود واللاوجود تكون حاضرة بكل تأكيد، ربما تشعلها مواجهة الفنانين للألوان البراقة المنتشرة على لوحة الألوان أو بياض قماش اللوحة, وقد وصف الرسامون الإثارة التي تنبعث من هذه اللحظة بأنها أشبه بإعادة تمثيل قصة الخلق, حيث تدب الحياة فيها بغتة وتمتلك حيوية خاصة بها.
قدرة الفن على الاستقبال تختلف عن السلبية, فاستقبالية الفنان هي التي تحفظه حياً ومنفتحاً على ما قد يتحدث به الوجود, ومثل هذه الاستقبالية تتطلب رهافة حس فائقة لكي تكون نفس المرء ناقلة أو وسيلة للرؤية تظهر عكس المطالب السلطوية التي تفرضها إرادة القوة..
دابليو هـ أودن: الشاعر يتزوج اللغة ومن هذا الزواج تولد القصيدة.
حقاً فاللغة ليست مجرد أداة للاتصال, فنحن لا نستخدم اللغة للتعبير عن أفكارنا بقدر ما اللغة تستخدمنا, فاللغة هي المستودع الرسمي للتجربة التي نعانيها, ولهذا فهي تخرج للامساك بنا في إبداعنا للقصيدة, فالكلمة العبرية والإغريقية أن تعرف تعني أن تكون لك علاقات جنسية, وهذه الاستعارة الجنسية تعبر بكل تأكيد عن أهمية المواجهة ففي الممارسة الجنسية يواجه الشخصان كل منهما الآخر, وينسحبان جزئياً ليتحد كل منهما بالآخر مرة ثانية, ويجربان كل الفروق الدقيقة للمعرفة واللامعرفة, لكي يعرف كل منهما الآخر مرة أخرى، ومن الممكن أن نرى الانسحاب الجزئي ذريعة لكي تشبع تجربة النشوة مرة أخرى،  فإذا طال اللقاء فلن يحدث أكثر من إطالة الشعور بأعجوبة الحميمية،  فالمعاناة المستمرة لتجربة المواجهة وإعادة المواجهة هي الحدث المهم من وجهة نظر الإبداع النهائي. الاتصال الجنسي هو الحميمية النهائية لكائنين في أكمل وأغنى مواجهة ممكنة, وليس هناك ما هو أكثر دلالة من أن هذه التجربة هي أيضاً أعلى شكل للإبداع من حيث أنها تستطيع أن تنتج كائناً جديداً.
كيركجور: في الوقت الحاضر يستطيع الكاتب أن يتنبأ بمصيره في سهولة عصر طمست فيه العاطفة القوية لحساب التعليم, في عصر عندما يريد الكاتب أن يكون له قراء لابد له أن يراعي الكتابة بطريقة يمكن بها أن يقرأ كتابه بسهولة خلال غفوة ما بعد الظهيرة.
يوجد قصور في المفهوم الشائع عن تفسير الإبداع بأنه ارتداد لخدمة الأنا، لما لها من طابع سلبي كما أنها تقترح حلاً جزئياً يبتعد بنا عن مركز الفعل المبدع.
لحظة المواجهة تجلب القلق والهلع فلا مفر من مواجهة القلق في الإبداع الناضج إذا كان لابد للفنان من أن يستمتع بالفرح في عمله المبدع الذي سيستفيد منه القراء فيما بعد..
ميز بارون أشخاصه المبدعين بأنهم من نفوا إسهاماتهم المتميزة في مجالهم. كما أطلعهم مع جماعة من الأشخاص الأسوياء على مجموعة من البطاقات الشبيهة ببطاقات رورشاخ تتضمن بعضها تخطيطات منتظمة متماثلة وبعضها الآخر تخطيطات مضطربة غير متماثلة, اختار الأسوياء البطاقات المنتظمة فهم يحبون أن يكون عالمهم منظم واختار المبدعين البطاقات الغير منتظمة إذ وجدوا أنها أكثر تحدياً وإثارة للاهتمام, فقد اختاروا العالم المكسور واستخلصوا السرور من مواجهته وتشكيله في شيء من النظام, وبالتالي فإن باستطاعتهم أن يتقبلوا القلق وأن يستخدموه في صياغة عالمهم المضطرب بحيث يكون أقرب إلى مشيئة قلوبهم.. والمبدعون يتميزون بقدرة معايشة القلق وإن كان الثمن المدفوع باهظاً إذ يدفعونه بالافتقار للأمان والحساسية المفرطة وعدم القدرة على الدفاع عن أنفسهم في مقابل هبة الجنون الإلهي على حد تعبير الإغريق القدماء, عن طريق ليس مجرد الهرب من اللاوجود, بل مواجهته ومصارعته وإجباره على إنتاج الوجود, وطرق باب الصمت انتظاراً لإجابة الموسيقى, وطاردوا اللامعنى حتى أرغموه على أن يكون معنى.

في الفصل السادس على حدود الإبداع, يوضح أن الوعي يولد من إدراك الحدود, فعندما تضع شخصاً في زورق وتدفعه في المحيط الهادي وتخبره أن السماء وحدها هي الحد, فراكب الزورق يثق علم اليقين أن هناك حداً آخر حقيقياً لا مهرب منه هو قاع المحيط, فقد قال هرقليطس أن الصراع يفترض الحدود مسبقاً وأن النضال مع الحدود هو منبع الانتاجات الإبداعية, فالحدود ضرورية ضرورة الحدود للنهر, إذ بدونها تتبدد المياه على الأرض فلا يكون هناك نهر, فالنهر يتكون من التوتر بين الماء المتدفق وبين الشاطئين, ولهذا يتطلب الفن حدوداً بوصفها عاملاً ضروريا لمولده.  فالشيء الذي يختلف مع نفسه هو في وفاق ذلك أن الانسجام يتألف من التوتر المعارض مثل ذلك الانسجام القائم بين القوس والقيثارة.

نشأة الشكل. الموضوع هو نتاج لذاتك وللواقع الخارجي, ويتولد الشكل عن العلاقة الجدلية بين مخك أي ذاتك, أنت وبين الموضوع الذي تراه خارجاً عنك فالعالم يتطابق مع طرقنا في المعرفة, وتبدأ المتاعب عندما يحاول الإنسان أن يدافع عن أحد الطرفين المتباينين, فعندما يصر الفرد على ذاتيته ولا يتبع سوى خياله فيتكون لدينا شخص خيالي لا يرتبط بالعالم الموضوعي وعندما يصر شخص ما على أنه لا وجود لشيء سوى الواقع التجريبي فنكون أمام شخص قد تشكل عقله بصبغة تكنولوجية وتكون النتيجة أنه يعمل على تبسيط حياته حيث أن إدراكنا الحسي يحدده خيالنا كما تحدده الوقائع التجريبية للعالم الخارجي سواء بسواء.
الشكل ليس مجرد تهذيب لمعنى لا تجد له مكاناً في قصيدتك, ولكنه معين لك في العثور على معنى جديد, ومنشط لتركيز معناك ولتبسيطه وتنقيته, فتمكننا من إمكانيات غير محدودة في المحيط الهادي الأمر الذي يجعلنا ننبذ الشكل والحدود يجعلها تدمر ذاتها دون إبداع فلا يمكن تجاوز الشكل مادام الإبداع مستمراً ولو قدر للشكل أن يتلاشى لتلاشت معه التلقائية أيضاً.
بدون حدود يغدو العالم مبتور الأوصال ويصبح أي وجود غير محدود يشكل خطراً هائلاًَ. الخيال يشيع الحيوية في الشكل, إلا أن الشكل وحده يدفعنا للعصاب، كيفية صياغة المعنى إلى الوجود في شكل داخل حدود داخل تيار من خيال يجلب إحساساً بالارتياح إذ يخرج النظام من اللانظام والشكل من العماء الأمر الذي يمنحنا الإحساس بالوجود نفسه..

في الفصل السابع والأخير يطرح أمامنا روللو ماي تساؤل خطير, ماذا لو كان الخيال والفن هما المنبع الرئيسي للتجربة الإنسانية؟  ماذا لو أن منطقنا وعلمنا يستمدان من الأشكال الفنية ويعتمدان أساساً عليها ولم يكن الفن مجرد تزيين لعملنا حين ينتجه العلم والمنطق؟

 

تاخيص الكتاب مُهدى من عماد ميشيل

 

التعليقات  

#1 بلو لا يموت 2010-06-20 01:55
كتاب مشوق ورائع ومفيد.....
لكن ألا يجب أن يكون مجتمعنا منفتح ومتحرر من قيود الرجعية لتقبل هذه الأفكار وتطبيقها..
ودون خجل نحن لا يليق بنا الإبداع....يليق بنا فقط الدين والتدين والشريعة وإدانة غيرنا فقط...
نتكلم عن الإبداع ونحن نتطرف
وندين العالم وننتقد وننسى ان لكل شخص حرية بل ويصل الأمر إلى احتقار الشخص المبدع الكثير من الفنانين تم ادانتهم والكثير من المفكرين ايضا استهزئنا بهم والأمثلة لا تعد ولا تحصى من العظماء إلا ان بعد موتهم نعظمهم....فأين الابداع ياترى؟....فأقول ها للمرة المليون نحن لا يليق بنا الإبداع فباتت الشرائع والنواميس الحرفية والتدين والتطرف والطقوس كمخدرات لعقولنا وكأفيون للشعوب...وفي عمرنا وحياتنا لن نبدع إلا بكسر كبرياءنا وعدم احتقار المبدع مهما كان او من كان او ماذا فعل وأستطيع ان ألخص الإبداع في كلمتين فقط ألا وهي (الخروج عن التقليد) .....وشكرا

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا