أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


الحضور، وأن يكون هذا الحضور ظاهراً، ليس الاثنان أمراً واحداً. فمن الممكن أن يوجد أحدهما دون الآخر. فالله حاضر بينما ليس جميعنا مدركين لهذا الحضور. فحضوره يبدو ظاهراً لنا فقط حينما نكون واعين ومدركين لهذا الحضور. من جهتنا فدورنا يكمن في الخضوع والاستسلام لروح الله، الذي بدوره يعمل نحو أن يُظهر لنا الآب والابن. فإن تعاونا معه بمحبة خاضعة، فسوف يظهر الله نفسه لنا، وهذا الإظهار سوف يشكل الفارق بين حياة مسيحية اسمية وبين حياة تشع بنور وجهه.
الله دائماً أبداً حاضر في كل مكان، وهو دائماً ما يسعى لكي يكشف ويعلن نفسه لكل شخص، ليس فقط أن يعلن وجوده بل أن يعلن كينونته أيضاً.

إن سعينا وراء الله ينجح فقط لأن الله يسعى دائماً أبداً لأن يظهر نفسه لنا. إن استعلان الله لأي إنسان لا يعني أن الله في وقت ما يأتي من بعيد في زيارة خاطفة وموجزة لنفس هذا الإنسان. فإن تفكيرنا على هذا النحو يجعلنا نخطئ الفهم تماماً. لا ينبغي علينا أن نفكر في اقتراب الله إلى النفس، أو اقتراب النفس إلى الله بمصطلحات تخص الحيز والمكان على الإطلاق. فلا يوجد أي فكرة تتعلق بالمسافات الفيزيقية توجد في هذا المفهوم. فالأمر ليس له علاقة بالأمتار بل بالاختبار.
أن استخدام كلمات مثل "قريب من الله" أو "بعيد عن الله" تعد لغة مفهومة دائماً حينما نطبقها على علاقاتنا الإنسانية العادية. إن الإنسان ممكن أن يقول: "إني أشعر أن ابني صار أكثر قرباً مني حين بدأ يكبر" بالرغم من أن هذا الابن عاش بجوار والده منذ وُلِد ولم يترك بيت أبوه ليوم أو أكثر طوال سنواته الماضية. فماذا يعني هذا الأب إذن؟ من الواضح أنه يتحدث عن اختبار ما. إنه يعني أن الصبي بدأ يعرفه عن قرب أكثر وبفهم أعمق، وأن حواجز الفكر والمشاعر بينهما أخذت تختفي، وأن الأب والابن بدأ يتقاربا فكرياً وقلبياً أكثر من ذي قيل.

"في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله." (يوحنا1:1)
إن أي إنسان عامي عاقل، بدون أن يتعلم الحقائق المسيحية، حين يأتي إلى هذا النص غالباً ما سيخلصُ إلى أن يوحنا أراد أن يعلِّم بأن من طبيعة الله أن يتكلم وأن يوصل أفكاره للآخرين. وسوف يكون ذلك الإنسان محقاً فيما خلُص إليه. الكلمة هي وسيلة بها يتم التعبير عن الأفكار، وتطبيق لفظ "الكلمة" بالنسبة للابن الأزلي يقودنا إلى الاعتقاد بأن التعبير عن الذات هو شئ ملازم للألوهية، وأن الله يسعى للأبد نحو أن يخبر الخليقة عن نفسه. والكتاب المقدس بطوله وعرضه يدعم هذه الفكرة، أن الله يتحدث. ليس أن الله قد تحدث؛ بل أن الله يتحدث، أن الله بطبيعته دائم التحدث، بل أنه يملأ العالم بصوته المتحدث.
واحدة من أعظم الحقائق التي علينا التعامل معها هي صوت الله في عالمه هذا الذي خلقه. إن أكثر نظريات نشأة الكون إيجازاً، وفي الحقيقة هي النظرية الوحيدة المرضية، هي هذه: "قال فكان". إن علة قوانين الطبيعة هو الصوت الحي لله الملازم والمتأصل في خليقته. وكلمة الله هذه التي أحضرت العالمين إلى الوجود لا يمكن أن يُفهم أن المقصود بها هو "الكتاب المقدس"، إذ أنها ليست كلمة مكتوبة أو مطبوعة على الإطلاق، بل هي تعبير عن إرادة الله متحدَث بها عبر البنيان الخاص بكل الأشياء. إن كلمة الله هذه هي أنفاس الله التي تملأ العالم بإمكانية الحياة. فصوت الله هو أقصى قوة مؤثرة في الطبيعة، بل هو بالحق القوة الوحيدة في الطبيعة. فالطاقة موجودة فقط لأن هذه الكلمة المليئة بالقوة يُتحدَث بها.
إن الكتاب المقدس هو كلمة الله المكتوبة. ولأنها مكتوبة فهي محدودة بلوازم وضروريات الحبر والورق والجلد. إلا أن صوت الله، مع ذلك حي وحر بمقدار سيادة الله الحرة "الكلمات التي أتكلم بها إليكم هي روح وحياة". فالحياة هي في الكلمات المُقالة. وكلمة الله في الكتاب المقدس يمكن لها فقط أن تكون ذات قوة لأنها تتصل بكلمة الله المنطوقة في الكون. إن صوت الله الحاضر دائماً إنما هو ما يجعل الكلمة المكتوبة كاملة القوة، وإلا فهي تظل راقدة في سبات بين غلافي كتاب.
نحن نأخذ منظور منخفض وبدائي للأمور حين نتصور الله في عملية الخلق وهو يأتي إلى الأشياء في تلامس مادي مشكلاً وموفقاً ومركباً كما النجار. ولكن الكتاب المقدس يُعلِّم بشيءٍ آخر:"بكلمة الله صنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها. لأنه قال فكان. هو أمر فصار." (مز33: 6،9)، "بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله" (عب11: 3). مرة أخرى لابد أن نتذكر أن الله لا يشير هنا إلى كلمته المكتوبة بل إلى صوته المتكلم. هو يعني هنا صوته الذي يملأ العالم، صوته الذي يسبق الكتاب المقدس بقرون كثيرة، الصوت الذي لم يكن صامتاً منذ فجر الخليقة بل لازال متحدثاً بصوت مسموع عبر أرجاء الكون المترامي الأطراف.
إن كلمة الله سريعة وقوية. في البدء تحدث الله إلى العدم فصار شيئاً. الفوضى سمعت كلمته فصارت نظاماً، الظلمة سمعته فصارت نور. "قال الله .. فكان" هاتان العباراتان التوأمان كعلة ومعلول (سبب ونتيجة) نجدهما في قصة الخلق عبر سفر التكوين. القول هو سبب الكون. والكون هو القول موضوعاً في زمن المضارع المستمر.
"أن الله موجود ويتكلم" هذه الحقائق تقف خلف كل الحقائق الأخرى في الكتاب المقدس وبدونها لا يمكن أن يكون هناك ثمة إعلان على الإطلاق. فالله لم يكتب كتاباً ثم أرسله بيد رسول لتقرأه عقول البشر بمفردها عن بُعد ومن دون مرافقة. بل أنه قد تحدث بكتاب، وهو يحيا في كلماته التي نطقها ويستمر ينطقها معطياً إياها القوة لتستمر عبر السنين.

إن هذا الصوت صدر ولازال صادراً في الكون، ولقد سبب قلقاً للبشر حتى وإن لم يعرفوا مصدراً لمخاوفهم هذه. هل من الممكن أن يكون هذا الصوت الذي يقطر كالندى الحي على قلوب البشر هو العلة الخفية للضمير المؤرق والتوق للخلود الذي يقر به الملايين من البشر منذ فجر التاريخ؟ نحن نحتاج إلى الشجاعة وعدم الخوف لمواجهة هذا الأمر. فالصوت المتكلم هو أمر واقع، وكيف يتجاوب معه البشر هو أمر متروك لملاحظة من يدرس الأمر.
حين كلم الله ربنا من السماء، فسر البشر المنحصرين في ذواتهم الأمر على علاته الطبيعية، فقالوا: "قد حدث رعد" (يو 12: 28، 29). وهذه العادة من تفسير "الصوت" بما يناشد قوانين الطبيعة هي أصل وجذر العلوم الحديثة. في قلب أنفاس الكون الحية هناك شئ غامض، شئ مدهش وعجيب لا يستطيع عقل أن يفهمه. شئ لا يدعي الإنسان المؤمن فهمه، بل يسقط على ركبتيه ويهمس "الله". الإنسان الأرضي يجثو أيضاً على ركبتيه، لا ليعبد، بل ليفحص ويبحث ويكتشف سبب وعلة حدوث الأشياء. فقد وجدنا أنفسنا الآن نحيا في عصر علماني، حيث عاداتنا الفكرية هي عادات العلماء لا المتعبدين. أصبحنا نميل أكثر نحو التفسيرات لا التعبدات. فنفسر قائلين "قد حدث رعد" ثم نمضي في طريقنا. ولكن الصوت يظل مدوياً وباحثاً. إن نظام وحياة العالم بأسره تقف معتمدة على هذا الصوت، إلا أن البشر في الأغلب مشغولون أو عنيدين بما لا يجعلهم يعطون انتباهاً.
كل منا قد اختبر يوماً أشياء لم يستطع أن يفسرها؛ إحساس مباغت بالوحدة، أو شعور بالروعة والانبهار إزاء ضخامة هذا الكون. أو كانت هناك زيارات سريعة كما من استنارة آتية من كوكب آخر تعطينا في لمحة خاطفة توكيداً بأننا لسنا من هذا العالم وأننا من أصل إلهي. ما قد رأيناه هناك، أو سمعناه أو شعرناه قد يناقض تماماً كل ما قد تعلمناه في مدارسنا ويختلف اختلاف بَيّن مع كل اعتقاداتنا وآرائنا السابقة. لقد اُرغِمنا على تعليق شكوكنا جانباً، للحظة، بينما ترعد الغيوم من جديد ونحن نسمعها ونراها بأنفسنا. فلنفسر مثل هذه الأشياء كما اعتدنا أن نفسرها، ولكني أعتقد أننا لن نكون منصفين حتى نسمح على الأقل باحتمالية أن تكون مثل هذه الخبرات تنشأ من حضور الله في هذا العالم ومن جهوده الملحة للتواصل مع البشر. دعونا لا نصرف النظر عن مثل تلك الفرضية بعدم تقدير أو عدم اكتراث.
إن إيماني الخاص (ولن اشعر بالاستياء هنا إن لم يتبعني أحد) أن كل شئ صالح وجميل أنتجه الإنسان في هذا العالم لهو نتيجة لاستجابة هذا الإنسان الساقط والخاطئ لصوت الله الخلاق المدوي عبر الأرض. فالفلاسفة الأخلاقيين الذين حلموا بأعظم أحلام الفضيلة، والمفكرين الدينيين الذين رسموا تخيلات عن الله والخلود، والشعراء والفنانين الذين خلقوا من الأشياء المعتادة جمالاً طاهراً وباقياً؛ كيف نفسر كل هؤلاء؟ ليس كافياً أن نقول ببساطة "إنها عبقرية"، فما هي "العبقرية"؟ هل من الممكن أن يكون العبقري هو إنسان ينتابه "الصوت المتكلم" فيجتهد ويكافح كمستحوَذ عليه لكي يحقق غايات هو لا يفهمها بوضوح؟ أن يفتقد هذا الإنسان العظيم الله في أعماله حتى أنه قد يكتب أو يتكلم ضد الله، هذا لا يحطم الفكرة التي أدفع بها هنا. فإعلان الله الكفاري في الكتاب المقدس ضروري للحصول على الإيمان والسلام مع الله. والإيمان في مخلص مقام أمر حتمي لكي يحضرنا هذا الدفع الغامض بداخلنا نحو الخلود إلى شركة سلام مشبعة مع الله. بالنسبة لي فهذا تفسير جيد لكل ما هو خارج المسيح. ولكن يمكنك أن تكون مسيحياً جيداً ولا تقبل أطروحتي هذه.

من يصغي سوف يستمع إلى السماوات تتحدث. بالقطع هذا لا يحدث في الساعة التي يُدفع فيها المرء إلى الإصغاء، حيث لم يعد الإصغاء جزء من ديانة اليوم الشائعة. بل نحن على الطرف الآخر تماما من هذا الأمر. حيث قد رحب الدين بالبدعة الرهيبة القائلة بأن النشاط والحجم والصخب والحديث العاصف أمور تجعل الإنسان قريب إلى الله. ولأناس عصفت بهم ريح هذا الصراع الأخير يقول الله "كفوا واعلموا إني أنا الله"، ولازال يقولها وكأنه يقول لنا أن قوتنا وأمننا لا يكمنا في الصخب بل في الصمت.
من الهام جداً لنا أن نهدأ لكي ننتظر أمام الله. ومن الأفضل أن نكون بمفردنا وكتابنا المقدس مفتوح أمامنا. عندئذ، إن رغبنا، فقد نقترب إلى الله ونبدأ في أن نسمعه يتحدث لنا في قلوبنا. أعتقد أنه، مع الشخص العادي، سوف تمضي المتوالية كالآتي: أولاً صوت كما من حضور يتمشى في الجنة. بعد ذلك صوت أكثر وضوحاً، ولكن لا يزال بعيداً عن التبيان. ثم تأتي اللحظة السعيدة حينما يبدأ الروح القدس في أن يوضح وينير الكلمة المقدسة، وما كان من قبل مجرد صوت أو لفظ يصبح الآن كلمة واضحة ومفهومة، كلمة جلية ودافئة وحميمة كما من صديق. ثم يأتي النور وتأتي الحياة، وأهم من هذا كله، القدرة على الرؤية والاستقرار ومحبة ومعانقة الرب يسوع المسيح كمخلص ورب وكل شئ في الوجود.

إن الكتاب المقدس لن يكون أبداً كتاب حي لنا قبل أن نقتنع بأن الله يتحدث في الكون. إن القفز من منطلق عالم ميت غير شخصي إلى الكتاب المقدس ككتاب عقائدي أمر صعب جداً. فقد يقر أغلب الناس بأنه يجب عليهم قبول الكتاب المقدس باعتباره كلمة الله، ويحاولوا أن يفكروا به على هذا النحو، ولكنهم يجدوا من المستحيل عليهم أن يؤمنوا أن الكلمات المدونة في تلك الصفحات هي في الحقيقة لهم.
قد يقول إنسان "هذه الكلمات تخاطبني" ولكنه في قرارة نفسه لا يعلم ولا يشعر بأنها كذلك. إنه ضحية لسيكولوجية منقسمة، فهو يحاول أن يفكر في الله على أنه أبكم في كل مكان ولكن يتكلم فقط في كتاب. إني أؤمن أن الكثير من عدم إيماننا الديني يرجع إلى تصور خاطئ وشعور مخطئ نحو الكتاب المقدس، بأن إله صامت ابتدأ فجأة يتحدث في كتاب، وحين انتهى من هذا الكتاب رجع ثانية إلى صمته للأبد، والآن نحن نقرأ الكتاب كتسجيل لما قاله الله حينما كان، لفترة وجيزة، في وضعية التحدث! كيف يتسنى لنا أن نؤمن مع وجود عقيدة كهذه؟ في الواقع أن الله غير صامت، ولم يكن كذلك أبداً. بل أن من طبيعته أن يتحدث. فالشخص الثاني في الثالوث المقدس يدعى "الكلمة". والكتاب المقدس هو النتاج الطبيعي والحتمي لحديث الله المستمر، وهو إعلانه المعصوم عن ذهنه موضوع لنا في كلمات إنسانية مألوفة.

إني أعتقد أن عالم جديد سوف ينهض من الغشاوة الدينية حينما لا نقترب إلى الكتاب المقدس بفكرة أنه فقط كتاب قد تم قوله يوماً ما، بل على أنه كتاب يتحدث الآن. لقد كرر الأنبياء مراراً وتكراراً القول "هكذا يقول الله"، فقد أرادوا لسامعيهم أن يفهموا أن حديث الله هو في زمن المضارع المستمر. قد نستخدم زمن الماضي إلى حد كبير لنشير إلى أنه في وقت معين قيلت كلمة معينة من الله. ولكن متى قيلت كلمة من الله فأنها تظل مقولة، كما أن الطفل متى وُلِد فأنه يستمر حياً، أو أن عالمُ ما متى خـُلِق يستمر كائناً. وهذه ليست إلا تشبيهات قاصرة، فالأطفال يموتون والعوالم تحترق، ولكن كلمة إلهنا تدوم للأبد. إذا اتبعت لتعرف الله فاذهب للكتاب المقدس متوقعاً أن يتحدث إليك، لا تذهب بمعتقد أنه شئ يمكنك أن تحركه بما يتناسب معك. إنه أكثر من مجرد شئ، إنه صوت، إنه كلمة، كلمة الله الحي.

أ. و. توزر
من كتاب " The Pursuit of God"
الفصلين الخامس والسادس

ترجمة: مشير سمير
يُسمح بإعادة نشر المحتوى بشرط ذكر المصدر واسم الكاتب والمترجم



أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا