أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

إن ما يعتبره العالم بصفة عامة جديراً بالمحبة، ينظر إليه الأبدي (الله) بالطبع على أنه شيء خليق بالتحريم والعقوبة. ومن يصفه العالم بأنه شخص محبوب هو قبل كل شيء إنسان يحرص كل الحرص على ألا يلبي – من صميم قلبه – مطالب الأبدي، أو مطالب الرب بأن يحيا وجوداً جوهرياً أو وجوداً متقداً في جوهره. وذلك الشخص المحبوب يعرف جيداً شتى المعاذير الممكنة وأنواع الهروب، وقواعد الأخلاق الماكرة في المساومة والمماحكة المخاتلة (المخادعة)، وهو محبوب بما يكفي لأن تؤثر براعته على الآخرين الذين يستعين بهم لتنظيم حياته الخاصة حتى تسير سيراً هيناً مريحاً يعود عليه بأوفر المزايا. وفي صحبة هذا الرجل المحبوب يجد الإنسان نفسه آمناً مطمئناً، فهو لا يحث الإنسان أبداً على تخيل إمكانية التفكير في وجود شيء أبدي، أو ما يفرضه هذا الوجود (الأبدي) من مطالب على حياة كل إنسان، أو أن هذا الأبدي يكمن قريباً من المرء بحيث قد يكون هذا المطلب اليوم والآن (وليس في وقت أو زمان آخر). هذا هو الإنسان المحبوب، بيد أنه لشخص غير محبوب في نظر الناس ذلك الذي – دون أن يطلب شيئاً من أحد، وإنما يطلب الكثير من نفسه في صرامة وجدية – يذكر الناس بوجود مثل هذا المطلب (من الأبدي). وفي صحبته لا تبدو المعاذير وأنواع الهروب شيئاً جميلاً جداً، وكل ما يعيش المرء من أجله يتخذ سمة غير بطولية. في رفقته لا يستطيع المرء أن يخلد إلى الراحة، بل أنه لا يساعد أحداً على أن يسوي وسادة الراحة باللجوء إلى التساهل الزمني أو حتى إلى التساهل الورع حسن النية.

ولكن ما هي تلك الجدارة بالحب التي يخلعها الناس على الشخص المحبوب؟ إنها خيانة الأبدي. وهذا هو السبب الذي يدفع الزمانية  temporality إلى أن تحسن بها الظن.

وهذا هو السبب أيضاً الذي يجعل العالم دائماً مستاء من هذه الكلمات:

"حب الله يعني بغض العالم". وعندما يصبح مطلب الأبدي وارداً على الوجه الصحيح، يبدو وكأنما مثل هذا الشخص قد أبغض كل ما يعيش معظم الناس من أجله. يا له إذن من شخص مزعج، غريب الأطوار، بغيض إلى النفس!

ومن ناحية أخري، ما أحب وأعز أن يدعم المرء البشر ويساعدهم في خطئهم المحبب. ولكن، أمن المحبة حقاً أن نخدع الناس، وهل من المؤكد أن هذه هي المحبة لأن المخدوعين يعتبرونها كذلك، ولأنهم يشكرون خادعهم وكأنه أعظم محسن؟

أمن المحبة أن يحب المرء في الخداع، وأن يبادله الناس المحبة في الخداع؟

أنا أعتقد أن المحبة هي: أن نوصل شخصياً حقيقة الرغبة في تقديم كل تضحية، وليست هي الاستعداد لتضحية أقل ولو ذرة من الحق.


سورين كيركجارد

من كتاب "أعمال المحبة"

ترجمة فؤاد كامل

التعليقات  

#1 Marianne 2012-04-24 04:39
رائع!! و أريد أن أضيف ان على المرء أن يصل إلى نضج روحي رفيع المستوى حتى يستوعب هذا الكلام فعلاً و ليس حفظاً عن ظهر قلب.

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا