مقالات متخصصة

هناك أوقات قد نرغب فيها بالسير دون ان يكون في ذهننا وجهة محددة نقصدها. فالتسكع قد  يكون مسليًا أحيانًا، لكن عندما يتعلق الامر بالوصول إلى مكان محدد وفي وقت معين، من الافضل ان يكون عندنا مخطط، خارطة أو طريق نسلكه.

هذه السلسلة من الدروس هي بعنوان "بناء فكرك اللاهوتي". والتوصل الى استنتاجات صحيحة عند بناء فكر لاهوتي مهم بحيث يجب ان تكون لنا خطة للوصول الى ذلك الهدف. لذلك في هذه السلسلة من الدروس سوف ندرس بعض الاتجاهات الأساسية التي يجب أن نتبعها للتوصل الى بناء فكر لاهوتي مسيحي مسئول.

الدرس الاول هذا، هو بعنوان "ما هو علم اللاهوت؟" وقد أشرنا من خلال إجابتنا على هذا السؤال الى خطة لدرس علم اللاهوت استفادت منها الكنيسة في الماضي  والتي يجب ان نتبعها اليوم. وفي استعراضنا لهذه الخطة سوف نقسم درسنا إلى ثلاثة أقسام رئيسية: أولا، سوف نعرّف علم اللاهوت؛ ثانياً، سوف نستعرض أهداف علم اللاهوت؛ وثالثًا، سوف نتطرق الى مواضيع علم اللاهوت.

دعونا نبدأ بتعريف ما نعنيه عندما نستخدم مصطلح "علم اللاهوت". في دراستنا لهذا الموضوع سوف نتطرق الى ثلاث مسائل: أولاً،  سوف نتعرف على بعض التعريفات النموذجية لأربعة من اللاهوتيين؛ ثانياً، سوف نشرح بعض اتجاهات او وجهات نظر هذه التعريفات؛ ثالثاً، سوف نقيّم هذه الاتجاهات المختلفة. دعونا نبدأ أولاً ببعض الطرق التى عرّف بها اللاهوتيون علم اللاهوت.

الآن، وبحسب الفصل الأول من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، نجد ناحية هامة وهي أن كل البشر يمارسون علم اللاهوت كل حياتهم. وحتى غير المؤمنين منهم، عندما يتواجهون مع الإعلان العام، ينقادون دون أن يعوا أحيانًا، بطريقة أو بأخرى، إلى التأمل بالله ومطالبه العادلة. كذلك المؤمنون، على اختلاف وظائفهم، نجدهم يصرفون الكثير من وقتهم متفكرين في الله. لكننا مع بداية دراستنا، نرغب في التركيز على علم اللاهوت كعمل رسمي، عمل يقوم به أشخاص يبذلون جهدا مدعومًا بالمعلومات في نظام دراسة خاص.

هناك طرق لا تحصى عرّف بها المسيحيون وغير المسيحيين علم اللاهوت كنظام رسمي للدراسة. لكننا سنحصر اهتمامنا هنا، ونحن بصدد مناقشة دراسة علم اللاهوت الرسمية، في اربعة من اللاهوتيين المسييحيين الذين يتمتعون بدرجة عالية من الإحترام والتقدير، والذين وفروا لنا توجهات نافعة. لذلك، دعونا نأخذ بعين الإعتبار، التعريفات التى نجدها في كتابات أولئك الأربعة، وهم: توما الإكوينى، تشارلز هودج، وليم إيمس، واللاهوتي المعاصر جون فرايم.

نبدأ بتوما الإكوينى، اللاهوتي الكاثوليكي الشهير ، الذي يمثل تعريفه التقليدي لعلم اللاهوت. هذا وقد نشأت وجهات نظر الإكوينى من ممارسات اللاهوتيين الذين سبقوه وما زال تأثيرها ظاهرًا  في فروع عديدة من كنيسة اليوم. وفي كتابه الأول، في الفصل الأول، من القسم السابع من عمله الشهير "سوما ثيولوجيكا" (( Summa Theologica، دعا الإكوينى علم اللاهوت "بالعقيدة المقدسة" وعرَّف هذا العلم كالآتي:"هو علم جامع بمعنى أنه يتكلم عن كل الامور من وجهة نظر الله، فالله ذاته هو موضوع هذه الامور أم أنها تشير إليه."

هذا التعريف مقبول ومريح لطلبة علم اللاهوت، كما أنه مفهوم ومعقول بالنسبة لنا. وهو يتضمن بعدين هامين يستحقان منا اهتمامًا خاصًا.

أولاً، عرّف الإكوينى علم اللاهوت بأنه "علم". ولم يكن يقصد بذلك، المعنى الحديث لمصطلح العلم، ولكن العلم بمعناه الأوسع كمسعى علمي عقلاني. وبهذا المعنى يكون علم اللاهوت عملا أكاديميا له هدف محدد. هذا، ويبين تعريف توما الإكوينى أنه بنفس الطريقة التى بها يدرس بعض الناس علم الاحياء، وعلم النفس، والقانون أو التاريخ، فهناك آخرون أيضا يدرسون علم اللاهوت ويهتمون بالبحث فيه كنظام أكاديمى. وهذا المفهوم لعلم اللاهوت يتحقق بالدرجة الاولى من خلال اهتمامات ونشاطات اقترنت عموما بالدراسة الأكاديمية. وفي هذا المنظور، يكون عمل اللاهوتى بصورة رئيسية، أن يفكر، ويعلم، ويكتب عن العقائد أو المفاهيم اللاهوتية. لم يعتقد الإكوينى بالطبع أن علم اللاهوت يجب أن يبقى عملا أكاديميا مجردا، بل بالحري يجب أن يؤثر في كل أبعاد الحياة المسيحية. لكنه مال الى اعتبار علم اللاهوت كمسعى عقلاني.

وإذ نفحص تعريف الإكويني لعلم اللاهوت، نرى بعدا ثانيا مهما. فبالنسبة له، يتضمن علم اللاهوت- على الأقل - مستويين. في المستوى الأول، يتناول اللاهوتيون مسائل تتعلق بـِ "الله نفسه". كأن نصوغ آراء تتعلق بصفات الله: مثل، علمه بكل شيء، حضوره في كل مكان، وقداسته. ونحن نسمّي هذه المواضيع دراسة "علم اللاهوت الحقيقي".  ففي هذا العلم شخص الله نفسه هو موضوع دراستنا.

من ناحية أخرى استخدم الإكوينى مصطلح علم اللاهوت أيضا للإشارة الى دراسة أي موضوع آخر تكون له صلة بالله أو يشير الى الله. مثل هذه المواضيع يمكن مناقشتها بدون إشارة خاصة إلى الله. لكن ببراعة حرفتهم، يربط اللاهوتيون هذه الموضوعات بالله. فموضوع مثل الأخرويات (علم دراسة الأمور الأخيرة) هو موضوع مهم في علم اللاهوت. اما عقائد مثل الخطية، الفداء، وحضور المسيح في عشاء الرب، تندرج تحت علم اللاهوت، على الرغم أنها لا تعتبر في ذاتها علم "اللاهوت الحقيقي".

بالإضافة إلى هذا التوجه الأساسي الذي وضعه توما الإكويني، من المناسب أن نضيف شيئاً آخر مشابهاً من عالم اللاهوت البروتستانتى تشارلز هودج. على الرغم من أن الإصلاح البروتستانتي غيّر أشياء كثيرة بالنسبة لللكنيسة التي هي جسد المسيح، إلا أنه لم يغيّر كثيرا في التعريف الأساسي لعلم اللاهوت.

عرّف تشارلز هودج (من جامعة برينستون)، والذي عاش في الفترة ما بين 1797 و 1879   اللاهوت في الفصل الأول من كتابه "علم اللاهوت النظامي" بقوله: "علم اللاهوت هو علم حقائق الإعلان الإلهى بقدر ما لهذه الحقائق من صلة بطبيعة الله وعلاقتنا به."

دعونا نشير هنا إلى عدة أبعاد لهذا التعريف لعلم اللاهوت. أولا، يتشابه تعريف هودج الى

درجة كبيرة مع تعريف الإكوينى، لكن يجب أن نلاحظ كيف أنه ذكر الإعلان بصراحة واضحة. وهذا يعنى أن علم اللاهوت يتعامل مع  "حقائق الإعلان الإلهي". وبالطبع حاول الإكويني، مثل هودج، أن يعتمد على إعلان الله، لكن تعريف هودج  يكشف عن اهتمام بروتستانتي نموذجي، ألا  وهو التنبيه على أهمية إعلان الله، وخاصة الكتاب المقدس، كالمورد الرئيسى لعلم اللاهوت.

ثانياً، من الأهمية أن نلاحظ أيضا أنه- مثل الإكويني- وصف هودج علم اللاهوت بأنه "علم" – فقد رأى علم اللاهوت بصورة رئيسية كنظام أكاديمي. في الواقع، استخدم هودج أساليب علم الفيزياء في عصره  كنموذج يتبعه اللاهوتيون. لاحظوا الطريقة التى عبّر بها عن ذلك في أول صفحة من كتابه "علم اللاهوت النظامي":

"ليس الكتاب المقدس نظامًا لاهوتيًا أكثر مما هي الطبيعة نظامًا من الكيمياء والميكانيكا. نجد في الطبيعة الحقائق التي يقوم الكيميائي أو الفيلسوف أو الميكانيكي بفحصها ... لكي يؤيد القوانين التي على أساسها تحددت هذه الحقائق. من هنا الكتاب المقدس يحتوي على الحقائق، التي يجب على اللاهوتي أن يجمعها، ويثبت أصالتها، ويرتبها، ويعرضها في علاقتها الداخلية بعضها ببعض."

فعمل اللاهوتي، بالنسبة لهودج، هو أن يستخدم الكتاب المقدس ككتاب معطيات لقضايا الإيمان، ثم يقوم بفحص هذه المعطيات، واختبارها وترتيبها كما كان يفعل عالم القرن التاسع عشر في حقول علمية أخرى. هذا وقد اعتقد هودج أيضا، أن النتائج التي يحصل عليها اللاهوتى يجب أن تطبق عمليا في الحياة المسيحية، ولكنه مثل الإكوينى، نزع إلى ترك مسألة التطبيق العملي لخدام الكلمة والرعاة، حاصرا العمل الفعلي لعلم اللاهوت الرسمي، الى حد بعيد على الأكاديميين وتلاميذهم.

ثالثاً، نلاحظ أن هودج أعلن وجود موضوعين رئيسيين في علم اللاهوت. فعندما نبني فكرا لاهوتياً، نحن نشغل أنفسنا في المقام الأول بـِ "طبيعة الله" ثم بـِ "علاقتنا به." هذا التقسيم لمواضيع علم اللاهوت يشابه تقسيم الإكوينى، الذى ميّز بين علم اللاهوت الحقيقي وعلم اللاهوت بوجه عام.

بعد أن رأينا تعريف علم اللاهوت عند كل من توما الإكوينى و تشارلز هودج، من المفيد أن نفحص تعريفا ثالثاً. وليم ايمس، البيوريتاني (التطهري) المشهورالذي عاش من سنة 1576 إلى سنة 1633  نظر الى علم اللاهوت بطريقة مختلفة قليلاً. ففي افتتاحية كتابه، "جوهر علم اللاهوت"، قال إن جوهر علم اللاهوت هو في "عقيدة أوتعليم كيفية العيش لله."

وتختلف نظرة ايمس لعلم اللاهوت عما سبق ورأيناه في ناحيتين على الأقل. الناحية الأولى هي، لم يستخدم أيمس في تعريفه كلمة "علم". لكن ايمس عرّف علم اللاهوت بكونه "عقيدة أو تعليم،" بمعنى أن علم اللاهوت هو مسعى عقلاني نحو أفكار وتعاليم. لكنه، من ناحية أخرى، قلّل من أهمية التشديد على الصلة الوثيقة بين علم اللاهوت واقسام المعرفة الأكاديمية الأخرى المقترحة في لغة كل من توما الإكوينى وتشارلز هودج.

ثانياً في الوقت الذي أكد فيه ايمس أن علم اللاهوت هو دراسة العقيدة، اعتبر ان موضوع هذه الدراسة هو "العيش لله." فالإكويني، والى حد ما هودج كذلك، سلطا الضوء على علم اللاهوت كمجموعة من الحقائق والأفكار. أما ايمس فقد شدّد على ان علم اللاهوت يتعلق بعيش الإنسان لله. وبدل أن يحصر علم اللاهوت بصورة رئيسية في إطار مسعى عقلاني مبني على الوقائع فقط، نظر ايمس نظرة عملية (أو كما يسميها البيوريتان نظرة اختبارية) الى مجال أوسع من حياة المؤمن.  فبالنسبة له، علم اللاهوت، جوهر علم اللاهوت، يتحقق عندما نركز على هذه النظرة الأوسع.

هذا ويتفق اللاهوتي المعاصر جون فرايم مع وجهة نظر ايمس. ففي الفصل الثالث من كتابه، "عقيدة معرفة الله"، يعرّف فرايم علم اللاهوت بأنه: " تطبيق أشخاص لكلمة الله على كل مجالات الحياة". (ص81 )

كما ويتفق فرايم جزئيا مع كل من الإكويني وهودج إذ  يعرّف في مكان آخر"التطبيق"  "كالتعليم" أو "العقيدة." وبالرغم من ذلك، كما يقول في مكان آخر، فان التعليم بالنسبة له هو عملية استخدام الكتاب المقدس

"لسد احتياجات الناس."  فليس علم اللاهوت مجرد التفكير في مجموعة من القضايا التقليدية الشبه الأكاديمية. لكن بدلاً من ذلك فعلم اللاهوت هو تطبيق؛ تطبيق تعاليم الكتاب المقدس على مجالات الحياة الواسعة.

الآن وقد رأينا أربعة تعريفات مختلفة لعلم اللاهوت، سيكون من النافع أن نقارن بين وجهات النظر أو الاتجاهات التى تعلنها. تكشف هذه التعريفات الأربعة عن وجهتى نظر قيّمتين أخذ بهما علماء اللاهوت في موقفهم من علمهم. يمكن أن ندعو وجهة النظر الأولى المنحى الأكاديمى والثانية المنحى الحياتي.

يمثل الإكوينى وهودج من جهة، المنحى الأكاديمى في علم اللاهوت. وتمثّل وجهتا نظرهما الطرق التى عرّف بها غالبية اللاهوتيين المسيحيين علم اللاهوت. وهما عرفا بتعابير بسيطة "علم اللاهوت" بطرق تتوافق مع أصل كلمة  "ثيولوجي" أو خلفيتها اللغوية. فالكلمة اليونانية "ثيوس" التي تشكل الجزء الاول من كلمة "ثيولوجي"، تعنى الله، بينما كلمة "لوجى" مشتقة من "لوجوس" اليونانية وتعنى "علم، أوعقيدة أو دراسة". وهكذا، يقودنا أصل الكلمة "ثيولوجي" الى معنى العقيدة او الدراسة عن الله."

من النادر ان يوجد لاهوتي انجيلي مخلص يؤمن ان مجرد الدرس عن الله يشكل هدفًا بحد ذاته. ويدرك معظم المؤمنين أنه من المفروض أن ينطبق علم اللاهوت على حياتهم بطريقة أو بأخرى. لكن غالبًا ما يعتبر التطبيق غير أساسي بالنسبة للاهوت الرسمي، بل ينظر اليه كخطوة ثانية ويسمى أحيانا علم اللاهوت العملي، مثل أمر ثانوي ننشغل به بعد أن نكون قد  حسمنا قضايا أكاديمية بطريقة علمية في اللاهوت الرسمي. نتيجة لذلك، كثيرا ما يمارس علم اللاهوت الرسمي دون اهتمام يذكر بالحياة اليومية العادية. ويبقى هذا العلم مجالاً لا تخوضه في العمق سوى قلة من الناس المؤهلين أكاديميا. فقط المفكرين الخبراء يمكنهم ان ينجحوا في علم اللاهوت.

ومن جهة أخرى، تمثل التعريفات التي رايناها لأيمس وفرايم وجهة نظر مهمة عند أقلية، ألا وهي منحى علم اللاهوت نحو الحياة. وقد كان هناك دائما بعض اللاهوتيين الذين رأوا في علم اللاهوت علما مرتبطا بالمجال الأوسع لحياة المؤمن ارتباطا محكما لا سبيل للخروج منه. لكن كان عددًا قليلاً نسبيًا من القادة اللاهوتيين المؤثرين، اعتقدوا بهذه النظرة في الماضى. أما في السنوات الأخيرة، فقد ابتدأ عدد أكبر من اللاهوتيين  يرفضون فكرة اهتمام علم اللاهوت فقط بالمسائل الفكرية. فلم  يروا في علم اللاهوت الرسمي أساسا أكاديميا أوعقليًا فقط للحياة المسيحية، بل كفرع من المعرفة يهتم اهتماما جوهريا وعميقا بالعيش للمسيح.

هناك العديد من الأسباب التى أدت الى تزايد المؤيدين لوجهة نظر هذه الأقلية في العقود الاخيرة. وتنبع بعض هذه الأسباب من علم اللاهوت وحتى من الكتاب المقدس نفسه. لكن  يجب أن ندرك أيضاً أن بعضا من هذا الإجماع  المتنامي في الرأى نشأ من نزعات الثقافة الغربية المعاصرة التى شككت، عن حق، بقدرة الخبراء على البقاء موضوعيين، بغض النظر عن مجال خبرتهم. ويجب ان نذكّر أنفسنا باستمرار هذه الأيام بدور الناحية الإنسانية عند المفكرين وكيف تؤثر حياتهم بعمق في مساعيهم الأكاديمية. فإذا نظرنا، على  سبيل المثال، الى العلماء والذين يعملون في المجال الطبي  والذين اشتهروا في الماضي بالموضوعية وعدم التحيز، نجدهم اليوم أناساً عاديين. وقد بتنا نشك بآرائهم في نواح لم نكن لنتصورها منذ  بضعة عقود. وعلى غرار ذلك تقريباً، تدرك الكنيسة اليوم وبأكثر وضوح، أنه مهما كان اللاهوتيون متفوقين، فهم ليسوا سوى بشر. ومهما ادعوا بأنهم مراقبون موضوعيون للحقائق، فإن آراءهم تتأثر كثيراً باختبارات حياتهم. نتيجة لذلك، نلاحظ أن التوجهات الأكاديمية المجردة في اللاهوت خسرت الكثير من قيمتها اليوم، بينما باتت الحاجة الى التطبيق أكثر الحاحاً من قبل.

هذا وبينما نحتفظ في أذهاننا بإطار كل من المنحى الأكاديمي والمنحى الحياتي لعلم اللاهوت، لابد لنا أن نتوقف هنا آخذين بعين الاعتبار بعض التقديرات التمهيدية. فهي سوف تساعدنا أن نسأل ما هى الامتيازات وما هي المساوئ الموجودة في كل نزعة. وما هى الإيجابيات والسلبيات في كل من المنحى الاكاديمي والحياتي في علم اللاهوت الرسمي الجاد.

في المقام الأول، إن السند الأعظم لنا في المنحى الأكاديمى يكمن في أن هذا العمل يفيد من واحدة من أعظم عطايا النعمة الإلهية للبشر، ألا وهى قدراتنا العقلية. فقد أعطى الله الكائنات البشرية قدرات عقلية، وهو يتوقع من اللاهوتيين أن يستخدموا هذه القدرات في سعيهم نحو الحق.

نقرأ في الكتاب المقدس كيف كان الله  يبارك الاشخاص الحكماء الذين يستخدمون مهاراتهم العقلية في مخافة اسمه. فقد كان تأملهم مليًا بطبيعة الحق وصياغتهم لمعتقداتهم من خلال سعيهم الفكري جزءًا اساسيًا من حكمتهم.  كان سليمان حكيما لأنه مارس موهبته في التأمل بشؤون الحياة. انظر كيف يصف الكتاب المقدس سليمان في  1ملوك الفصل 4 والاعداد من 29 الى 31.

"وأعطي الله سليمان حكمة وفهما كثيرا جدا ورحبة قلب كالرمل الذى على  شاطئ البحر... وكان أحكم من جميع الناس ... وكان صيته في جميع الأمم حواليه."

وفي هذا المسار، يشجعنا أدب الحكمة في الكتاب المقدس على نحو صريح وبيّن على استخدام قدراتنا العقلية وتنميتها. في الواقع، مدح الرسول بطرس بولسَ معترفًا بعمق فكره اللاهوتى. وقد أشار الى ذلك في الفصل الثالث من رسالته الثانية والعددين 15 و 16.

"... كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضا بحسب الحكمة المعطاة له كما في الرسائل كلها ...التى فيها أشياء عسرة الفهم ..."

في الواقع، لا يتعارض التشديد العقلاني الأكاديمى لعلم اللاهوت التقليدي مع الفكر الكتابي لعلم اللاهوت الجيد. بل على العكس تمامًا، فالتفكير المتشدد، هو قوة عظيمة لعلم اللاهوت التقليدي.

لكن لا بد من التنبيه كذلك من خطر التركيز على  الجانب الأكاديمي في علم اللاهوت. ومما يؤسف له، أنه كثيرا ما يكون علم اللاهوت التقليدي متجهًا نحو القضايا الفكرية أو الاكاديمية بحيث لا نعر حياة اللاهوتيين خارج المكتبة الكثير من الاهتمام. ويصبح التوصل الى صياغات صحيحة للافكار هدفًا بحد ذاته، مثل ما نراه شائعا أن بعض الناس يعتبرون لاهوتيين صالحين ببساطة لأنهم يعرفون الكثير عن المواضيع اللاهوتية. لكن لا بد أن نعترف أحيانًا أن "اللاهوتيين الجيدين" ليسوا  دائمًا" أناسا صالحين".

ومن المحزن، أن هذا الوصف ينطبق على كثيرين جدا من الذين يعتبرون "لاهوتيين جيدين". فهم يستطيعون، بمهارة ملحوظة، أن يجمعوا الحقائق عن الله والحياة المسيحية ويقارنوا بينها، لكنهم لا يعيرون الاهتمام نفسه لسلوكهم على ضوء الإيمان المسيحي.

لكن، كيف بلغ بنا الأمر إلى حد أن نصدق أن شخصا ما يمكنه أن يكون لاهوتيا جيدًا لكن غير صالح في الوقت عينه؟ يحدث هذا عندما نعرّف علم اللاهوت بأنه يتضمن أنشطة أكاديمية فحسب، كذلك عندما نظن أن العمل في مجال اللاهوت يعني الدراسة الجيدة، والكتابة الجيدة، وتعليم الأفكار الصحيحة. ومع الأسف، يستمر هذا الاتجاه  ليشكل نزعة تتحكم اليوم بمعظم التعليم اللاهوتى الرسمي. إن حقيقة اعتماد كليات اللاهوت اعتمادا كليا تقريبا على تجربة غرفة الدراسة لإعداد خدام الإنجيل تعلن أننا لا زلنا نعتقد أن العمل في مجال اللاهوت يمكن أن يتم الى حد بعيد بمعزل عن ممارسة اللاهوت في الحياة العملية. وهذا أحد أعظم الأخطار في النظرة التقليدية الى علم اللاهوت الرسمي.

ويجب أن ندرك أيضًا أن هناك إيجابيات وسلبيات في علم اللاهوت الذي يركز على الحياة.

كيف يجب أن نحكم على الرأي المتنامي بأن علم اللاهوت يجب أن يكون متصلا بطريقة مباشرة بالحياة بمعزل عن الدراسة؟

بالدرجة الاولى، ان نقطة القوة العظمى في هذا النظرة إلى علم اللاهوت هي أنها تشجعنا على التمسك ببعض القيم الكتابية الهامة. فكلنا نعرف مقاطع مثل يعقوب الفصل 1 والعدد 22، حيث كتب يعقوب، " ولكن كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم".  ولا شك أن هذه الكلمات تدين الرياء الفكري عند الكثيرين من اللاهوتيين. فعلم اللاهوت الجيد لابد أن يقود الى حياة مستقيمة وليس فقط الى مجرد تعليم صحيح. أليس هذا هو ما قصده  بولس عندما أعلن للكورنثيين في الفصل 8 والعدد 1 من رسالة كورنثوس الأولى "... العلم ينفخ ولكن المحبة تبني"، وأيضاً عندما أعلن في كورنثوس الاولى الفصل 13 والعدد 2،  "وإن كانت لى نبوة وأعلم جميع الأسرار وكل علم، ... ولكن ليس لى محبة فلست شيئا." فنحن في الواقع، لا نعيش بحسب المقاييس الكتابية ان نحن ركزنا فقط على تعلم اللاهوت بطريقة موضوعية فكرية. فقط اللاهوت الذي يقرّ بقيّم الكتاب المقدس هو اللاهوت الذي  يجسّد ما نؤمن به.

لكن في نفس الوقت، يواجه علم اللاهوت الذي يركز على الحياة خطرا بالغا؛ فهو يجازف بالوقوع في فخ المعاداة الشديدة للعقلانية. وبسبب عدم ثقة العديد من الإنجيليين اليوم تمامًا بالناحية العقلانية لعلم اللاهوت، يرفضون دراسة العقيدة اللاهوتية بشكل دقيق. وهم في الواقع يرون في المنحى الأكاديمي التقليدي في علم اللاهوت الرسمي كأمر مؤذ للحياة المسيحية وضار بها.

سمعنا جميعًا أشخاصَا مخلصين يتكلمون هكذا، " لا نريد ان نتطرق الى العقيدة ؛ فهي تبعد أفكارنا عن المسيح." أو ربما سمعت أحدهم يقول، "أنت لا تحتاج أن تدرس اللاهوت لكى تكون قائدا للكنيسة. فكل ما تحتاجه هو قيادة الروح."  كذلك سمعت مؤخرا، "المسيحية العقلانية هى مسيحية ميتة."

هؤلاء المؤمنون أصحاب النيّة الحسنة، لديهم كره واضح لعلم اللاهوت التقليدى ذي المنحى الاكاديمي. وهم يرفضونه بسبب موقفهم اللاعقلاني من مسائل الإيمان. وبدلاً من ان يبنوا حياتهم على علم لاهوتى مصاغ بدقة شديدة وحرص، ينقاد هؤلاء المؤمنون كثيرا وببساطة ببداهتهم الروحية، دون فحص دقيق لهذة البداهة. وقد يتبعون ببساطة قائد موهوب. أو قد يستبدلون علم اللاهوت الأكاديمى التقليدى بالإختبارات الروحية الغير-عادية. مهما كانت الحالة، يجب أن نقاوم كلنا هذا الخطر الداهم للموقف المضاد للعقل في الكنيسة لأنه سوف يقود حتمًا الى تعاليم زائفة ومفاهيم خاطئة عن الإيمان المسيحي، كما سينتج عنه عواقب وخيمة في حياة العديد من المؤمنين. ولقد أدرك بولس هذا الخطر عندما حذّر تيموثاوس في 2 تيموثاوس الفصل 2 والعدد 15، قائلاً، " اجتهد أن تقيم نفسك لله مزكى عاملا لا يخزى مفصلا كلمة الحق بالاستقامة."

يجب على كل واحد منا أن ينظر بدقة الى الطريقة التى بها نعرّف علم اللاهوت. فالبعض منا يميل ميلا طبيعيا الى نظرة أكاديمية لعلم اللاهوت بحيث يهمل جوانب حياتية أخرى. أما البعض الآخر، فينزع الى التشديد على الناحية الحياتية لعلم اللاهوت بحيث يهمل النواحي الفكرية. ولكي نتجنب هذين التطرفين، يجب أن نعترف بأن هناك مخاطر وهناك أيضا قيّم في كل من وجهتي النظر. والموقف الحكيم هو أن نشدّد على الناحيتين في نفس الوقت. فنحن نحتاج الى علم لاهوت أكاديمى وعلم لاهوت للحياة.

بعد أن درسنا بعض الطرق التى عرّف بها اللاهوتيون علم اللاهوت، نحن الآن على استعداد أن نتناول مسألة ثانية وهي: أهداف علم اللاهوت. ما هى الأهداف التي تأتي في المقدمة ونحن ندرس علم اللاهوت؟ وكيف ترتبط هذه الأهداف بعضها ببعض؟ لكى نجيب على هذه الأسئلة سوف نقوم بفحص ثلاثة أمور هي:

أولا، سوف نحدّد الأهداف الثلاثة الأساسية لعلم اللاهوت؛

ثانيا، سوف ندرس اعتماد هذه الأهداف الثلاثة على بعضها البعض؛

وثالثا، سوف ندرس الأولويات التى يجب أن تعطى لهذه الأهداف الثلاثة.

دعونا نبدأ بوصف أهداف علم اللاهوت.

هناك عدة طرق نصف بها أهداف علم اللاهوت بحيث يستحيل علينا ذكرها جميعاً. وفي لغة عامة بالأكثر، نحن ندرس علم اللاهوت لنفس الأسباب التى بها، كمسيحيين، نصنع كل الأشياء. وفي لغة كتاب الإيمان الويستمينسترى المختصر لتعليم العقيدة بالسؤال والجواب، نرى إجابة السؤال الأول هناك، بأن علم اللاهوت هو إحدى الطرق التى "نمجد بها الله ونتلذذ به الى الأبد." ومع ذلك، يمكننا ان نكون أكثر تحديدًا. فيجب على علماء اللاهوت أن تكون لهم طرقهم الخاصة التي من خلالها يمجدون الله ويتلذذون به.

في نواح كثيرة، تمدنا الاختلافات بين تعريفات علم اللاهوت التى سبق ودرسناها، بنقطة البداية للتعرف على عدة أهداف لعلم اللاهوت. فمن ناحية، في تعريف علم اللاهوت الرسمي بصورة أساسية كعلم، وكحقل أكاديمى للمعرفة، يدل على  أن أحد الأهداف هو الدراسة العقلانية أو الفكرية، وعلى وجه التحديد، تعليم أو إنشاء عقائد تركز على  المسائل الفكرية العقلانية؛ ومن ناحية أخرى، تعريف علم اللاهوت كعلم  يتجه نحو الحياة، يدل على أن هدفنا هو وضع تعاليم أو عقائد تركز على  الأمور الأوسع لكل أوجه حياتنا في المسيح.

سوف نعتمد على هذين الاتجاهين في علم اللاهوت ونتناول ثلاثة أهداف رئيسية لهذا العلم. سوف نتحدث عن العقيدة الصحيحة، والممارسة العملية الصحيحة، والعاطفة الصحيحة. دعونا نفحص أولا هدف العقيدة الصحيحة.

في المقام الأول، العقيدة الصحيحة (الاورثوذكسية)، هى غاية اساسية في كل علم لاهوت مسيحي جدي. أما التعبير "أورثوذكسي"  فهو تعبير مستخدم بطرق متفاوتة في  الكنائس المختلفة، لكننا سوف نستخدم هذا التعبير هنا بمعنى "الفكر الصحيح أو المستقيم."  فالهدف من الأورثوذكسية هو بلوغ العقائد الصحيحة أو المستقيمة.

وبغض النظر عن طائفتنا أو كنيستنا، ففي دراسة اللاهوت نحن نهتم، بدرجة أو بأخرى، بصحة ما نؤمن به. ونحن نريد أن نؤمن  بالأمور الصحيحة عن الله، وعن عالمنا، وعن أنفسنا.

يجب أن لا نستخف بأهمية غاية العقيدة الصحيحة في تاريخ الفكر اللاهوتى. فلا شك ان هذا الاهتمام الفكري  كان الاهتمام  الرئيسى لغالبية الأعمال اللاهوتية. لاحظ مثلاً، قائمة محتويات الجزء الثالث من كتاب "علم اللاهوت النظامي" للويس بيركوف. فمادة هذا الفصل تقدم بطريقة واضحة تماما " عقيدة شخص المسيح وعمله " كما يلي:

شخص المسيح

1-    عقيدة المسيح في التاريخ

2-    القاب المسيح وطبيعتاه

3-    وحدة شخص المسيح

حالتا المسيح

1-    حالة الاتضاع

2-    حالة المجد

وظائف المسيح

1-    مقدمة: الوظيفة النبوية

2-    الوظيفة الكهنوتية

3-    الحاجة الى الكفارة وضرورتها

4-    طبيعة الكفارة

5-    نظريات الكفارة المختلفة

6-    غرض الكفارة ومداها

7-    عمل المسيح الشفاعي

8-    الوظيفة الملكية

لا يدع هذا التقسيم مجالا كبيرا للشك بأن هدف لويس بيركوف الرئيسي عندما كتب هذه الفصول كان ليتعلم القراء العقيدة الصحيحة، ويتبنوا الآراء الصحيحة.

في الماضي، كان من السهل نسبيا على علماء اللاهوت أن يتكلموا بسلطان في هذه المسألة أو تلك  من الإيمان المسيحى كأنه حق مطلق. ولكن اليوم، مع وسائل الإتصال السريعة والتحول في عدد السكان على  مستوى العالم، نحن نواجه أنواعا جديدة من الإيمان غير الإيمان المسيحي، وذلك يحدث في كل حقبة زمنية تقريبا، ويربك كثيرين من الناس ويقلل من طاقتهم ونشاطهم للسعي وراء الحق والتفكير الصحيح. بل وصل الأمر الى ما هو أبعد من ذلك حتى أن كثيرين من علماء اللاهوت المسيحيين بدأوا يتساءلون عما إن كنا حقا متأكدين من ادعاءات الحق التقليدية لإيماننا. وبالإضافة الى التأثيرات المربكة من خارج المجتمع المسيحي، علينا أيضا أن نتعامل مع حقيقة عدم وجود توافق بين المسيحيين ولو على  قدر ضئيل من العقائد الجوهرية. وفي مواجهة هذا النوع من التعددية، حتى داخل الكنيسة، يكون من السهل على الباحث أن يتوقف عن مسعاه لبلوغ العقيدة الصحيحة.

بالرغم من هذه الميول الحاضرة ، يجب أن نؤكد مجددا أن تنمية وجهات نظر أورثوذكسية، أى مجموعة العقائد الصحيحة، يجب أن تكون أحد الأهداف الرئيسية لعلم اللاهوت. إن التحديات التى نواجهها اليوم في سعينا نحو العقيدة الصحيحة ليست تحديات فريدة من نوعها تماماً.  فقد واجه يسوع  ورسله تعددية دينية واسعة النطاق في عالم البحر الأبيض المتوسط تشبه الى حد بعيد ما نراه اليوم. ومع ذلك، صرّح يسوع بدون تردد بأن أتباعه كانوا أناسا يسعون نحو الحق. تذكر أن يسوع في يوحنا الفصل 17 والعدد 17 ، صلى الى الآب هكذا:

"قدسهم في حقك؛ كلامك هو حق."  كان يسوع مهتما بعمق بالعقيدة الصحيحة. فقد أكد أن العقيدة الصحيحة هى واحدة من الأهداف الرئيسية لعلم اللاهوت، ونحن كأتباعه يجب أن نفعل نفس الشيء.

بهذا الهدف الفكري  لعلم اللاهوت في أذهاننا، دعونا الآن نفحص هدف "الأورثوبراكسيس" أو الممارسة العملية الصحيحة. وبعبارة أخرى، تعني كلمة "أورثوبراكسيس" ببساطة، تنمية عقائد أو تعاليم  تشدد على  السلوك الصحيح أو الممارسة الصحيحة. كما تذكرون وصفَ وليم إيمس جوهر علم اللاهوت بأنه " العيش لله."  وأحد أوجه العيش لله هو ممارستنا العملية أو سلوكنا. فلا يكفي ببساطة أن نفكر تفكيرا صحيحا بشأن المفاهيم اللاهوتية بل يجب أن نضع هذه المفاهيم موضع التطبيق العملى، التطبيق العملى الصحيح.

ومن الواضح أن علم اللاهوت المسيحى لابد أن يوجهنا نحو أفعال صحيحة. فعلى سبيل المثال، نحن نتعلم في علم اللاهوت أنه يجب أن نصلي، نبشر، نعبد، نخدم بعضنا بعضا، وأن نعطي بسخاء للفقير. لكن التعلم عن هذه الحقائق وسواها ليس كافيا لانشاء  علم لاهوت مسيحى مسئول. فهذه الحقائق الحق لابد أن تترجم الى أفعال ملائمة، أي الى الأورثوبراكسيس.

مع الأسف، يواجه الإنجيليون تحديات عديدة هائلة في استمرارهم في التشديد على الهدف اللاهوتي للممارسة العملية الصحيحة. فمن جهة، يردد الذين هم من خارج الكنيسة الكذبة القائلة بأنه لا يوجد أخلاقيات مطلقة، وأنه ليس هناك سلوكيات حسنة أو سيئة بشكل بارز. لذلك يتعب الكثيرون منا بوقوفهم عكس تيار حضارتنا، بإصرارهم على وجود طرق صحيحة للسلوك وأخرى خاطئة.

لكن أكثر من ذلك،  فان بعض تحفظاتنا، حتى في داخل الكنيسة، على جعل الممارسة العملية الصحيحة هدفا حاسما، نجم عن فشلنا كمسيحيين في بلوغ هذا المسعى في الماضى. لقد ارتكبت الكنيسة خطايا عديدة باسم الحق. فإذا نظرنا الى تاريخ الكنيسة نكتشف سلوكيات مريعة كانت مدعومة بحجج لاهوتية محترمة.

هناك حقيقة تاريخية محزنة وهي أن الناس المتدينين، حتى المسيحيين المخلصين منهم، كثيراً ما استخدموا فكرهم اللاهوتي لتبرير شتى أنواع الخطايا البغيضة. لكن على الرغم من هذه الصعوبات الخطيرة، تبقى الممارسة العملية الصحيحة أساسية لأن سلوكنا مهم عند الله. وأعمالنا الصالحة أو الشريرة تقرر ما سنناله من جزاء أبدي. هذا والاعمال الصالحة التى نمارسها هي في الواقع وسيلة الله في خدمة اخوتنا المسيحيين. ويمكننا من خلال سلوك جيد أن نقدم شهادة قوية عن المسيح للاشخاص غير المؤمنين. من أجل هذه الأسباب وغيرها، يجب أن تبقى الممارسة الصحيحة هدفاً جوهرياً لعلم اللاهوت.

ويجب أن نكون حذرين في كل مراحل هذا المسعى؛ كما يجب أن تتسم أفعالنا بالتواضع والحب دائماً في كل مناسبة. وألا تنحصر حياتنا المسيحية بمجرد أفعال بسيطة. كذلك يجب أن لا يركز علم اللاهوت فقط على الصحة الفكرية، بل يجب ان يهتم ايضاً بتعليم أنواع السلوك التى يجب أن نلتزم بها. تذكروا تحذير يعقوب لأولئك الذين آمنوا بالأمور الصحيحة، لكنهم فشلوا في تطبيق معرفتهم بصورة صحيحة. في رسالة يعقوب الفصل الثاني والعدد 19 نقرأ هذه الكلمات، "أنت تؤمن أن الله واحد. حسنا تفعل والشياطين يؤمنون ويقشعرون". ففي ناحية واحدة على الأقل، يعتبر الشيطان  صحيح العقيدة. لكن هل عقيدته الصحيحة تفيده بشيء؟ أنا متأكد أن الشيطان يؤمن بالثالوث؛ ويؤمن أن يسوع مات من أجل الخطاة؛ وهو يؤمن أن القيامة حدثت فعلاً؛ وهو يعرف رسالة الخلاص بالنعمة بالإيمان. لكن ما منفعة هذه المعتقدات الصحيحة بالنسبة لمصير الشيطان الابدي لانها لا تنقله من العقيدة الصحيحة الى الممارسة العملية الصحيحة أى الى عبادة الإله الواحد الحقيقي وخدمته. من هنا يجب أن نقاوم تجربة جعل السلوك الصحيح هدفًا ثانوياً في علم اللاهوت المسيحي؛ ويجب أن تبقى الممارسة العملية الصحيحة أحد الأهداف الرئيسية لعلم اللاهوت.

بالإضافة الى العقيدة الصحيحة والممارسة العملية الصحيحة، لا بد من الاشارة الى هدف آخر لعلم اللاهوت. وسوف ندعو هذا الهدف اللاهوتى "أورثوباثوث أي "المشاعر أو العواطف الصحيحة". فالعيش لله يتضمن أن نكون متأكدين بأن مشاعرنا وعواطفنا العميقة هى في خدمة الله : فأفراحنا، شعورنا بخيبة الأمل، أشواقنا، غضبنا، ابتهاجنا ، وحشد آخر من العواطف يجب ان تنسجم مع مشيئة الله.

لكن مع الأسف، لا يوجد هدف لاهوتي أهمله اللاهوتيون أكثر من "المشاعر الصحيحة". ويحصل هذا الإهمال للبعد العاطفي لعلم اللاهوت لسببين على الأقل. الأول، هو أن كثيرين من اللاهوتيين الأكاديميين هم غالبا غير أكفاء سيكولوجيا فلا يظهرون بالتالى أية عواطف. في الواقع، وتحت تأثير المظهر الأكاديمي العقيم وغير المثمر، يسلك الناس غالبًا طريق العمل اللاهوتي الأكاديمي،  فيصيرون أساتذة ومدرسّين، لكي يتجنبوا مواجهة الأبعاد العاطفية للحياة. فلا عجب نتيجة لذلك أن لا نجد في الكتابات الأكاديمية اللاهوتية سوى القليل من الإثارة، والفرح، والألم، والعطف، والاهتمام، والحب التي نجدها في كتابات علم النبات الأكاديمى مثلاً. وفي حال قرأت كثيراً في علم اللاهوت الأكاديمي، فسوف تلاحظ ان اهتمامًا قليلاً جدًا أعطي للمسائل العاطفية، ويعود السبب في الغالب الى أن اللاهوتيين المحترفين أنفسهم لا يولون العواطف أية قيمة، أو أنهم هم انفسهم غير نامين عاطفياً.

أما العقبة الثانية في طريق"المشاعر الصحيحة" الأورثوباثوث، هى أن كثيرين من الإنجيليين قد وقعوا في فخ الإعتقاد بأن المشاعر هى مسألة لا أخلاقية؛  أي أنها لا تتعلق بالأخلاق. وهم يقولون أنه ليس من اللائق أن نعتبر بعض المشاعر صحيحة والبعض الآخر خاطئة. وبرأيهم فإن نظرية ، المشاعر الصحيحة، هى مضللة تماماً. وبالرغم من انتشار وجهة النظر التى تقول  بلاأخلاقية العواطف، فإنها تنسجم مع بعض النظريات السيكولوجية الحديثة أكثر مما تنسجم مع المفاهيم الكتابية. ومن أروع الأمثلة للعاطفة في مجال الكتابات اللاهوتية هو ما نجده في كتابات بولس الرسول. فجميعنا يعرف أن بولس كان يعنى بالعقيدة الصحيحة؛ إذ كان يسعى باستمرار نحو الحق. ومع ذلك، نجده أكثر من مرة، وهو يكتب عن الحق، يفشل في كبح مشاعره. وكانت تأملاته في العقيدة الصحيحة تؤدي به الى  ثورات عاطفية عفوية. وأتذكر عندما كنت أكتب تفسيراً لرسالتى كورنثوس الأولى والثانية، كم مرة اندهشت من رؤية بولس يعبر عن عواطفه وهو يقدم الحجج اللاهوتية. خذ الرسالة الى رومية على سبيل المثال، والتى كثيراً ما اعتبرت أعمق كتابات بولس اللاهوتية. فبعد أن قدم أفكاره في الفصول من 9 الى 11 حول الموضوعات المعقدة عن مستقبل اليهود والأمم في خطة الله، انفجر بولس بالتسبيح. فيما يلي ما نقرأه في الفصل 11 والأعداد 33 الى 36 من رسالة رومية.

"يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيرا. أو من سبق فأعطاه فيكافأ. لأن منه وبه وله كل الأشياء. له المجد الى الأبد آمين."

ترى متى كانت آخر مرة قرأت فيها شيئا مماثلاً في بحث أكاديمي لاهوتي؟

والآن بعد أن تعرفنا على الأهداف الرئيسية الثلاث لعلم اللاهوت، لا بد من تعليق على اعتماد الواحد منها على الآخر. ففي هذا الاعتماد المتبادل سبب هام يوجب علينا عدم إهمال أى من هذه الأهداف اللاهوتية. فهى متشابكة معا بحيث لا يمكننا أن نكون أقوياء في دائرة منها دون أن نكون أقوياء في الدائرتين الأخريتين. ولكى نشرح مانعنيه هنا، سوف نفحص ثلاثة مسائل: أولاً، سوف نرى كيف أن العقيدة الصحيحة  تعزز الهدفين الآخرين وتزيدهما قيمة وجمالا. ثانياً، سوف نرى كيف أن الممارسة العملية الصحيحة  تعزز الهدفين اللاهوتيين الآخرين. وثالثاً، سوف نلاحظ كيف أن المشاعر الصحيحة  تدعم الهدفين الآخرين. دعونا نبدأ بالنظر الى كيف تؤيد العقيدة الصحيحة أو الفكر الصحيح الهدفين الآخرين وتعززهما. معظم الإنجيليين اليوم مدركون تماماً في المبدأ أن العقيدة الصحيحة ضرورية الى حد ما  لوجود الممارسة العملية الصحيحة والمشاعر الصحيحة. ونحن نتعلم من اللاهوتيين الأكاديميين المحبوبين أنه يجب علينا أولاً أن نفهم الحق ثم بعد ذلك أن نطبقه على حياتنا العملية. ويتعامل المسيحيون عادة، مع نموذج واضح، فيقولون:

"ما نؤمن به سوف يؤثر على الطريقة التى نحيا بها."

وهذا صحيح. لأن ما نتعلمه عن الحق سوف يؤثر بعمق في الطريقة التى نحيا بها.

بينما تترسخ عقيدتنا الصحيحة من خلال دراسة المفاهيم اللاهوتية، فإن ما ندرك أنه صحيح إما سيعزز سلوكنا وعواطفنا أو يتصدى لها. قد تكون شخصا ميالا بطبيعتك الى التعاطف مع الآخرين وتتصرف وفق ذلك الشعور. هذا حسن، ولكنك الآن وبينما تتعلم المفاهيم الكتابية مثل: الإنسان على  صورة الله، وأهمية اللطف والرحمة تجاه الآخرين، سوف تكتشف أن سلوكياتك وعواطفك السابقة، تلك التى كنت ميالا لها بطبيعتك، قد تعززت وازدادت قيمة وجمالا عن طريق النمو الذى حدث في مفاهيمك الايمانية الصحيحة.

كما يمكن، لمفاهيمنا الإيمانية الصحيحة أن تتصدى لسلوكياتنا ومشاعرنا. فقد تكون شخصاً يصارع مع الأنانية والطمع، لا يكترث للفقراء ولا يفعل شيئا لكى يفرج عن آلامهم. لكن بينما ينمو فكرك اللاهوتى وينسجم أكثر مع الكتاب المقدس، فإن سلوكياتك وعواطفك سوف تواجه تحديا من وجهات نظرك الكتابية الصحيحة. بهذه الطرق والعديد غيرها، فان عقيدتنا الصحيحة النامية سوف تعزز كلا من ممارستنا العملية الصحيحة  ومشاعرنا الصحيحة وذلك عن طريق الدعم او التصدي للأساليب التى نحيا بها.

دعونا الآن ننظر الى طريقة ثانية تعتمد فيها أهدافنا اللاهوتية بعضها على  بعض. كيف تعزز ممارستنا العملية الصحيحة كلا من عقيدتنا الصحيحة ومشاعرنا الصحيحة، أي كيف يؤثر سلوكنا على معتقداتنا وعواطفنا؟

من ناحية، يمكن لأفعالنا أن تدعم أو تتصدى لما نعتقد أنه صحيح. أحد الامثلة على ذلك، هو عندما تسأل طالب لاهوت، " لماذا يجب أن نصلي؟  غالباً، عندما لا يمارس المؤمنون الصلاة كثيراً، تكون اجابتهم على هذا السؤال ضعيفة جداً، كأن يقال "نحن نصلي لأن الله أوصى بالصلاة." وعلى الرغم من أن هذه الإجابة صحيحة، فلم أسمع يوماً رجل صلاة، شخصا تتميز حياته كلها بالصلاة، يجيب بهذه الطريقة. إن اختبار الصلاة عبر السنين الكثيرة يمنح الشخص المصلي الحساسية بأن يرى أسبابا أخرى كثيرة للصلاة. صحيح أننا يجب أن نصلى لأننا أمرنا بذلك، لكن الافتقار الى اختبار الصلاة كثيرا ما يعوقنا عن رؤية العديد من البواعث الكتابية للصلاة.

ومن ناحية أخرى، يمكن لممارساتنا أيضاً أن تنقلنا الى مستوى أعلى من العقيدة الصحيحة. فعندما يكون عند المؤمنين خبرة أعمق في الصلاة، يكونون قادرين أن يروا بأكثر وضوح الأسباب المختلفة التى يعطيها الكتاب المقدس للصلاة. فنحن نصلي لأن الله جدير بصلواتنا. نحن نصلى لأننا نحتاج إليه. نحن نصلي لأن–– كما يقول يعقوب في رسالته، الفصل 5 والعدد 16-"... طلبة البار تقتدر كثيرا في فعلها." عندما لا نسلك بالقداسة فهذا يسلبنا هذه المعتقدات اللاهوتية، لكن اختبار حياة القداسة في الصلاة يضع أمامنا تحدياً، ويثبت، ويعزز معتقداتنا بطرق كثيرة.

عدا ذلك، فان ممارساتنا تؤثر أيضا في الأبعاد العاطفية لعلم اللاهوت. فما نفعله مرتبط بما نشعر به ويؤثر فيه، إما بتثبيت ما نشعر به أو بتحديه. مثلاً، عندما يرتكب المؤمنون خطايا صعبة، فكثيراً ما تكون الحالة أنهم أيضا يخوضون في تجربة الشعور بالذنب والإدانة. وفي ذات الوقت، عندما نفعل الصواب، غالبا ما نجد الفرح والسرور برضى الله وبركته.

وكما رأينا، فإن ما نعتقده يؤثر في ما نفعله ونشعر به؛ وما نفعله يؤثر أيضا في ما نعتقده ونشعر به. والآن يجب أن نتناول باختصار المفهوم الأخير في الإعتمادية التبادلية للأهداف الخاصة بعلم اللاهوت: كيف تؤثر مشاعرنا في ما نعتقده ونفعله.

هذا هو السبب الذى يجعلنا نجد في المزامير أن عواطف الذين كتبوها تُحرك أفكارهم وأفعالهم بطريقة أو بأخرى. فمن ناحية، عندما يشعر كاتب المزامير أنه متروك أو مهجور، ينطق بكلمات الايمان الصحيحة  ويركزبصورة أساسية على التجارب التى يجتازها وكيف يلعب إيمانه بالله  دورًا وسط آلامه. مثلا، يقول داود في  مزمور 13: 1،3  "الى متى يارب تنساني كل النسيان؟ الى متى تحجب وجهك عني؟... أنظر واستجب لي يارب إلهي."

عدا ذلك، فقد تأثرت أفعال كتّاب المزامير أيضاً بمشاعرهم. فعندما كانوا يشعرون باليأس، لم يخفوا مشاعرهم بل كانوا يبكون بغزارة، ويختبرون الضعف. ويعبّر المرنم عن ذلك في مزمور 6 : 6 ، "تعبت في تنهدى. أعوم في كل ليلة سريرى بدموعى أذوّب فراشى." كذلك، عندما كان أصحاب المزامير مملوئين فرحاً، كانوا يشعرون بقوة ونشاط ليعبدوا الرب بالرقص والتسبيح. وهذا ما نقرأه في  مزمور  30 : 11، "حولت نوحى الى رقص لي. حللت مسحي ومنطقتني فرحاً."

من هذه الأمثلة نستطيع أن نرى كيف أن الأهداف اللاهوتية الثلاثة، العقيدة الصحيحة، والممارسة العملية الصحيحة، والمشاعر الصحيحة يعتمد بعضها على بعض إلى حد بعيد. فما نؤمن به له دائما بعض التأثير على أفعالنا ومواقفنا. كما أن أفعالنا تؤثر على معتقداتنا وعواطفنا. وعواطفنا تؤثر دائماً على سلوكنا ومعتقداتنا بطريقة ما.

وادراكنا لحقيقة اعتماد الأهداف اللاهوتية بعضها على بعض يلفت نظرنا الى موضوع خطير. فأى من الأهداف الثلاثة له أولوية على الآخر؟ فهل نركز أكثر على العقيدة الصحيحة، أم على الممارسة العملية الصحيحة ام على المشاعر الصحيحة؟

لدى الكثير من الإنجيليين إجابة واضحة وصريحة عن هذا السؤال. فهم مقتنعون بأن خطة الله لنا هى أن نركز أولاً على تصحيح معتقداتنا، التى بدورها ستغير أفعالنا ثم أفعالنا تغير بدورها عواطفنا. ويمكن وضع سلم الأولويات بالطريقة التالية: "فكر بالصواب، إفعل الصواب، عندئذ سوف تشعر بالصواب." وهذه الطريقة في ممارسة اللاهوت شائعة جداً.

بالطبع، ليس هناك أي شك ان هذه الخطة صحيحة تماماً. فليس من خطأ فيها بذاتها، لكن تبرز مشكلة عندما نتبع هذه الأولويات كل الوقت. لأنه يبدو أننا نعجز عن التقدم أبعد من الخطوة الاولى، فلا عجب أن يصبح فكرنا اللاهوتى بلا تأثير. إن العمل في مجال فكر "لاهوت العمل"  وفكر "لاهوت العاطفة" هو عمل مهمل، أو في أحسن الأحوال يعتبر ثانوياً.

من المفيد أن نفكر في أهداف علم اللاهوت بنفس الطريقة التى نفكر فيها بالأجهزة الحيوية لجسم الإنسان. فكلنا يعرف أنه عندنا في أجسامنا أجهزة حيوية عديدة، مثل: الجهاز العصبي المركزي، الجهاز الهضمي، الجهاز الرئوي، جهاز القلب والأوعية الدموية. والآن، الى أي من هذه الأجهزة يجب أن تعطى الأولوية؟ وما هو الترتيب المناسب في العلاقة بين هذه الأجهزة؟ قد نتساءل كيف يؤثر الجهاز العصبي على الجهاز الهضمي، ولكننا قد نفكر أيضاً في كيف يؤثر الجهاز الهضمي على الجهاز العصبي. هناك طرق كثيرة صحيحة ونافعة في تعاملنا مع هذه الأجهزة المترابطة بعضها ببعض.

حسناً، ما سبق ورأيناه عن اعتماد الأهداف اللاهوتية بعضها على بعض يدل على أن اختيار خطة واحدة أو التركيز على نقطة واحدة غير مناسبين. وكما سنكرر مرات عدة  في هذه الدروس، تشكّل معتقداتنا وأفعالنا ومشاعرنا أنسجة عديدة متبادلة. وبدل أن تكون هذه الأنسجة خطاً مستقيماً في علاقاتها، فهي مؤلفة من خطوط مضاعفة، أو متبادلة بحيث لا يمكننا معها دائماً أن نحدد أولوية أي منها. صحيح انه علينا ان نفكر بشكل جيد حتى يمكننا أن نعمل جيداً وأن نشعر جيداً. لكن في أوقات معينة يكون من اللازم علينا أن نفعل الصواب حتى يمكننا أن نفكر بالصواب وأن نشعر بطريقة صائبة. كذلك يجب أيضا نشعر شعوراً صحيحاً حتى يمكننا أن نفكر ونعمل بالصواب. فالروح القدس يقود شعبه نحو الأهداف اللاهوتية بطرق كثيرة مختلفة.

كيف نقرر ما نفعله إذن؟  كيف نقرر عما إذا كنا نوكد على  الفكر الصحيح، أو الفعل الصحيح   أو العاطفة الصحيحة؟ تنحصر الإجابة على  هذا السؤال في أننا يجب أن ننمي فينا حكمة اختيار الأهداف اللاهوتية والتاكيد عليها عند الاحتياج الملّح لها في موقف معين محدد.

"لأن سفينة الحياة يتبدل وضعها دائما من جانب الى آخر، فان التوازن فيها ليس سوى وقتي." الحياة هى مثل سفينة تتأرجح باستمرار. فتميل أحيانا الى هذا الجانب، وأحيانا أخرى الى الجانب الآخر. ولكى نحتفظ بتوازننا ونحن على  ظهر سفينة متأرجحة يجب أن نتعلم كيف نميل مع السفينة الى هذا الجانب او ذاك. فإذا لم تتعلم كيف تميل بالطريقة الصحيحة فسوف تسقط بالتأكيد من فوق سطح السفينة الى البحر. ليس هناك طريقة واحدة مفروضة في ممارسة كل عمل لاهوتي. ففي كل مرة ونحن نسعى أن ننجز أو نحقق الأهداف اللاهوتية، علينا أن نسأل: "ما هو الإحتياج؟ ماهو اكثر ما نحتاجه نحن وأولئك المحيطين بنا في هذا  الوقت؟" عندئذ سنضع التوجه الملائم في ذلك الوقت، ثم نعمل باجتهاد من كل قلوبنا على تحقيق أهداف علم اللاهوت.

المؤمنون الذين لا يعرفون كيف يعدّلون أولوياتهم يمكن أن يصابوا بأضرار كبيرة. فعندما نشدد باستمرار على  العقيدة الصحيحة، نقع بسهولة في فخ المذهب العقلاني. وعندما نشدد باستمرار على الممارسة العملية ، نقع بسهولة في فخ الناموسية. وعندما نوكد دائماً على الأهداف العاطفية لعلم اللاهوت نقع بسهولة في العاطفية. أما إذا تعلمنا كيف نحفظ  التوازن بينما تميل بنا سفينة الحياة الى هذا الجانب أو ذاك فهذا يساعدنا على  تجنب هذه التطرفات. وهكذا يحتاج كل منا أن يسأل السؤال، " أية هذه النزعات تصف الطريقة التى بها نصنع فكرا لاهوتياً؟ هل أنا ميّال الى العقلانية؛ هل أنا نزّاع الى الناموسية أو العاطفية أم الى مزيج من كليهما؟" مهما كانت نزعاتنا الطبيعية، فاننا نحتاج أن نعمل باجتهاد لكى نركز على تلك الأهداف اللاهوتية التي نميل الى تجاهلها.

والآن وقد عرّفنا علم اللاهوت ودرسنا أهدافه، لابد أن نتقدم الى النقطة الثالثة، وهي مواضيع علم اللاهوت. ما هي مجالات الإهتمام التى تظهر للعيان عندما نمارس اللاهوت؟ وتحت أية اتجاهات يجب أن نسعى الى العقيدة الصحيحة، الممارسة العملية الصحيحة، والمشاعر الصحيحة؟.

تعريف شخص ما بتجربة الفكر اللاهوتي هو بمثابة تعريفه على الوجود كله. وأقل ما يقال هنا هو أن هذا العمل الواسع مثبط للهمة. لذلك، ففي هذه الدروس سوف نحصر تركيزنا في علم اللاهوت في مواضيع قليلة. ولكى نفهم الموضوعات التي تهمنا، لابد أن نتطرق الى أمرين: الأول، الإختيارات الكثيرة المطروحة أمام اللاهوتيين؛ وثانياً، ما سوف نحدده من هذه الإختيارات في هذه الدروس.

دعونا ندرس أولاً الإختيارات التى يواجهها كل شخص يدرس علم اللاهوت بطريقة منهجية. عندما يشرع الناس في السعي الجدي وراء علم اللاهوت، كثيراً ما يجدوا أنفسهم عاجزين أمام مجالات هذا الحقل الواسعة. وكثيراً ما ننظر الى علم اللاهوت كعلم يتناول قائمة طويلة من المواضيع. وعلى مدى ألفي سنة منذ نشأة المسيحية، ظهرت عدة مواضيع شغلت الذين اهتموا بعلم اللاهوت. وعلى الرغم من تفاوت قائمة المواضيع بين كنيسة وأخرى، فهناك تشابهات كافية تساعدنا على تصنيف عددٍ من المواضيع اللاهوتية الرئيسية.

ويتضمن السعي اللاهوتي عادة بعض المواضيع العملية مثل الإرساليات، التبشير، الدفاعيات (أي الدفاع عن الإيمان)، العبادة، خدمات الرحمة، المشورة والوعظ. وهو يتضمن أيضاً مجموعة واسعة من المواضيع النظرية أو المجردة: مثل سوتيريولوجي (أي عقيدة الخلاص)، اكليسيولوجي (أي عقيدة الكنيسة)، أنثروبولوجى (أوعقيدة الإنسان)، بنوماتولوجي (أي عقيدة الروح القدس)، كريستولوجي (أي عقيدة المسيح)، علم اللاهوت الحقيقي (أي عقيدة الله)، إسخاتولوجي (أي عقيدة الأمور الأخيرة)، علم اللاهوت الكتابي (علم لاهوت التاريخ الفدائي المسجل في الكتاب المقدس)، علم اللاهوت النظامي ( أي الترتيب المنطقي للتعليم الكتابي)، علم اللاهوت التاريخي (تتبع تطور العقائد في تاريخ الكنيسة)، وعلم التفسير.

غالبًا ما يركز علم اللاهوت الأكاديمي التقليدي على هذه المواضيع بصورة رئيسية من وجهة نظر أفضلية  العقيدة الصحيحة أو الاورثوذكسية: وهي الطريقة الصحيحة للتفكير في هذه المسائل. في صف لاهوت نموذجي حول اي من هذه المواضيع  يشدّد على تقديم هذه المفاهيم بصورة واضحة وعلى مساعدة الطلبة على التفكير بشكل جيد. ونادراً ما يشدّد التعليم في مدارس اللاهوت على مهارات التعلم. أما الصفوف التي تركز على العبادة، التبشير، الوعظ، والمشورة،  فتولي اهتماماً خاصاً للمهارات العملية أو الأورثوبراكسيس. ومن المؤسف أنه نادراً ما يركز طلبة اللاهوت على الأورثوباثوث، أو الأبعاد العاطفية في علم اللاهوت، حتى في دراسة علم الوعظ. لكن، كما تعلمنا في هذا الدرس، فان الطريقة الملائمة لدراسة مواضيع لاهوتية يتطلب تعميق اهتماماتنا في هذه الاتجاهات الثلاثة. وهكذا يمكننا أن ندرك أن المهمة المطروحة أمام طالب اللاهوت كبيرة جداً. فهناك اتجاهات نقتفيها لا حصر لها في كل موضوع من مواضيع علم اللاهوت.

تقودنا قائمة الخيارات الطويلة التى نواجهها عندما نعمل في مجال اللاهوت، الى ضرورة الانتقاء. فهناك خطر جسيم كثيراً ما يواجهه طلبة علم اللاهوت. فقد يرزحون تحت الكم الغامر من المواضيع اللاهوتية المعقدة. في الواقع، إن الحقل واسع جدا لدرجة نادراً ما يتعلم الطلبة أكثر من المبادئ الاساسية حول هذه المواضيع. نتيجة لذلك، يجد الطلبة أنفسهم يركزون فقط على الاورثوذكسية (العقيدة الصحيحة)، لعدم توفر الوقت الكافي لدراسة أبعاد أخرى.

لذلك، سوف نتجنب في هذه الدروس، أن نرزح تحت وطأة هذا العدد الضخم من المواضيع اللاهوتية، ونركز أفكارنا حول عدد محدود من المواضيع. سنركز على  تلك النواحي اللاهوتية التى يجوز أن ندعوها  "اهتمامات لاهوتية راعوية". وما نعنيه بذلك هو مجموعة المعتقدات، والممارسات والباثوث (العاطفة) التي يستفيد منها بصورة خاصة الرعاة والقادة في الكنيسة. نحن لا نسعى هنا الى أن تقديم الموسوعة اللاهوتية الكاملة لهذه الدروس. لكن بدلاً من ذلك، سوف نسأل أنفسنا أسئلة مماثلة:

ما الذي يحتاج الناس أن يعرفوه حول تدريب القادة في الكنيسة؛ ما يجب أن يفعلوا؛ وما يجب أن يشعروا به لاهوتياً؟  كيف يجب ان يدرسوا علم اللاهوت؟

لحسن الحظ، ليس علينا أن نبتدع اجابات على هذه الأسئلة. فقد تطرقت الكنيسة فعلاً الى نواح عديدة هامة. فمع تطور التعليم اللاهوتي في الكنيسة عبر القرون، تشكل نوع من الإجماع بين الطوائف المتعددة في العالم حول نوعية الموضوعات المطلوب تناولها أو استخدامها في تدريب القادة في الكنيسة.

نتيجة لذلك، فإن منهجاً دراسياً في كليات اللاهوت هو كالتالي: ينقسم المنهج الى ثلاثة أجزاء رئيسية هي: القسم الكتابي، القسم العقائدي والتاريخي، والقسم العملي. تمثل هذه الأقسام الثلاثة طرقاً رئيسية أرشد بها الروح القدس الكنيسة لكى تنشئ تعليماً لاهوتياً لقادة الكنيسة. دعونا الآن، نشير الى مجالات التدريب اللاهوتي التى توفرها الكنيسة لقادتها.

يتكون القسم الكتابي عادة من جزئين هما دراسات العهد القديم ودراسات العهد الجديد. وتركّز هذه الاقسام من المنهج على محتوى الكتاب المقدس وتعلّم قادة الكنائس المستقبليين كيفية تفسير الكتاب المقدس بشكل صحيح. أما القسمان العقائدي والتاريخي فينقسمان غالبًا إلى مادتي تاريخ الكنيسة وعلم اللاهوت النظامي. ويركز تاريخ الكنيسة على كيفية إنشاء الله للفكر اللاهوتي في الكنيسة، بينما كان المؤمنون في صراع مع العالم بطرق مختلفة وفي أوقات مختلفة. بينما يستعرض علم اللاهوت النظامي أمام الطلبة الوسائل التى بها نظمت الكنيسة تعاليم الكتاب المقدس في ترتيبات نظامية منطقية. أما القسم العملي فيلفت نظر الطلبة الى النمو الروحي الشخصي ومهارات الخدمة العملية مثل الوعظ والتبشير.

وإذ نتقدم أكثر في هذه السلسلة من الدروس، سوف نتعرف على معالم هذه الأقسام اللاهوتية. وبدلاً من ابتداع طريقة جديدة خاصة بنا، سوف نحاول ببساطة أن ننظم ونوضح الأبعاد المختلفة لما علم الروح القدس الكنيسة أن تعمله.

وهكذا، سنركز اهتمامنا في الدروس القادمة على ثلاثة مواضيع رئيسية. اما مجال الدراسات  الكتابية فينطبق الى حد ما مع ما يسمى: "إكسيجيزس" أى التفسير النصّي للكتاب المقدس. وفي هذه الدروس ينطبق قسم الدراسات التاريخية والعقائدية تقريباً مع ما سندعوه بـ "التفاعل في المجتمع". أما قسم علم اللاهوت العملي فسوف ينطبق على نحو غير محكم مع تصنيفنا "للسلوك المسيحي". سوف ندرس الطرق التى بها تعمل كل واحدة من هذه الاقسام في علم اللاهوت، وكيف تعمل هذه معاً ونحن ندرس علم اللاهوت. وبدلاً من السقوط في فخ العقلانية في منهجنا اللاهوتي، سوف نذكر أنفسنا باستمرار أن كل قسم من أقسام المنهج اللاهوتي يستلزم كشف أبعاد فكرية، سلوكية وعاطفية. وعندما ندرس التفسير النصّي للعهدين القديم والجديد نحتاج أن نتعلم كيف نكون مهتمين بالأفكار، والممارسة، والعاطفة. وإذ ندرس كيف تتفاعل الكنيسة كمجتمع، سوف نحتاج أن نتذكر أهمية الأفكار، والممارسة والعاطفة. وإذ نعتبر الحياة المسيحية الفعّالة، سوف لا نركز فقط على العقيدة الصحيحة، ولكن أيضاً على الممارسة العملية الصحيحة والمشاعر الصحيحة. وعلى المستويات الثلاثة جميعاً، ستكون المواضيع الثلاثة، أى التفسير النصّي للكتاب المقدس، والتفاعل في المجتمع، والحياة المسيحية الفعّالة، هى المواضيع المحورية في مقدمتنا اللاهوتية.

قد أوضحنا في هذا الدرس أهم سؤال أساسي يمكن أن نسأله بينما نحن نتجرأ  لخوض الدراسة اللاهوتية، هذا السؤال هو بالتحديد، "ما هو علم اللاهوت؟" وقد تناولنا ثلاثة أوجه في هذا السؤال: تعريف علم اللاهوت، أهداف علم اللاهوت ثم مواضيع علم اللاهوت. وإذ نواصل مسيرة الدروس القادمة مستقبلاً، سوف تظهر الأفكار التي طرحت في  هذا الدرس مرة بعد الأخرى. وبينما نحتفظ  بخطتنا  الرئيسية في أذهاننا، سوف نكون مجهزين بصورة أفضل لكي نسعى في دراسة علم اللاهوت بطرق سوف تقدم خدمة ذات مغزى أعمق وشأن أكبر لأجل المسيح  وكنيسته.


د. ريتشارد ل. برات

من موقع الألفية الثالثة

http://old.thirdmill.org/seminary/arabic/catalog.asp/site/iiim/category/catalog

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا