أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


عندما ولدت
كآبتي أرضعتها حليب العناية وسهرت عليها بعين الحب والحنان .
فنمت كآبتي كما
ينمو كل حيّ قوية جميلة تفيض بهجة وإشراقا ً.
فأحببت كآبتي وأحبتني كآبتي
وأحببنا معاً العالم المحيط بنا لأن كآبتي كانت رقيقة القلب عطوفة ًفصيّرت قلبي رقيقاً عطوفاً.ً
وعندما كنا نتحادث معاً أنا وكآبتي كنا نمنح الأحلام أجنحةً
لأيامنا ومناطق لليالينا لأن كآبتي كانت فصيحة طليقة اللسان فصيّرت لساني فصيحاً طليقاً.

وعندما كنا نغني معاً أنا وكآبتي كان جيراننا يجلسون إلى نوافذهم مصغين إلى غنائنا لأن غناءنا كان عميقاً كأعماق البحر وغريبا ًكغرائب الذكرى.

وعندما كنا نمشي أنا وكآبتي كان الناس يرنون إلينا بعيون تشع حباً وإعجاباً متحدثين بنا بأرق الألفاظ وأحلاها غير أن بعضاً منهم كانوا ينظرون إلينا بعيون الحسد لأن الكآبة كانت منقبة محمودة وأنا كنت متباهياً فخوراً بالكآبة.

ثم ماتت كآبتي كما يموت كل حي وبقيت أنا وحدي مفكراً متأملاًً.
وها أنا ذا أتكلم الآن فتستثقل أذناي صوتي وأنشد فلا
يصغي أحد من جيراني لإنشادي وأطوف الشوارع فلا يعبأ أحد بي ...

غير أنني أتعزّى إذ أسمع في منامي أصواتاً تقول متحسرة :
(أنظروا! أنظروا! فهنا يرقد الرجـــل الذي ماتت
كآبته)

وعندما ولدت مسرّتي

وعندما ولدت مسّرتي حملتها على ذراعي وصعدت بها إلى سطح بيتي أنادي قائلاً: (تعالوا يا جيراني ومعارفي... تعالوا وانظروا! فقد ولدت مسرّتي اليوم... تعالوا وانظروا فيض مسرتي الضاحكة أمام الشمس)

وشدّ ما كان دهشي لأنه لم يأت أحد من جيراني ليرى مسرتي.
وظللت سبعة أشهر أعلن
مسرّتي للناس بكرة وأصيلاً من على سطح بيتي ولكن لم يُصغِ أحد قط لصوتي.

فبقيت ومسرّتي وحيدين مهملين لا يعبأ أحد بنا .

وما مرّ على ذلك سنة حتى سئمت مسرّتي حياتها فامتقع لونها واعتلــّت إذ لم ينبض بحبها قلب سوى قلبي ولم يقـبــّل فمها سوى فمي.

فقضت مسرّتي في وحشتها وأمسيت لا أذكرها إلا عندما أذكر كآبتي.

جبران خليل جبران

من كتاب: المجنون

التعليقات  

#1 karam yousif 2015-02-02 02:02
بصراحة المقال دا جميل جدا ...رغم الجنون اللى فية ...قراتة كذا مرة مش قادر اوصل لتحليل معين ...كيف انه احب كابتة يمكن عاوز يوصل لمبداء اننا فى وقت الجزن نتعلم اكثر من وقت المسرة والراحة ....؟؟؟ ... ولية المسرة اصبحت ثقل علية لما لم يهتم احد له ولها ؟؟؟؟؟ طيب لو الناس اهتمو وسمعو لة ولمسرتة دا كان هيكون مصدر سعادة وفخر لية زي الكآبة؟؟؟ انا قريت احس الحالة اللى كتب فيها المقال دا بس امكانياتى الذهنية مش جايبة اكتر من كدة ... لو فية توضيح او مساعدة للوصول لفكرة من المقال دا هكون شاكر جدا
اقتباس

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا