أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


إننا لم نتعود أبداً أن نتكلم أو نتصرف بوحي من فرديتنا.. أو تفردنا، وإنما عادتنا جرت على أن نفعل ما (يجب) علينا أن نفعله، وأن نقول ما (يجب) علينا قوله، خاضعين في هذا خضوعاً شبه كامل لناموس المجتمع العام.

نحن نكره أن يشذ علينا أحد منا برأي أو بتصرف أو بعمل، مهما سلمنا بيننا وبين أنفسنا أننا مختلفون تماماً وأن لكل منا كياناً وشخصية ومثلاً، وأننا لا يمكن أبداً أن نكون مثلنا مثل قطيع أغنام أو قافلة نمل.

ومع هذا، ومع إدراكنا لهذا كله، فإننا نستنكر على أي منا أن يزاول اختلافه هذا مزاولة فعلية عملية، فليكن اختلافه معنا في السر وبينه وبين نفسه فقط - وحتى هذا نستنكره أيضاً – أما حين تأتي المسألة لساحة القول العام أو الفعل العام فلابد للناموس الجماعي الهائل أن يسيطر وألا يرتفع صوت واحد بكلمة تخدش الإجماع، وكأنه إجماع مقدس، وكأنه إجماع من صنع ملائكة، وكأنه مُنزل في حين أن ذلك الإجماع ليس مقدساً ولا مُنزلاً ولا شيء من هذا القبيل، إنه إجماع يصنعه في العادة الأعلى صوتاً والأكثر جلبة والأشد قدرة على فرض الرأي والذات والتصرف.

إن الناموس العام هذا يجعلنا، نحن المصريين، من أعقل شعوب الأرض قاطبة. ذلك العقل الذي حيرني أمره طويلاً وكثيراً، خاصة حين كنت أسافر، وأحتك بكثير من شعوب الدنيا، وأبداً حتى دون أن أدري، أقارن بيننا وبينهم، أجد أن لكل شخصية من شخصيات الشعوب نوعاً من جنونها الخاص، أو تصرفاتها المجنونة الخاصة أو غرابتها أو شذوذها، ثم أعود لمصر، وبعيون جديدة أحاول أن أعثر لشعبنا أو لشخصيته على قدرة غرابة، أو بادرة تفرد، أو جنون من أي نوع، دون جدوى.

وحين أقول إننا أعقل شعوب الأرض، لا أعني بالطبع أننا كذلك لأننا أكثرها حكمة.. أو علماً أو تأدباً، فالحقيقة بالضبط أعني أننا أكثرها تعقلاً.

والفرق بين العقل والتعقل، هو أن الفعل العاقل يأتي نتيجة لإعمال عقلك الخاص في المشكلة، ثم الخروج لك برأي أو استنتاج معين خاص، ثم التصرف على أساسه، في حين أن التعقل ليس نتيجة إعمال لعقلك وفكرك الخاصين، وإنما نتيجة لمراعاتك للعقل الاجتماعي العام للتفكير السائد سواء كان خطأ أو صواباً، وخوفك منه إلى درجة إيثارك التصرف بناء على أساسه وليس بناء على رأيك أنت وحكمك أنت وتقديرك أنت.

ألا نعتقد بعد هذا أننا، حتى كأفراد، في حاجة إلى مراجعة مواقفنا المتعقلة جداً، التي تخشى الاختلاف والخروج على المألوف، وفي حاجة أصبحت أمس لإعمال العقل الخاص والدفاع عن الرأي الخاص، والكف عن الاختفاء وراء النفاق والناموس العام؟

إن قليلاً من الخروج عن المألوف هو الذي يدفع المجتمعات دائماً لاستكشاف آراء أجد وتصرفات ربما أكثر حكمة بكثير من التصرفات العامة والسائدة.


يوسف إدريس

من كتاب "خلو البال"

التعليقات  

#1 Marianne Emile 2011-06-08 06:33
انني أتفق الرأي مع الكاتب/ يوسف إدريس،فهناك قول معروف يتفق الكثيرين عليه: الخطأ الشائع خير من صحيح مجهول،و اننى أرى هذا بالفعل ما يتحقق و كأن الناس تخشى الحقيقة أو التفكير فيها و يعتبرون أن الخطأ الشائع بمثابة الآمان بالنسبة لهم، لا يدركون انهم يدمروا بداخلهم إنسانيتهم التي تتمثل في حرية الاختيار، لا يريدوا أن يزعجوا أنفسهم بما هو الخظأ و ما هو الصواب، فالأنسب لهم أن يساقوا عن تحمل المسؤولية.
اقتباس
#2 منى يعقوب 2011-08-02 03:19
في ظل الظروف الراهنة أشعر أننا كمصريين في أمس الحاجة
إلى مراجعة مواقفنا المتعقلة جداً، التي تخشى الاختلاف والخروج على المألوف، وفي حاجة أصبحت أمس لإعمال العقل الخاص والدفاع عن الرأي الخاص، والكف عن الاختفاء وراء النفاق والناموس العام.
وتكون هذه هي الثورة الحقيقية ثورة شعب يبحث عن الحقيقة التي ظل سنينا طويلة متجاهلها حتى أصبح مغيبا ومنسلخا عن الحاضر يبحث في الأطلال عن أمجاد ولت وانتهت منذ آلاف السنين.
اقتباس

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا