أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

(ملحوظة للمتصفح: هذه الفكرة طويلة بعض الشيء، ونظراً لأهميتها لم نستطع اختصار أي جزء منها. يمكنك نسخها ولصقها بملف خاص على جهازك لقراءتها في وقت لاحق)


"من درس البشر وحدهم, حصل على جسد المعرفة دون النفس. ومن درس الكتب وحدها حصل على النفس دون الجسد. أما من أضاف إلى ما يراه الملاحظة, وإلى ما يقرأه التفكير, فهو على الطريق الصحيح إلى المعرفة, بشرط ألا يهمل قلبه وهو يتفحص قلوب الآخرين."

كالب كولتن


إن غاية الانضباطات الروحية هي التغيير الكلي للشخص. فهي تهدف إلى إحلال عادات جديدة مُحيية محل العادات القديمة الهدامة. ولا يرى هذا الغرض بصورة أجلى مما يرى في انضباط الدراسة. فالرسول بولس يقول لنا إننا نتغير عن شكلنا بتجديد أذهاننا (رومية 12: 2). والذهن يتجدد بتعريضه لتلك الأشياء التي تُغيره. "أخيراً أيها الإخوة, كل ما حق, كل ما هو جليل, كل ما هو عادل, كل ما هو طاهر, كل ما هو مُسر, كل ما صيته حسن, إن كانت فضيلة, وإن كان مدح, ففي هذه افتكروا" (فيلبي 4: 8). وانضباط الدراسة هو الأداة الأساسية التي تؤدي بنا إلى التفكر في هذه الأمور. من هنا وجب أن نفرح لأننا لسنا متروكين لوسائلنا الخاصة, بل أُعطينا هذه الواسطة من وسائط النعمة لله لتغيير روحنا الداخلية.

إنما يبقى كثيرون من المؤمنين بالمسيح أسرى للمخاوف والهموم المقلقة فقط لأنهم لا يستفيدون من انضباط الدراسة. فربما كانوا مواظبين على حضور اجتماعات الكنيسة, ومجتهدين في إتمام واجباتهم الدينية, ومع ذلك لا يتغيرون. ولست أتحدث هنا فقط بشأن الذين يتقيدون بالممارسات الشكلية فحسب, بل بشأن أولئك الذين يلتمسون بأصالة أن يعبدوا ويطيعوا يسوع المسيح رباً وسيداً ومعلماً. فقد يرنمون ترنيماً عذباً, ويُصلون في الروح القدس, ويعيشون طائعين على حد ما يعملون, بل أيضاً يتلقون رؤى وإعلانات إلهية, ومع ذلك يبقى مسرى حياتهم بلا تغيير. أما سبب ذلك فأنهم لم يضطلعوا قط بواحدة من الوسائط الأساسية التي يستخدما لله لتغييرنا, ألا وهي الدراسة. وقد أوضح المسيح بغير لبس ولا غموض أن معرفة الحق تُحررنا: "تعرفون الحق, والحق يُحرركم" (يو 8: 32). فالمشاعر الطيبة لن تُحررنا. واختبارات الانجذاب أو النشوة لن تحررنا. و"التحليق عالياً في يسوع" لن يحررنا. إذ إننا بغير معرفة الحق لن نكون أحراراً.

وهذا المبدأ صحيح بالنسبة إلى كل مسعى بشري. إنه صحيح بالنسبة إلى البيولوجيا والرياضيات. وصحيح بالنسبة إلى الزيجات والعلاقات الإنسانية الأخرى. غير أنه صحيح على نحو خاص في ما يتعلق بالحياة الروحية. فكثيرون يتعرقلون ويرتبكون في المسيرة الروحية بجهل يسير للحق. وأسوأ بعد أن كثيرين قد أوقعوا في أسر العبودية الأقسى من خلال التعليم الفاسد. "تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً, ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم أكثر منكم مضاعفاً " (متى 23: 15).

فلنعكف إذاً على تعلم مقومات انضباط الدراسة الروحي, وعلى تمييز أشراكه, وعلى ممارسته بفرح, وعلى اختبار التحرير الذي يأتي به.

ما المقصود بالدراسة؟

الدراسة اختبار من نوع معين يمكن فيه الذهن, بواسطة التنبه الواعي إلى الحقيقة من التحرك في اتجاه معين. ولنتذكر أن الذهن لابد أن يتخذ دائماً نظاماً موافقاً للنظام الذي يركز عليه. هب أننا نلاحظ شجرةً أو نقرأ كتاباً. فإننا نرى ذلك ونتلمسه ونفهمه, ونستخلص منه النتائج. وإذ نفعل هذا, تتخذ عملياتنا الفكرية نظاماً يوافق النظام الذي في الشجرة أو الكتاب. حتى إذا فعلنا ذلك بتركيز وإدراك وتكرار, تتكون عندنا عادات فكرية مُتأصلة.

لقد أوصى العهد القديم بني إسرائيل بكتابة وصايا الشريعة على الأبواب وقوائمها, وبربطها على معاصمهم وجباههم لتكون نُصب عيونهم (تثنية 11: 18). وكان الغرض من هذه التوجيهات توجيه الأذهان تكراراً وبانتظام نحو أنماط تفكير مُعينة بشأن الله والعلاقات البشرية. ولاشك أن العهد الجديد استبدل بالوصايا المكتوبة على قوائم الأبواب وصايا مكتوبة على القلب, واقتادنا إلى الرب يسوع, مُعلمنا الداخلي الحاضر دائماً أبداً.

ينبغي أن نشدد مرة أخرى بعد على أن عادات الفكر المتأصلة التي تتكون فينا لابد أن توافق نظام الشيء المدروس. فما ندرسه يُحدد نوع العادات التي تتكون, الأمر الذي من أجله يحثنا الرسول بولس أن نُركز أذهاننا على كل ما هو حق وجليل وعادل وطاهر ومُسر وحسن الصيت.

ثم إن العملية الجارية في الدراسة ينبغي تفريقها عن التأمل. فالتأمل تعبدي, أما الدراسة فتحليلية. والتأمل يستمتع بكلمة, فيما الدراسة تُعللها وتُحللها. ومع أن التأمل والدراسة كثيراً؟ ما يتداخلان, فهما يُشكلان اختبارين مُتمايزين. ذلك أن الدراسة توفر إطاراً موضوعياً معيناً يستطيع التأمل ضمنه أن يؤدي وظيفته بنجاح.

وفي الدراسة "كتابان" ينبغي أن يُدرسا: كتاب لفظي وآخر غير لفظي. فالكتب والدروس إذا تُشكل فقط نصف ميدان الدراسة, وربما أقل. أما عالم الطبيعة, والأهم ملاحظة الأحداث والأفعال, فينطلق في طليعة ميادين الدراسة غير اللفظية. إن مهمة الدراسة الأساسية هي النظر بإدراك في حقيقة وضع مُحدد, أو مقابلة معينة, أو كتاب ما ..إلخ. فقد نجتاز أزمة كبرى مثلاً, دون أي إدراكٍ لطبيعة الوضع المأساوي الحقيقية. ولكن إذا لاحظنا بدقةٍ ما جرى وتفكرنا فيه, أمكننا أن نتعلم الكثير.

أربع خطوات

تشتمل الدراسة على أربع خطوات, أولها التكرار. ومن شأن التكرار عادةً أن يضع الذهن في قناة باتجاه محدد, مؤصلاً بذلك العادات الفكرية.

فمن الممكن أن تُشكل عادات فكرية مُتأصلة بالتكرار وحده, مغيرة السلوك تالياً. لهذا السبب تُشدد أشكال عديدة جداً من الروحانية على تعداد أعمال الله بانتظام. وهذا أيضاً هو الأساس المنطقي الجوهري وراء الضبط النفسي, حيث يُدرب الفرد على تكرار توكيدات معينة بانتظام (مثلاً, أنا أحب نفسي حباً غير مشروط).

وهكذا يُدرب العقل الباطن, وسوف يتجاوب أخيراً بتكييف السلوك بحيث يتوافق مع التوكيد. ولئن كان هذا المبدأ بالطبع معروفاً على مدى قرون, فإنه لم يحظ بالتأييد العلمي إلا منذ عهدٍ قريب.

لهذا تُعد قضية البرمجة التلفزيونية بالغة الأهمية. فإذ تُعرض على الشاشة كل مساء في وقت الذروة جرائم قتلٍ لا تحصى, يدرب التكرار وحده العقل الباطن على الأنماط الفكرية الهدامة.

أما الخطوة الثانية في الدراسة فهي التركيز. فإذا كان المرء, فضلاً عن صرف الذهن تكراراً إلى موضوع البحث, يركز على ما هو قيد الدرس, فإن التعلم يتضاعف بصورة واسعة. ذلك أن التركيز يُركز الذهن. إذ إنه يشدد الانتباه على الموضوع قيد الدراسة. وللذهن البشري قدرة على التركيز لا تصدق. فهو يتلقى باستمرار آلاف المنبهات, يُخزن كل منها في مخازن ذاكرته, فيما يُركز هو على قليل منها فقط. وقدرة الدماغ الطبيعية هذه تتعزز عندما نُركز انتباهنا, بوحدة غرض, على موضوع دراسة مرغوب.

يعيش الغربيون في حضارة لا تُقدر التركيز حقه. فالالتهاء هو نظام يومنا. إذ إن كثيرين مثلاً يمارسون جميع أنشطة النهار والمساء فيما الراديو شغال. وبعض يقرأون كتاباً ويشاهدون التلفاز في الوقت عينه. ويجد معظم الناس قضاء يوم كامل مركزين على شيءٍ واحداً أمراً مستحيلاً بالفعل. وكم تتناقض فعاليتنا حقاً بسبب تبديد طاقاتنا على هذا النحو!

وحين لا يقتصر أمرنا على توجيه الذهن تكراراً في اتجاه معين, مركزين انتباهنا على الموضوع, بل نهم أيضاً ما نحن بصدد دراسته, فإننا نبلغ مستوى جديداً, من ثم, فإن الإدراك هو ثالث خطوة في انضباط الدراسة.

إن الرب يسوع, كما تذكر, يُذكرنا أن ما يحررنا ليس هو مجرد الحق, بل معرفة الحق (يوحنا 8: 32). والإدراك يُركز على معرفة الحق. فجميعنا مررنا باختبار قراءة شيءٍ ما مراراً وتكراراً, وإذ بنا بعد ذلك نفهم ما يعنيه حالاً. وهذا الاختبار الذي يُتيح لنا أن نهتف "وجدتها!" لدى فهمنا المفاجئ, يدفعنا إلى مستوى نمو وحرية جديد. إنه يؤدي إلى التبصر والتمييز, كما يوفر الأساس لإدراك الحقيقة إدراكاً صحيحاً.

إنما تدعو الحاجة إلى خطوة أخرى بعد, ألا وهي التفكر. فمع أن الإدراك يُعرف ما نحن دارسوه, فإن التفكر يعرف أهمية ما نحن دارسوه. وإن نتفكر ونتمعن في أحداث زماننا أمر يُفضي بنا إلى الحقيقة الداخلية لتلك الأحداث. فالتفكر يُوصلنا إلى رؤية الأمور من منظور الله. وفي التفكر يتأتى لنا أن نفهم لا موضوع بحثنا فحسب, بل أنفسنا أيضاً. وغالباً ما تكلم المسيح بشأن آذان لا تسمع وعيون لا تبصر. فعندما نتفكر في معنى ما ندرسه, نصير نسمع ونُبصر بطريقة جديدة.

ولابد أن يتضح سريعاً أن الدراسة تقتضي تواضعاً. فبالحقيقة أن الدراسة لا يمكن أن تحصل قبل أن نغدو مستعدين لأن نخضع لموضوع البحث. فينبغي أن نخضع للنظام, كما ينبغي أن نأتي إلى الدراسة تلامذةً, لا أساتذة. ولا يقتصر الأمر على كون الدراسة متوقفة مباشرة على التواضع, بل هي أيضاً مُفضية إليه. فالغرور وروح التعلم كلاهما تُقصي أحدهما الآخر.
ونحن جميعاً نعرف أشخاصاً درسوا مُقرراً ما, أو نالوا شهادة أكاديمية, يعرضون معلوماتهم بطريقة استفزازية. فلابد أن نشعر بالأسى الشديد حيال أشخاص كهؤلاء, لأنهم لا يفهمون انضباط الدراسة الروحي. وقد حسبوا المعرفة تكديس معلومات وهم في ذلك مخطئون. وهم يُساوون بين التشدق بالكلام والحكمة. فيا لها من مأساة! غير أن الرسول يوحنا يُعرف الحياة الأبدية بوصفها معرفة الله. "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك, ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا 17: 39). حتى لمحة يسيرة من هذه المعرفة الاختبارية تكفي لأن تُعطينا إحساس اتضاع عميقاً.

أما, وقد أرسينا الأساس, ننتقل الآن إلى النظر في تطبيق انضباط الدراسة بصورة عملية.

دارسة الكتب

عندما تنظر إلى الدارسة بعين الاعتبار, فإننا على نحو أكثر طبعية نُفكر في الكتب أو غيرها من المكتوبات. ومع أن الكتب هي فقط نصف الميدان, كما سبق أن ذكرت, فهي الأهم بكل بدهية وجلاء.

ولكن المؤسف أن كثيرين, على ما يبدو, يحسبون أن دراسة كتاب ما هي مهمة سهلة. ولاشك أن هذا الموقف الازدرائي يُفسر عادات القراءة السقيمة لدى الكثيرين. فإن دراسة كتاب ما هي مسألة مُعقدة, ولاسيما بالنسبة على المبتدئ. وكما هي الحال بالنسبة إلى التنس أو الطباعة, فأول ما نتعلم مهاراتٍ من هذا النوع يبدو أنها تشتمل على كثير جداً من التفاصيل الواجب إتقانها, حتى إننا نتساءل كيف سنتمكن من إبقاء كل شيءٍ في أذهاننا في الوقت نفسه. ولكن ما إن نُحرز البراعة حتى تصير الآليات تلقائية, ونغدو قادرين أن نُركز على لعبة التنس التي نلعبها أو على المادة التي نطبعها.

والأمر عينه يصح بالنسبة إلى دراسة كتاب من الكتب. فالدراسة فن مُجهد يشتمل على متاهة من التفاصيل. والعقبة الرئيسية هي إقناع الناس بأن عليهم أن يتعلموا الدراسة. فمعظم الناس يفترضون أنهم يعرفون كيف يدرسون لأنهم يعرفون كيف يقرأون الكلمات. وهذا الإدراك المحدود لطبيعة الدراسة يُفسر السبب الذي من أجله يكسب الكثيرون من قراءة الكتب فوائد ضئيلة جداً.

عندما تقرأ كتاباً, تتحكم بدراستنا ثلاث قواعد جوهرية, وثلاث ثانوية. وقد تستدعي القواعد الجوهرية في البداية ثلاث قراءات منفصلة, ولكن من الممكن عاجلاً أو آجلاً أن تتم بالتزامن.

أما القراءة الأولى فتُعنى بفهم الكتاب: ماذا يقول المؤلف؟

أما القراءة الثانية فُتعنى بتفسير الكتاب: ماذا يعني المؤلف؟

وأما القراءة الثالثة فتُعنى بتقييم الكتاب: أمصيبٌ المؤلف أم مُخطئ؟ ويميل معظمنا إلى إتمام القراءة الثالثة في الحال, فيما لا يتمون القراءتين الأولى والثانية أغلب الأحيان. فنحن نُصدر تحليلاً نقدياً لكتابٍ ما قبل أن نفهم ما يقوله. ونحكم على كتاب ما بأنه صواب أو خطأ قبل أن نُفسر معناه. وكما يقول الحكيم, كاتب سفر الجامعة, إن لكل شأنٍ تحت السماء وقتاً, فكذلك وقت التحليل النقدي لكتاب من الكتب يأتي بعد فهمه الصحيح وتفسيره الدقيق.

غير أن قواعد الدراسة الجوهرية ليست بجد ذاتها وافية. فلكي نقرأ بنجاح, نحتاج إلى المساعدات الثانوية المتمثلة في الاختبار والكتب الأخرى والنقاش المباشر.

أما الاختبار فهو الطريقة الوحيدة لتمكيننا من تفسير ما نقرأه ومن ثم ربطه بحياتنا. ذلك أننا نقرأ كتاباً عن المآسي بعينين مختلفتين حين نكون قد اجتزنا نحن أنفسنا وادي الظل. فالاختبار الذي فُهم وتفكر المرء فيه يُغني دراستنا بالمعلومات وينورها.

أما الكتب الأخرى فيمكن أن تشتمل على القواميس والتفاسير وغيرها من المكتوبات التفسيرية. ولكن الكتب العظيمة التي تسبق الموضوع المدروس أو تُعززه هي أهم بكثير. وغالباً ما يكون للكتب قيمة فقط حين تُقرأ في ضوء صلتها بغيرها من المكتوبات. فإن الناس مثلاً لابد وأن يستصعبوا كثيراً فهم سفري رومية والعبرانيين في العهد الجديد بغير أن يترسخوا في أدب العهد القديم. ويكاد يكون من المستحيل أن يقرأ الأمريكي الصحائف الفدرالية دون أن يكون قد قرأ أولاً مواد الاتحاد ودستور الولايات المتحدة. ذلك أن المكتوبات العظيمة التي تتناول قضايا الحياة الأساسية تتفاعل بعضها مع بعض, ولا يمكن أن يُقرأ بعضها بمعزلٍ عن بعض.

وأما النقاش المباشر فُيقصد به التفاعل المعهود الذي يحصل بين الكائنات البشرية في سياق متابعة  مُقرر دراسي معين. وكثيراً ما أقرأ أنا وطلابي من أفلاطون أو أُغسطينوس فنُحرز فقط استيعاباً جزئياً لمعنى ما قرأناه أو مغزاه. ولكن حين نجتمع للنقاش والتباحث, والحوار السقراطي, تبرز تبصراتٌ ما كانت لتحصل لولا هذا التبادل. فإذ نتفاعل مع الكاتب, ونتفاعل بعضنا مع بعضُ, تُولد أفكارٌ خلاقة.

إنما الكتاب الأول والأهم الذي ينبغي لنا أن ندرسه هو الكتاب المقدس. فإن كاتب المزامير يسأل: "بم يُزكي الشاب طريقه؟" ثُم يجيب: "بحفظه إياه حسب كلامك" ويُضيف أيضاً: "خبأت كلامك في قلبي لكيلا أُخطئ إليك" (مز 119: 9, 11). وربما قصد كاتب المزامير بقوله "كلامك" التوارة, إلا أن المسيحيين على مر القرون قد وجدوا أن ذلك صحيحٌ أيضاً بالنسبة إلى دراستهم لجميع الأسفار المقدسة. "كل الكتاب هو موحى به من الله, ونافعٌ للتعليم والتوبيخ, للتقويم والتأديب الذي في البر, لكي يكون إنسان الله كاملاً, متأهباً لكل عمل صالح" (2 تيموثاوس 3: 16, 17). ولاحظ أن الغاية المركزية ليست نقاوة التعليم (وإن كانت مُتضمنة بلا شك), بل هي التغيير الداخلي. فنحن نُقبل إلى الكلمة المقدسة لكي نتغير, ولا لكي نُخزن المعلومات.

ولكي ينبغي أن نفهم أن بين دراسة الكتاب المقدس وقراءة الكتاب التعبدية فرقاً شاسعاً. ففي دراسة الكتاب يُولى التفسير أهمية عُليا: ماذا يعني النص الكتابي؟ وفي قراءة الكتاب التعبدية يولى التطبيق أهمية عليا: ماذا يعني النص النسبة إلى؟ ,ما أكثر ما يندفع الناس إلى مرحلة التطبيق ويتخطون مرحلة التفسير: إذ يريدون أن يعرفوا ماذا يعني النص بالنسبة إليهم قبل أن يعرفوا ما يعنيه في ذاته! ثم إننا أيضاً لا نطلب الانتشاء الروحي في الدراسة, حيث يمكن بالحقيقة أن يكون الانتشاء عائقاً. فحين ندرس واحداً من أسفار الكتاب المقدس, نكون طالبين أن يُسيطر علينا قصد الكاتب. إذ نعقد العزم على أن نسمع ما يقوله, لا ما نُريد منه أن يقول. ونطلب الحق المُغير للحياة, لا مجرد المشاعر الطيبة. ونحن مستعدون لأن ندفع الثمن المُتمثل في يوم عقيم وسقيم بعد يوم آخر مثله إلى أن يتضح المعنى. وهذه العملية تُحدث تغييراً أساسياً كاملاً في حياتنا.

لقد وجد الرسول بطرس في الرسائل التي كتبها "أخونا الحبيب بولس" أموراً يصفها بأنها "عسرة الفهم" (2 بط 3: 15, 16). فإن كان بطرس قد وجدها كذلك, فلابد أن نجدها كذلك نحن أيضاً. وستدعونا الضرورة إلى الاهتمام بهذه الأشياء جدياً. فالقراءة التعبدية اليومية تستحق الإطراء يقيناً, ولكنها ليست دراسة. وأي شخص يهمه أن يتلقى "كلمة صغيرة من عند الله لهذا اليوم" ليس معنياً بانضباط الدراسة.

إن صف مدرسة الأحد العادي المُخصص للكبار سطحي وتعبدي جداً بحيث لا يمكن أن يُساعد على دراسة الكتاب المقدس. (هناك استثناءات, وبعض الكنائس تٌقدم دروساً جدية في الكتاب). ولعلك تسكن في مكان قريبٍ إلى معهد لاهوت أو جامعة, حيث تستطيع ان تحضر الدروس مستمعاً. فإن كانت هذه حالتك فهنيئاً لك, لا سيما إذا وجدت أستاذاً يُزودك قدوة في الحياة, فضلاً عن المعلومات. ولكن إذا لم تكن هذه حالتك (بل حتى إذا كانت), ففي وسعك أن تقوم ببضعة أمور للبدء بدراسة الكتاب المقدس.

وقد اقترحت هذه الفكرة على عدة مجموعات, فتبين لي أن أصحاب المهن ذوي البرنامج الحافل, والعمال ذوي البرنامج الصارم, وربات البيوت ذوات البرنامج المثُقل, وسوى هؤلاء جميعاً, يستطيعون في الواقع أن يُوجدوا الوقت لإقامة خلوة دراسة خاصة. واكتشفت أن المشكلة الأصعب ليست إيجاد الوقت, بل إقناع نفسي أن هذا الأمر مهم جداً بحيث أُخصص له وقتاً.

يُطلعنا الكتاب المقدس على أن بطرس, في أعقاب إقامة طابيثا العجيبة "مكث أياماً كثرة في يافا عند سمعان, رجل دباغ" (أعمال الرسل 9: 43). وقد حدث في أثناء إقامة بطرس في يافا أن الروح القدس بلغ بطرس (وإن كان بوسائل إيضاح مرئية) الرسالة الخاصة بتحيزه الحضاري والعرقي. فماذا كان ممكناً أن يحدث لو أن بطرس, بدلاً من المكوث في يافا, انطلق حالاً في جولة خدمةٍ كرازية يتحدث فيها بشأن قيامة طابيثا؟ أليس محتملاً أنه ما كان ليتلقى من الروح القدس هذه التبصر المزلزل: "بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه, بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده" (أعمال 10: 34, 35)؟ ولا أحد يعلم! إنما أعلم هذا: أن الله يريد أمكنة "مكوث" شتى لجميعنا, حيث يُتاح له أن يُعلمنا بطرقٍ خاصة.

في نظر الكثيرين, يُشكل آخر الأسبوع وقتاً جيداً لاختبارٍ كهذا. ويستطيع آخرون أن يُرتبوا مقدراً من الوقت في بحر الأسبوع. وإذا تيسر يومٌ واحدُ فقط, فغالباً ما تكون عطلة نهاية الأسبوع وقتاً ممتازاً.

ويكاد المكان الأفضل أن يكون أي موضع, مادام بعيداً عن المنزل. فمغادرة البيت أو الشقة لا تُحررنا فقط من التلفون والمسؤوليات البيتية. بل توجه أذهاننا أيضاً إلى موقف تعلم. والفنادق الصغيرة أو الشاليهات, تؤدي الغرض حسناً. أما التخييم فأقل تحبيذاً, بما أن مهام الحياة تشغلنا أكثر. كما أن معظم مراكز الرياضة الروحية توفر خلوات خاصة, ولبعض الأديرة خصوصاً تاريخ طويل في التشجيع على الخلوات الشخصية وتوفير التسهيلات اللازمة.

ولما كانت الخلوات الجماعية المُنظمة لا تأخذ الدراسة تقريباً على محمل الجد, فربما تضطر إلى ترتيب خلوات بنفسك. وبسبب وجودك وحيداً, ستضطر إلى ضبط نفسك واستخدام وقتك بحرص فعلي. وإذا كنت حديث عهدٍ بالأمر, فسينبغي لك ألا تبالغ فيه وتستهلك ذاتك. غير أنك, مع تقدمك في الخبرة, تستطيع أن تُخصص ما بين عشر ساعات واثنتي عشرة ساعة للدارسة الجدية في اليوم الواحد. أما لماذا ينبغي أن تدرس, فذلك يتوقف على ما تحتاج إليه. ورغم عدم معرفتي لحاجاتك, فأنا أعلم أن واحدة من الحاجات الماسة بين المؤمنين بالمسيح اليوم هي إلى مجرد قراءة أجزاء كبيرة من كلمة الله. فإن قسماً كبيراً من قراءتنا للكتاب المقدس مُتفرق ومُتقطع. وقد عرفت طلاباً درسوا مقررات خاصة بالكتاب المقدس. ورغم ذلك فإنهم لم يقرأوا قط – مجرد قراءة – السفر المدروس ككل. ففكر في أخذ سفر كبير من الكتاب,  كالتكوين أو أرميا, واقرأه كله باطراد, ملاحظاً تركيب السفر وحركته. ولاحظ أيضاً المواضع الصعبة, ثم عد إليها لاحقاً. ودَوِّن الأفكار والانطباعات. ومن الحكمة أحياناً أن تقرن دراسة الكتاب المقدس بدراسة واحد من الآثار التعبدية الكلاسيكية. إن اختباراتٍ خلوةٍ من هذا النوع يمكن أن تُغير حياتك حقاً.

وتتمثل مٌقاربة أخرى لدراسة الكتاب المقدس بأن تأخد سفراً أصغر, كرسالة أفسس أو يوحنا الأولى مثلاً, وتقرأه كله يومياً مدة شهر. فمن شأن هذا, أكثر من أي جهد آخر, أن يُدخل بنية السفر في ذهنك. إنما اقرأه بغير أن تحاول إدراجه داخل أية خانة مقررة. وتوقع أن تسمع أموراً جديدة بطرق جديدة. ودَوِّن  ما تحصلت عليه في دفتر يوماً بعد يوم. وفي سياق هذه الدراسات, ستضطر بوضوحٍ إلى استخدام أفضل ما في متناولك من مساعداتٍ ثانوية.

وفضلاً عن دراسة الكتاب المقدس, لا تهمل دراسة بعض الآثار الكلاسيكية الاختبارية في الأدب المسيحي. وأقترح عليك أن تبدأ باعترافات القديس أغسطينوس (The Confessions of St. Augustine). ثم توجه إلى الاقتداء بالمسيح (The imitation of Christ)  لتوما الكمبيسي  (Thomas A. Kempis). ولا تهمل ممارسة حضور الله   (The Practice of the Presence of God) للأخ لورنس (Brother Lawrence). وفي سبيل متعة إضافية, اقرأ أزهار القديس فرنسيس الصغيرة (The little flowers of St. Francis), بقلم الأخ أغولينو (Brother Ugolino). ولعلك ترغب تالياً في شيٍ أثقل قليلاً مثل الأفكار (Pensees) لبلايز باسكال (Blaise Pascal). وتمتع بأحاديث المائدة (Table Talks) لمارتن لوثر (Martin Luther), قبل أن تخوض غمار مبادئ الدين المسيحي (Institutes of the Christian Religion) لجون كالفن (John Calvin). وفكر في قراءة يوميات جورج فوكس (Journal of George Fox) رائد المذكرات الدينية, أو ربما يوميات جون وسلي (Journal of John Wesley) الأشهر. واقرأ بانتباه كتاب وليم لاو (William Law) دعوة جدية إلى حياة تقية وطاهرة (A serious call to a devout and holy life), فكلماته لها وقع معاصر. ومن القرن العشرين, اقرأ عهد تكريس (a testament of devotion) لتوماس كلي (Thomas Kelly) وكلفة التلمذة "اتباع المسيح" (The cost of discipleship)  لديترتش بونهوفر (Dietrich Bonheoffer) والمسيحية المجردة (Mere Christianity) لسي. أس. لويس (C.S.Lewis).

وبديهي أن هذه مجرد عينة. فقد تجاوزت كلياً إعلانات الحب الإلهي (Revelations of Divine

Love) لجوليانا النرويجية (Juliana of Norwich), ومدخل إلى حياة التقوى (Introduction to the devout) لفرنسيس دو سال (Francis De Sales), ويوميات جون ولمان (The journal of John Woolman), وكتباً أخرى كثيرة. ثم لا ينبغي أن ننسى مجموعات المكتوبات العظيمة بأقلام رجال ونساء من مختلف الفئات. فكثيرون من هؤلاء المفكرين ذوو إدراك غير عادي في محنة الإنسان: كتَّاب من أمثال لاوتسي الصيني (Lao-Tse), و زارادشت الفارسي (Zarathustra of Persia), وشكسبير (Shakespeare) وملتون (Milton), وسرفانتس (Cervantes) ودانته (Dante), وتولستوي (Tolstoy) ودوستويفسكي (Dostoevski), وداغ همرشواد (Dag Hammarskjöld) ابن القرن العشرين.

إنما لابد من كلمة تنبيه هنا. لا تندحر ولا تخر عزيمتك من جراء جميع الكتب التي لم تقرأها. فمن المحتمل ألا تقرأ جميع الكتب المذكورة هنا, وأن تقرأ كتباً أخرى لم تُذكر. وقد أدرجت هذه المكتوبات كي تساعدك على رؤية الكمية الممتازة المتوفرة لنا من الأدب المسيحي لأجل هدايتنا في المسيرة الروحية. إن كثيرين آخرين قد سلكوا السبيل عينه وتركوا معالم لافتة. فتذكر أن مفتاح انضباط الدراسة ليس قراءة كتب كثيرة, بل اختبار ما نقرأه فعلاً.

دراسة "الكتب" غير اللفظية

نصل الآن إلى ميدان الدراسة الأقل اعتباراً, لكن ربما الأهم, ألا وهو ملاحظة حقيقة الأشياء والأحداث والأفعال. وأسهل مكان نبدأ به هو الطبيعة, فليس صعباً أن نرى أن في النظام المخلوق أموراً كثيرة نتعلمها.

يقول لنا أشعياء: "الجبال والآكام يُشيد أمامكم ترنماً, وكل شجر الحقل يُصفق بالأيادي" (أش 55: 12). فإن صنعة يد الله يمكن أن تُكلمنا وتُعلمنا إن نحن أصغينا. ويخبرنا مارتن بيوبر قصة الحاخام الذي كان يذهب إلى إحدى البرك كل يوم عند الفجر كي يتعلم "الترنيمة التي تُسبح الضفادع بها الله".

ونحن نبدأ دراسة الطبيعة بإبداء الاهتمام. ذلك أننا نرى الزهور أو الطيور. ونُراقبها بانتباه وبروح الصلاة. وقد وصف أندريه جيد المرة التي راقب فيها فراشة صغيرة تخرج من شرنقتها في أثناء محاضرة في غرفة الصف. إذ ذاك عمره العجيب والرهبة الفرح إزاء هذا التحول, هذه القيامة. وبحماسة أرى أستاذه الشرنقة, فأجابه بلهجة استهجان: "ماذا! ألا تعلم أن الشرنقة هي غلاف الفراشة؟ فكل فراشة تراها خرجت من شرنقة. إن هذا طبيعي جداً". وكتب جيد بخيبة أمل: "بلى.. ولكن لأن ذلك كان طبيعياً, ألم يستطع أن يرى أنه كان عجيباً؟ بئسه من مخلوق! ومنذ ذلك اليوم نفرت منه وعافت نفسي دروسه". ومن لا يكون موقفه كذلك؟! فإن أستاذ جيد خزن المعلومات فحسب, ولم يدرسها حقاً. وهكذا فإن الخطوة الأولى في دراسة الطبيعة هي الملاحظة المتهيبة. إذ في وسع ورقة بسيطة أن تتحدث بشأن النظام والتنوع, والتعقيد والتناظر. وقد كتبت إفلين أنرهل: "لم شتات ذاتك, كما قد علمتك تمارين الاستذكار أن تفعل. ثم مد بصرك, بفعل إرادة مُحبة مُميز, صوب واحد من تجليات الحياة العديدة المحيطة بك. أما غرض التأمل, فهو قليل الأهمية. فمن جبل الألب إلى الحشرة, أي شئٍ سيؤدي دوره, على أن يكون موقفك صحيحاً".

أما الخطوة الثانية فهي أن تُصادق الأزهار والأشجار والمخلوقات الصغيرة التي تدب على الأرض. وعلى غرار الدكتور الأسطوري دولتل, تحدث إلى الحيوانات. طبعاً, ليس في وسعك أن تُحادثها فعلاً.. أم في وسعك ذلك؟ فثمة يقيناً تخاطب يتخطى الكلام, ويبدو أغلب الأحيان أن الحيوانات تتجاوب مع صداقتنا وعطفنا. وأنا أعرف هذا الأمر لأنني جربته, وهكذا فعل بعض العلماء الممتازين, وقد تبين لنا أنه صحيح. وربما كان ما يُروى عن القديس فرنسيس من ترويضه لذئب غبيو (Wolf of Gabbio) وكرازته للطيور أمراً غير بعيد الاحتمال. إنما يمكننا أن نكون على يقين بشأن هذا الأمر: أننا لابد أن نتعلم من ذلك. وفي الإخوة كرامازوف (The Brothers Karamazov) ينصح دوستويفسكي بهذا "أحبب مخلوقات الله كلها, مجملها وكل حبة تراب فيها. أحبب كل ورقة, وكل شعاع من نور الله. أحبب الحيوانات, أحبب النباتات, أحبب كل شئ. فإن أحببت كل شئ, أدركت السر الإلهي في الكائنات. وما إن تدركه, حتى تبدأ بفهمه فهماً أفضل كل يوم".

وهنالك بالطبع "كتب" أخرى كثيرة, فضلاً عن الطبيعة, ينبغي لنا أن ندرسها. فإن لاحظنا العلاقات الحاصلة بين الكائنات البشرية, تتلقى ثقافة ذات مستوى جامعي عالٍ. لاحظ مثلاً كم من كلامنا يستهدف تبرير أفعالنا. فنحن نجد من شبه المستحيل أن نتصرف وندع التصرف يتكلم عن ذاته. لا! إن علينا أن نفسر الفعل, ونُبرره, ونُثبت مقدار صوابه. فلماذا نشعر بهذا الاضطرار إلى وضع الأمور في نصابها؟ بسبب الكبرياء والخوف, لأن سمعتنا على المحك!

ومن السهل خصوصاً أن نُلاحظ هذا الاضطرار بين البائعين والكتاب وخدام الدين والمعلمين... جميع أولئك الذين يكسبون معيشتهم بإتقان الكلام غير أننا جعلنا أنفسنا بالتدريج واحداً من مواضيع الدراسة الرئيسية, فإننا نُحرر من روح التعالي. فعاجلاً أو آجلاً لابد أن نغدو غير قادرين على الصلاة على غرار الفريسي: "اللهم أنا أشكرك أني لست مثل باقي الناس..." (لو 18: 11).

فينبغي لنا أن نصير مُنتبهين إلى العلاقات العادية التي نلقاها خلال يومنا: في البيت والعمل والمدرسة, حيث نُلاحظ الأمور التي تُسيطر على الناس. تذكر أننا لسنا نُحاول أن ندين أي شخص أو نحكم عليه, بل إنما نُحاول أن نعلم. فإن لمسنا بالعقل روح إدانة ناشئة داخل نفوسنا, نرصد ذلك ونتعلم.

وكما ذكرت آنفاً, ينبغي أن تكون نفوسنا أحد المواضيع التي نُعني بدراستها. فينبغي أن نتعلم الأشياء التي تُسيطر علينا. إذ نرصد مشاعرنا الداخلية وتقلباتنا المزاجية. ماذا يُسيطر على أمزجتنا؟ لماذا يورقنا أشخاص مُعينون فيما لا نستسيغ آخرين؟ وماذا تُعملنا هذه الأمور عن أنفسنا؟

وإذ نفعل هذا كله, لا نحاول أن نكون علماء نفسٍ أو اجتماع من الهواة. ولا يستحوذ علينا أيضاً الاستبطان المفرط. فنحن ندرس هذه الأمور بروح اتضاع, محتاجين إلى جرعة كبيرة من النعمة. إنما يُعوزنا أن نعمل بقول سقراط المأثورة: "اعرف نفسك!". وبفضل الروح القدس المغبوط نتوقع أن يكون الرب يسوع هو معلمنا الحي الحاضر دائماً أبداً.

ونحسن فعلاً إن درسنا الدساتير والحضارات والقوى التي تُشكلهن. كذلك ينبغي لنا أن نفكر في أحداث زماننا, ملاحظين أولاً, بروح تمييزٍ نبيهة, أية أشياء تُعلي حضارتنا شأنها على أنها "أحداث عظيمة". ولننظر إلى قيم الحضارة – ليس ما يقول الناس إنها هي, بل ما هي بالفعل.

ولنتعلم أن نطرح أسئلة. ما الفوائد والعوائق التي يتميز بها مجتمع تكنولوجي؟ ماذا فعلت صناعة الوجبات السريعة بعادة اجتماع العائلة لتناول الطعام معاً؟ لماذا نستصعب في حضارتنا إيجاد وقتٍ لإنشاء العلاقات؟ هل الفردية الغربية مفيدة أم ضارة؟ ما الذي يتوافق في حضارتنا مع الإنجيل, وما الذي يتنافى معه؟ إن واحدة من أهم وظائف "الأنبياء" المسيحيين في زماننا هي القدرة على أن يُدركوا عواقب مختلف القوى في حضارتنا وأن يُصدروا عليها أحكاماً تُبين قيمتها الحقيقية.

إن الدراسة تُنتج فرحاً. وشأننا شأن أي مُبتدئ, سنجدها عملاً شاقاً في البداية. ولكن كلما زادت براعتنا عظُمت بهجتنا. وقد قال ألكسندر بوب: "ما من دراسة لا تستطيع أن تُبهجنا بعد أن نعكف عليها عكوفاً قليلاً." فالدراسة تستحق جيداً جهدنا الأكثر جدية.


ريتشارد فوستر

من كتاب فرح الانضباط: سبيل النمو الروحي

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا