مقالات متخصصة

هل تعرف أحداً لا يتحَّمل التواجد في غرفة تسودها الفوضى؟ كان عندي رفيق في الكلية بهذا الشكل. وغالباً ما كنت أترك الفوضى على طاولتي عندما أذهب لحضور الصف، ولكنه كان ينظف ورائي دائماً. ولو أني تركت الفوضى مرةً أخرى في اليوم التالي فإنه سينظفها. وقد أوقفني مرةً عندما كنت خارجاً من سكن الطلاب وقال لي: "ما بالك؟ ألا تعرف كيف تضع الأشياء في أماكنها؟"

أجبته معترفاً "نعم، أعرف كيف أضعها في أماكنها، لكن لديَّ الكثير من الأمور الأخرى الواجب عليّ فعلها حتى أنني لا أجد وقتاً للقيام بذلك."

وما زال باستطاعتي تذكر إجابته: "لو أخذت من وقتك بضع دقائق فقط لوضع الأشياء في أماكنها، ستتعجبُ من كمية الأمور التي ستُنجزها."

في الواقع، تنطبق فكرة صديقي على اللاهوت المسيحي بطرق عديدة. حيث يعتقد العديد من المسيحيين أن هناك الكثير من الأمور التي يجب عليهم القيام بها من اجل المسيح بحيث لا يتسنى لهم الوقت لتصحيح لاهوتهم، ربح النفوس للمسيح، زرع كنائس، تعليم الأسفار المقدسة... يوجد أمور عديدة يجب القيام بها. ولكن الحقيقة هي أننا إذا خصصنا وقتاً لتنسيق لاهوتنا بطريقة منظمة، سنكون قادرين على القيام بأشياء أكثر بكثير في خدمة المسيح وملكوته.

هذا هو الدرس الأول في سلسلتنا "بناء علم اللاهوت النظامي". سوف نستكشف في هذه السلسة علم اللاهوت النظامي أو النظاميات. إن علم اللاهوت النظامي هو إحدى الطرق الرئيسية التي قاد الروح القدس بها الكنيسة المسيحية لترتيب لاهوتها. وقد أعطينا هذا الدرس عنوان، "ما هو علم اللاهوت النظامي؟". سنكتشف في هذا الدرس التمهيدي، عدداً من المواضيع الأساسية التي تتعلق بدراسة علم اللاهوت النظامي.

سنتناول في درسنا ثلاثة مواضيع رئيسية: أولاً، سوف نقارن لاهوت العهد الجديد بعلم اللاهوت النظامي. ما هي أوجه الشبه والإختلاف بينهما؟ ثانياً، سوف نتمعَّن في التطورات التاريخية التي أدّت إلى علم اللاهوت النظامي. من أين نشأ؟ وثالثاً، سننظر إلى قيم ومخاطر علم اللاهوت النظامي. ما هي حسناته وسيئاته؟ دعونا نبدأ باستكشاف العلاقة بين لاهوت العهد الجديد وعلم اللاهوت النظامي.

إن البدء باستكشاف العلاقة ما بين علم اللاهوت النظامي وبين العهد الجديد هامّ، لأننا كأتباع المسيح ملتزمين بسلطة الكتاب المقدس غير القابلة للشك، بالنسبة لأي نظام لاهوتي آخر، مهما كان جيداً. تعكس كل الأنظمة اللاهوتية، ما عدا الكتاب المقدس، نقائص الكائنات البشرية الخاطئة. وهكذا،ومن البداية، لابد أن نكون مهتمين جداً بمقارنة علم اللاهوت النظامي بالكتاب المقدس. ما هي أوجه الشبه بينهما؟ وما هي أوجه الاختلاف؟

وحتى نتمكن من رؤية العلاقة بين لاهوت العهد الجديد وعلم اللاهوت النظامي، سنتناول موضوعين. أولاً، الخطوط الخارجية لعلم اللاهوت النظامي، وثانياً، الخطوط الخارجية للاهوت العهد الجديد. دعونا ننظر أولاً إلى الخطوط الخارجية لعلم اللاهوت النظامي.

كان علم اللاهوت النظامي،عبر التاريخ، أحد الطرق الأكثر تأثيراً والتي بنى المسيحيون بواسطتها فكرهم اللاهوتي. في الواقع، من الصعب إيجاد تابع واحد للمسيح لم يتأثر بعلم اللاهوت النظامي في أيّ مكان في العالم. عندما نتكلَّم عن الله كثالوث، أي أن الله موجود في ثلاثة أقانيم متساوية في الجوهر، فإننا نعتمد على عمل علماء علم اللاهوت النظامي؛ عندما نتكلَّم عن المسيح كشخص واحد كإله كامل وإنسانٍ كامل، فإننا نتعامل مع عقائد مُفسرة في علم اللاهوت النظامي. وعندما نستخدم كلمات مثل التجديد، الإيمان، التوبة، القداسة، والتمجيد، فإننا نستخدم عبارات قد عرَّفها لنا علماء علم اللاهوت النظامي. وبالرغم من تأثير علم اللاهوت النظامي، فإن لدى معظم المسيحيين اليوم فكرة غامضة عنه.

وكما يمكنك أن تتخيل، فقد عرَّف اللاهوتيين هذه المقاربة للاهوت بطرق مختلفة. ولكن يمكننا فهم الاهتمامات الرئيسية لللاهوت البروتستانتي التقليدي النظامي وذلك بالنظر إلى تعريفِ "علم  اللاهوت النظامي" المعروف للويس بيركهوف والذي كُتِبَ في منتصف القرن العشرين.

في الفصل الرابع من هذا الكتاب، عرف بيركهوف دراسته على هذا النحو:

"يسعى علم اللاهوت النظامي إلى تقديم عرض منظَّم لكلِّ الحقائق العقائدية للديانة المسيحية."

يلقي هذا التعريف الصريح الضوء على ثلاثة جوانب لعلم اللاهوت النظامي: أولاً، يهتم "بالحقيقة". ثانياً، يسعى لتقديم الحقيقة بشكل "منظم" تبعاً للعلاقات المنطقية بين مختلف الحقائق. وثالثاً، علم اللاهوت النظامي مبنيّ في سياق "الدين المسيحي".

إن عناصر تعريف بيركهوف هذه، ستقود مناقشتنا في ثلاثة اتجاهات: أولاً، سننظر إلى حقيقة أن علم اللاهوت النظامي يسعى جاهداً إلى أن يكون كتابياً، وذلك بالتمسك بالحقائق الموجودة في الكتاب المقدس. ثانياً، سوف نرى أن علم اللاهوت النظامي يحاول أن يكون متماسكاً بشكل منطقي وذلك بإنشاء نظامٍ تكون فيه كل حقيقة من حقائق الكتاب المقدس مفهومة بالنسبة لعلاقتها بالحقائق الأخرى. وثالثاً، سوف نتمعَّن في الطرق التي يتبع فيها علم اللاهوت النظامي الأولويات والتأكيدات اللاهوتية التقليدية. لنفكر أولاُ في حقيقة أن علم اللاهوت النظامي ينبغي أن يكون كتابياً.

يتكلم بيركهوف عن اعتماد علم اللاهوت النظامي على الكتاب المقدس عندما يقول إن علم اللاهوت النظامي مهتمٌ "بالحقائق العقائدية." فبالنسبة لللاهوتيين البروتستانت الذين يتقيّدون بـ "Sola Scriptura." أي الكتاب المقدس وحدهُ. فإن القول بأننا نركز على الحقائق العقائدية يعني وجوب تطابق لاهوتنا كله مع الكتاب المقدس. في الواقع، إننا نستقي معظم عقائدنا النظامية من الكتاب المقدس نفسه مباشرة.

وقد أوضح بيركهوف هذه النقطة في كتابه "علم اللاهوت النظامي، بهذا القول: "يجب أن يُظهر علماء علم اللاهوت النظامي أن كل جزء من هذا اللاهوت يمد جذوره بعمق في تربة الكتاب المقدس."

للأسف، لم يفكر المسيحيين بعلم اللاهوت النظامي بهذه الطريقة دائماً. فبدلاً من ترسيخ علم اللاهوت النظامي في التعاليم الكتابية، ذهب اللاهوتيون في ثلاثة اتجاهات أساسية على الأقل. فقد رأى بعضهم أن علم اللاهوت النظامي مترسخ في تقليد الكنيسة أو عقيدتها. حيث نظروا إليه على أنه مجرد تحليل متأنٍ لتعاليم الكنيسة على مدى التاريخ. ورأى  بشكل رئيسي لاهوتيون آخرون أن علم اللاهوت النظامي مترسخ في الخبرة الدينية؛ ويسعى هؤلاء اللاهوتيين إلى إدخال التنظيم إلى الحدس والتخيلات الدينية للكائنات البشرية. بينما نظر بعض اللاهوتيين إلى الفلسفات الغريبة عن الإيمان المسيحي على أنها التربة التي أنبتت علم اللاهوت النظامي. في الواقع، يحول هؤلاء اللاهوتيين علم اللاهوت النظامي إلى فلسفة دين.

يستخدم كل من له علاقة بعلم اللاهوت النظامي تقليد الكنيسة، الخبرة الدينية، والإعتبارات الفلسفية إلى حدٍ ما. ولكننا سوف نعرِّف، في دروسنا، علم اللاهوت النظامي الصحيح كالدراسة الراسخة في نهاية المطاف في تعاليم الكتاب المقدس. نحن لا نسعى لتثبيت نظامنا اللاهوتي في تقليد الكنيسة، الخبرة الدينية، أو الفلسفة. إلا أننا ندرك، كما فعل المسيح، أن كل اللاهوت الجيد، بما في ذلك علم اللاهوت النظامي، يجب أن يكون كتابياً.

وبعد أن رأينا أن علم اللاهوت النظامي يسعى لأن يكون كتابياً، ينبغي أن نأخذ بعين الإعتبار محاولة هذا اللاهوت ليكون متماسكاً من الناحية المنطقية، منظماً تعاليم الكتاب المقدس في تنسيق منظم.

وكما يشير تعريف بيركهوف، يسعى هذا النظام إلى "تقديم عرض منظّم لكلِّ الحقائق العقائدية " أو، كما شرح في مكان آخر، "يسعى علماء علم اللاهوت النظامي إلى مزج الحقائق العقائدية في إطار منظَّم".

فمن وجهة النظر هذه، إن عمل عالم علم اللاهوت النظامي هو تلخيص المعتقدات المسيحية حتى تشكل نظاماً شاملاً، بشكلٍ منسق وحتى منطقي.

ويسعى اللاهوتيون النظاميون إلى إيضاح كيف تُظهر تعاليم الكتاب المقدس نظام معتقدات منطقي موحَّد.

لقد اكتفى العديد من المسيحيين، في كل عصر، بترك معتقداتهم، مفككة نسبياً. إننا نؤمن بأمور معيّنة عن الله. ونؤمن بأمورٍ أخرى تخصّ الإيمان والخلاص. كما أن لدينا معتقدات أخرى حول السلوكيات والأخلاق. ومع أن معظم المسيحيين يؤمنون بأمور عديدة، فإننا غالباً ما نسمح لمعتقداتنا أن تبقى منعزلةً عن بعضها البعض.

بالمقابل، يولي علم اللاهوت النظامي أهمية كبرى لإظهار تماسك المعتقدات المسيحية. ويسعى علماء علم اللاهوت النظامي إلى أخذ أجزاء وقطع مّما تُعلّمه الأسفار المقدسة وشرح علاقتها المنطقية ببعضها البعض بصورة منظمة وشاملة قدر المستطاع. في الواقع، هذا هو سبب تسمية هذا النظام اللاهوتي بعلم اللاهوت النظامي. إن الهدف هو إظهار النظام اللاهوتي الذي علًّمه الكتاب المقدّس.

من جهة ثالثة، لا يحاول علم اللاهوت النظامي أن يكون كتابياً ومتماسكاً بطريقة منطقية فحسب، إلا أنه يحاول المحافظة على الإستمرارية مع الإهتمامات المسيحية التقليدية، مركَّزاً على العقائد التي أثبت التاريخ أهميتها بالنسبة للكنيسة.

وقد تناول تعريف بيركهوف هذه المسألة بالقول أن علم اللاهوت النظامي يتعامل مع الحقائق العقائدية من منطلق "الديانة المسيحية".

وقد شرح هذه الناحية من تعريفه على هذا النحو:

"لا يمكن لعلماء علم اللاهوت النظامي... أن يستمروا في الإفتراض بأن التطور العقائدي القديم خطأ هائل، ولهذا عليه البدء في عمله de novaأي من جديد."

نحن نسعى في علم اللاهوت النظامي لعرض العقائد من منطلق الديانة المسيحية، ومن منطلق الأولويات والتأكيدات اللاهوتية التقليدية. ولهذا، لا يتفاعل علم اللاهوت النظامي مع الكتاب المقدَّس فحسب، بل مع الطرق الأساسية التي عبر بها اللاهوتيون عن تعاليم الكتاب المقدس على مدى تاريخ الكنيسة.

يفسر هذا الإهتمام بتأكيداته التقليدية، سبب اتباع، تقريباً، كل لاهوت نظامي بروتستانتي موثوق به، البُنية الأساسية نفسها. ينظم اللاهوتيون عقائد الكتاب المقدس بهذه الطريقة عادةً، بمتابعة الاهتمامات الرئيسية للتفكير اللاهوتي والتي تطورت عبر العصور. فهم يبدأون إما بعلم الكتاب المقدس، أي عقيدة الكتاب المقدّس، أو باللاهوت الصحيح، أي عقيدة الله. ومن ثمَّ ينتقلون إلى علم الإنسان، أي عقيدة البشرية، ويركّزون بشكل خاص على حاجة الإنسانية للخلاص. ويلي ذلك علم اللاهوت الخلاصي، أي عقيدة الخلاص. ويأتي بعدها علم الكنيسة المسيحية، أي عقيدة الكنيسة، وأخيراً علم الأمورالأخيرة، أي عقيدة الأيام الأخيرة. إن هذا الترتيب الأساسي هو من خصائص علم اللاهوت النظامي، لأن علماء اللاهوت النظاميين يستمدّون هذه الأوليات من الخطوط الخارجية للاهوت المسيحي التقليدي.

إذاً، بإمكاننا أن نرى ثلاث خصائص أساسية على الأقل لعلم اللاهوت النظامي. حيث يسعى علماء اللاهوت البروتستانتيون الجيَّدون إلى خلق لاهوت يكون كتابياً، متماسك من الناحية المنطقية، وتقليدي في أولوياته وتأكيداته.

وبعد أن رسمنا الخطوط الخارجية لعلم اللاهوت النظامي، يجب أن نلتفت إلى موضوعنا التالي: الخطوط الخارجية للاهوت العهد الجديد. بالطبع، سيهتم علماء علم اللاهوت النظامي الجيدون بالكتاب المقدس بأكمله، بما في ذلك العهد القديم، ولكننا سوف نقتصر في هذا الدرس على المقارنة بين علم اللاهوت النظامي ولاهوت العهد الجديد.

في كثير من النواحي، من المناسب أن نتصور علم اللاهوت النظامي، كما اشار إليه بيركهوف، كشجرة تضرب جذورها في العهد الجديد. إن هذا التشبيه مفيد في الدرجة الأولى لأنه يذكّرنا أن علم اللاهوت النظامي يستمدّ حياته من الكتاب المقدّس. حيث يسعى علماء علم اللاهوت النظامي الجيَّدون إلى أن تتوافق تأكيداتهم مع تأكيدات العهد الجديد قدر الإمكان. هذا يعني، أن علم اللاهوت النظامي الجيد يشبه إلى حدٍّ بعيد لاهوت العهد الجديد.

ولكن في الدرجة الثانية، يمتد علم اللاهوت النظامي، تماماً كالشجرة، خارجاً وبعيداً عن تربة الكتاب المقدس أيضاً. بعبارة أخرى، رغم انبثاق علم اللاهوت النظامي من العهد الجديد، إلا أنه تحوّل إلى شيءٍ مختلفٍ جداً عن العهد الجديد.

وحتى نرى أوجه الإختلاف هذه، سوف نتناول أربعة مظاهر تُميّز لاهوت العهد الجديد عن علم اللاهوت النظامي. أولاً، التنوّع النسبي للاهوت العهد الجديد؛ ثانياً، الطابع الرعوي للعهد الجديد؛ ثالثاً، الأشكال الأدبية المستخدمة للتعبير عن لاهوت العهد الجديد؛ ورابعاً، الإطار الأساسي للاهوت العهد الجديد. فلنبدأ بالنظر إلى المفردات المتنوعة والتصنيفات التي نجدها في العهد الجديد.

وكما رأينا، إن علم اللاهوت النظامي مبني حول مواضيع تمت مناقشتها مراراً وتكراراً عبر تاريخ الكنيسة. لقد خلق التاريخ الطويل مجموعة من المصطلحات والتصنيفات الموحَّدة نسبياً، والتي يميل جميع علماء علم اللاهوت النظامي إلى اتباعها بشكل مستمر. للتأكيد على ذلك، يعبر مختلف علماء علم اللاهوت النظامي عن أنفسهم بأشكال مختلفة؛ فهم ليسوا موحّدين بشكل ثابت. إلاَّ أنَّ علم اللاهوت النظامي ككل موحّد بدرجة عالية بحيث تُستخدم المصطلحات والتصنيفات فيه بالطريقة نفسها إلى حدٍّ كبير.

لا يعكس العهد الجديد مثل هذا التجانس الواسع. فهناك تنوّع كبير في المصطلحات والتصنيفات في العهد الجديد أكثر من علم اللاهوت النظامي. ولكن علينا أن نكون حذرين بألاّ نبالغ في الأمر هنا. فقد تقاسم كتبة العهد الجديد مجموعة شائعة من المفردات، المفاهيم، والبُنى الفكرية في العديد من القضايا المسيحية الأساسية والرئيسية. وليس الأمر وكأن لاهوت العهد الجديد سهل التغيير كما لو لم يكن فيه توحيدٌ على الإطلاق.

على سبيل المثال، وصف الجميع الله بطرق متشابهة مستوحاة من تعاليم العهد القديم. وعلّموا أن يسوع هو المسيح أو المسيّا، كما أنهم اشتركوا في العديد من المعتقدات المعقدة حول ما يَعنيه هذا التعليم. واتفقوا على المعنى الأساسي لعبارات مثل الخطيئة والخلاص. إن قائمةً بمثل هذه العموميات الأساسية واسعة جداً.

ولكن، بالإضافة إلى هذه العموميات، من الواضح أن لاهوت العهد الجديد كان متنوعاً جداً. فقد عبَّر كتبةٌ مختلفون للعهد الجديد عن لاهوتهم بطرقٍ مختلفة.

يمكن أن نجد أحد أسباب هذه الإختلافات في عقيدة الوحي العضوي. فقد صان الروح القدس كتبة الكتاب المقدس من الوقوع في الخطأ ومن مناقضة بعضهم البعض، ولكنه لم يبسِّط المفردات والتصنيفات التي استخدمها كتبة العهد الجديد بحيث تصبح موحّدة. فقد كتب كل كاتب من كتاب الكتاب المقدس انطلاقاً من منظور خلفيته، شخصيته وخبراته. وبالنتيجة، عبَّر كتبة العهد الجديد عن الإيمان المسيحي بطرقٍ تكميلية إنّما مختلفة.

ولهذا السبب، لا يشبه أسلوب وصف بولس للأيمان المسيحي أسلوب لوقا. ويختلف يوحنا عن متى. كما يختلف مرقس عن بطرس. إن لاهوت العهد الجديد متنوِّع جداً، بالمقارنة مع الطرق النموذجية لترتيب الأشياء في علم اللاهوت النظامي.

وبالإضافة لكونه أكثر تنوعاً، فإن لاهوت العهد الجديد يتميز بأنه أكثر رعوية من علم اللاهوت النظامي.

لقد تمّ بناء علم اللاهوت النظامي ليكون تعبيراً متماسكاً وشاملاً عن تعاليم الإيمان المسيحي بشكل منطقي. وهو يركِّز بشكلٍ خاص على الحقائق الكليَّة الثابتة. وبالنتيجة، فإنه غالباً ما يتطلب صفة نظرية مجَّردة، مركزاً على أمور الله في ذاته، نظريات التكفير عن الخطايا، الأسرار المقدَّسة، وحشد من القضايا المجرّدة الأخرى.

وبالمقابل، إن لاهوت العهد الجديد أكثر رعوية. فقد عبَّر كتبة العهد الجديد عن لاهوتهم بطرقٍ موجهة لاحتياجات محدّدة بأساليب محدّدة. مرة ثانية علينا أن لا نبالغ في هذه القضية. وكذلك تناول كتبة العهد الجديد الحقائق المجردة اللامحدودة. ولكن على العموم، كانت كتاباتهم مهتمة أكثر بالبحث في تحديات محدّدة واجهها العديد من المؤمنين في يومهم.

على سبيل المثال، يفسر هذا التركيز الرعوي سبب اختلاف رسائل بولس عن بعضها البعض. لو كان قصد بولس أن يكتب لاهوتاً منظماً لكتب رسالةً واحدة فقطَ. ولكن محتوى وتركيز رسائله اختلف بشكل كبير، لأن كل واحدة منها كانت موجهةً من أجل احتياجات مختلفة في كنائس مختلفة.

بدون شك، كان لدى كل مؤلفيّ العهد الجديد فهماً عميقاً لللاهوت. لكن عندما يتعلّق الأمر بالتعبير عن لاهوتهم في كتابات العهد الجديد، فإنهم لم يخططوا لتفسير هذه الأنواع من المفاهيم السامية. بدلاً من ذلك، كان هدفهم رعاية الناس وذلك بتطبيق اللاهوت على ظروف الحياة الحقيقية. وهكذا، بدلاً من التركيز على  التفسيرات المنطقية للعقيدة، لجأ كتبة العهد الجديد إلى التركيز على احتياجات الناس الحقيقية والعملية، وعلى الطرق التي لبى فيها اللاهوت هذه الاحتياجات. ونتيجة لذلك، بدت كتاباتهم اللاهوتية مختلفة جداً عن علم اللاهوت النظامي المقياسي.

ثالثاً، إن لاهوت العهد الجديد متميّز عن علم اللاهوت النظامي لأن العهد الجديد يعبّر عن لاهوته بأشكال أدبية متعددة. فقد استخدم كتبة العهد الجديد أشكالاً وأساليب أدبية متنوعة كثيرة.

تمت كتابة علم اللاهوت النظامي بأسلوب أدبي أساسي واحد: وهو ما يمكن تسميته مقال أو بحث مُمدد. ويبدو أن تقريباً كل شيءٍ يظهر في علم اللاهوت النظامي هو من هذا النوع من النثر.

بالمقابل، تم التعبير عن لاهوت العهد الجديد بأشكال أدبية متنوعة. حيث تظهر أنواعاً مختلفة من الأدب في العهد الجديد. ويتضمن هذا اللاهوت، بصورة عامة، شكلان أدبيان رئيسيان: [الروايات] و [الرسائل]. إن الأناجيل وأعمال الرسل هي روايات، وأما بقية العهد الجديد فهو بالطبع رسائل. كما أننا نجد ضمن روايات ورسائل العهد الجديد، الترانيم، الصلوات، الوصايا، الإتهامات؛ الالتماسات الشخصية، الرؤى، والعظات، بالإضافة إلى أشكال أدبية أخرى عديدة. ومع ذلك، نادراً ما تظهر هذه الأشكال الأدبية في علم اللاهوت النظامي.

ويظهر كذلك العديد من الفروقات بين العهد الجديد وعلم اللاهوت النظامي عندما نقارن إطارهما أو بنيتهما اللاهوتية الأساسية، أي الطريقة التي ينظموا بها اللاهوت بربط العقائد بعضها ببعض.

يتبع علم اللاهوت النظامي عادةً، إطار عمل أساسي تطوَّر على مدى قرونٍ من تاريخ الكنيسة. وكما سبق ورأينا، فقد تأسّس كل اللاهوت النظامي البروتستانتي وفقاً للخطوط التالية: عقيدة الكتاب المقدّس، أو عقيدة الله يأتي أولاً: علم الإنسان، علم اللاهوت الخلاصي، علم الكنيسة المسيحية وعلم الأمور الأخيرة.

يجب أن يكون جليَّاً لكلّ شخص مطلّع بالعهد الجديد أن كتاّب العهد الجديد تطرقوا إلى كل تلك المواضيع. حيث يعلّم العهد الجديد عن الكتاب المقدًّس، الله، البشرية، الخلاص، الكنيسة، وعن الأيام الأخيرة. لكن في نفس الوقت، مهمٌّ أن ندرك أن العهد الجديد، بخلاف علم اللاهوت النظامي، ليس منظّماً أو مُؤَسَساً وفقاً لهذه الخطوط.

عوضاً عن ذلك، أنشأ كتاّب العهد الجديد، كمعظم اللاهوتيين اليهود في القرن الأول، لاهوتهم حول موضوع ملكوت الله إلى حدٍ كبير.

أعلن أنبياء العهد القديم، قبل المسيح بقرون، أن الله سوف يعاقب أمّة إسرائيل الخاطئة، وذلك بفترة طويلة من السبي وطغيان الأمم عليها. لكنّ الأنبياء صرحّوا أيضاً أنه في الأيام الأخيرة، سيضع الله نهاية لنفي أمة إسرائيل، كما أنه سيهيئ لها يوماً جديداً من النصر والبركة. وسيتم ذلك من خلال المسيا الذي سيؤسس المرحلة النهائية من ملكوت الله على الأرض، آتياً بالدينونة المطلقة ضدّ أعداء الله والبركات المطلقة لليهود والأمم المخلصين.

مع حلول زمن العهد الجديد، كان اليهود قد عانوا من مشاق السبي لأجيال. وكنتيجة لذلك، أصبح مجيء المسيا، مع المرحلة الأخيرة من ملكوت الله، واحداً من أكثر الإهتمامات بل وأهمها، دامجاً كل اللاهوت اليهودي. كان اللاهوتيون اليهود مشغولين بأسئلة مثل هذه، متى سيأتي المسيا؟ كيف سيأتي المسيا في يوم الدينونة والنعمة العظيم؟ كيف ينبغي أن يعيش شعب الله المؤمنين في انتظار المسيا؟

وشكلت هذه المواضع الإهتمامات المركزية لكتَّاب العهد الجديد أيضاً. فقد بنى كتّاب العهد الجديد لاهوتهم حول المرحلة النهائية لملكوت الله والمسيا. لكنهم فعلوا ذلك بطريقة مسيحية متميّزة.

شرح يسوع ورسله أن نهاية السبي ووصول ملكوت الله لن يحدث بالطريقة البسيطة والمباشرة التي توقعها معظم اللاهوتيين اليهود. فقد كان أحد الأهداف الأولية لكتّاب العهد الجديد أن يشرحوا أن الانتقال من عصر السبي والخطيئة هذا إلى ملكوت المسيّا سيتضمّن عملية معقّدة ومطوّلة. وبحسب العهد الجديد، أسس يسوع نهاية السبي وبداية ملكوت الله عندما كان على الأرض. وسيعود المسيح يوماً ما وسيأتي بالملكوت إلى نهايته المجيدة للدينونة والبركة الأخيرة. ولكن في الوقت الحالي، فإن عصر السبي موجود جنباً إلى جنب مع عصر ملكوت الله.

لقد أسّس كتّاب العهد الجديد كلّ شيءٍ آمنوا به وفقاً لهذا الإطار الرئيسي. فهم، على سبيل المثال، لم يفسّروا الله بتعابير مجرّدة، بل كانوا مهتميّن بشرح كيف تصرّف الله في زمن الخطيئة، وكيف يتصرف الآن خلال تداخل العصور، وكيف سيتصرف في الزمن الآتي. ولم يقدموا مناقشات نظرية لعقيدة المسيح. إنما شرحوا من هو، بالنسبة لبداية الملكوت، زمن الإستمرار والإكتمال. كما تمَّ وصف الروح القدس أيضاً في هذه المراحل الثلاث باعتباره الروح الذي أتى، الذي يقوي الكنيسة حالياً، والذي سيملأ الكلَّ في الكلِّ يوماً ما. حتى عقيدة الخلاص تم وصفها بحسب هذا النموذج الفكري. فالخلاص شيءٌ تمَّ إنجازه، إلا أنه ما يزال يتحقق خلال استمرارية الملكوت، وسيتم تحقيقه بشكل كامل عندما يأتي المسيح ثانيةً في المجد. بهذا المعنى، يُعتبر إطار العمل الأساسي للاهوت العهد الجديد مختلف تماماً عن إطار العمل الأساسي لللاهوت النظامي.

وهكذا يمكننا أن نرى أن المقارنة بين علم اللاهوت النظامي ولاهوت العهد الجديد تكشف أوجه التشابه والإختلاف. فعلم اللاهوت النظامي متأصل في الكتاب المقدّس؛ ويجب أن تكون كل تأكيداته وادّعاءاته اللاهوتية حقيقية للكتاب المقدّس؛ مؤكدة العقائد والحقائق نفسها. بهذا المعنى، يكون الإثنان متشابهان جداً. لكن في الوقت نفسه، توجد اختلافات هامّة بين علم اللاهوت النظامي ولاهوت العهد الجديد.

بعد أن استكشفنا العلاقة بين العهد الجديد وعلم اللاهوت النظامي، نحن مستعدون لمناقشة موضوعنا الثاني: تطوّر علم اللاهوت النظامي على امتداد تاريخ الكنيسة المسيحية.

كما سبق وأن رأينا، يختلف علم اللاهوت النظامي عن لاهوت العهد الجديد في العديد من الطرق الهامّة. لكن تثير هذه الإختلافات بعض الأسئلة الهامة: لماذا قام البروتستانت، الملتزمون جداً بالكتاب المقدَّس، بالمصادقة على نظام لاهوتي مختلف جداً عن العهد الجديد؟ كيف أصبح علم اللاهوت النظامي أحد أسمى الطرق التي يؤسس المسيحيون المؤمنون من خلالها اللاهوت؟

يمكننا تلخيص المسألة بهذه الطريقة. جاء علم اللاهوت النظامي عن طريق عملية طويلة من استجابة الكنيسة ورعايتها في عالم متغيّر. عندما انتشرت المسيحية من القدس إلى أجزاء أخرى من العالم، كان على اللاهوتيين المسيحيين أن يستجيبوا لمختلف التغيرات والتحديات. وقد قاموا بذلك جزئياً بإيجاد طرق جديدة لشرح وتطبيق تعاليم الكتاب المقدَّس. في نهاية المطاف، نمت الإستراتيجيات التي استُخدِمَت في علم اللاهوت النظامي.

في البداية، يتراجع العديد من المسيحيين عن فكرة صياغة اللاهوت رداً على التغيرات الثقافية. لكن العهد الجديد يوضح أنها مسؤوليتنا كأتباع للمسيح أن نبقى أمناء للحقيقة التي يظهرها الكتاب المقدَّس بثبات، وأن نوصل تلك الحقيقة حتى يتمكن الآخرون من فهمها. في الواقع، علّمنا المسيح نفسه أن نفعل هذا في المأمورية العظمى.

استمع إلى كلماته في متى (28: 19- 20):

«فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِِ».

لاحظ هنا: إن يسوع لم يقل "لذلكً فاذهبوا واقرأوا الكتاب المقدَّس لكلِّ الأمم"، ومع أن القراءة العامة للكتاب المقدّس هي جزء هام من رسالة الكنيسة، لكن لم يكن هذا ما أوصانا يسوع أن نفعله في المأمورية العظمى. حتى نحقق مأموريته، علينا أن " نعلم" كلمته، أن نعلِّم الكتاب المقدَّس.

بكلمات أخرى، علينا إيجاد طرقٍ لإيصال حقيقة الكتاب المقدَّس، ويتطلب ذلك مقداراً من تشكيل وشرح ما نجد في الكتاب المقدَّس حتى يتمكن الآخرون من حولنا من فهمه. لقد نشأ علم اللاهوت النظامي واستمرَّ إلى هذا اليوم، بدافع الرغبة في التعليم، التواصل بشكل فعَّال، وتحقيق المأمورية العظمى.

سوف نصف بايجاز ثلاثة تطورات تاريخية رئيسية أدت إلى علم اللاهوت النظامي كما نعرفه اليوم: أولاً، لاهوت آباء الكنيسة، الذي وُجِدَ تقريباً من عام 150 بعد الميلاد وحتى عام 600 بعد الميلاد، وبدأ بالتحرك نحو اللاهوت النظامي؛ ثانياً، لاهوت القرون الوسطى تقريباً من عام 600 بعد الميلاد  وحتى عام 1500 بعد الميلاد، عندما تمَّ تطوير طرق فهم اللاهوت بحيث كانت تمهيداً مباشراً للاهوت النظامي. وثالثاً، اللاهوت البروتستانتي، الطرق التي أسس بها البروتستانت علم اللاهوت النظامي من عام 1500 بعد الميلاد وحتى يومنا هذا. دعونا نبدأ ببعضٍ من أول الحركات نحو علم اللاهوت النظامي بعد زمن المسيح ورسله خلال فترة آباء الكنيسة.

حتى نفهم هذه الخطوة الأساسية الأولى نحو علم اللاهوت النظامي، سوف نتطرَّق إلى مسألتين: أولاً، التغيرات الثقافية التي مرت بها الكنيسة خلال فترة آباء الكنيسة، وثانياً، التغيرات اللاهوتية التي نتجت عن هذه التغيرات في الثقافة. دعونا نتمعن أولاً في التغيرّات الثقافية التي حدثت في فترة آباء الكنيسة.

كان أحد أعظم التغيّرات التي واجهتها الكنيسة الأولى بعد زمن الرسل،  انتقال مركز المسيحية من موطنها في فلسطين إلى موطن جديد في عالم الأمم. وكان هذا التغيّر حاسماً جداً بحيث أصبح الأمميون، وليس اليهود، اللاهوتيين الأساسيين في الكنيسة.

أدّى هذا الإنتقال في القيادة إلى تغيّراتٍ بارزةٍ جداً في الطرق التي أسس بها المسيحيون اللاهوت. وعندما سعى اللاهوتيون الأمميون إلى نشر الإنجيل في عالمهم الأممي، بدأوا بتفسير إيمانهم والدفاع عنه بطرقٍ ذات صلة بالثقافة الرومانية الإغريقية في ذلك الوقت. وقد بدأوا بوصف المسيحية وفقاً للغة الفلسفات اليونانية في أيامهم.

ومّما يثير الإهتمام، لم يكن المسيحيين أول من جعل الكتاب المقدَّس على اتصال ذو مغزى مع الثقافة اليونانية. فقد كان عدد لا يحصى من اليهود منتشر في جميع أنحاء العالم الأممي قبل المسيح بعدة قرون. وبينما عاش المبشرون من اليهود في ذلك العالم، محتفظين بإيمانهم المبني على العهد القديم، حاولوا سدّ الثغرة بين اليهودية والعالم الأممي.

بعد أن وصل هؤلاء اليهود إلى الأمم، اتخذوا مسارين تبعهما المسيحيون من بعدهم. فمن جهة، أضفى اليهود صبغة يونانية على إيمانهم إلى درجة أنهم وقعوا في فخ الحركة التوفيقية. فقد خلطوا إيمان العهد القديم الحقيقي مع الممارسات والمعتقدات الوثنية بشكل غير لائق. ويظهر أحد أفضل الأمثلة المعروفة حول مثل هذا الجهد التوفيقي في كتابات فيلو الإسكندري الذي عاش من سنة 30 قبل الميلاد إلى سنة 50 بعد الميلاد. سعى فيلو إلى تقليص الإختلافات بين إيمان العهد القديم وحضارة الأمم الفكرية وذلك بالتعامل مع أسفار موسى على أنها قصص مجازّية وبالمجادلة بأن إيمانه اليهودي جديرٌ بالإحترام لأنه كان منسجماً مع الفلسفة اليونانية الكلاسيكية.

لكن وفي الوقت ذاته، وجد العديد من اليهود خلال هذه القرون طرقاً لنشر تعاليمهم بطريقة شرعية في ثقافاتهم اليونانية، وبدون تعريض إيمانهم الكتابي للشبهة. وأحد أعظم الأمثلة على هذا النوع من الخدمة كان إحداث ترجمة الكتاب المقدس السبعينية، العهد اليوناني القديم. فقد تمت ترجمة النسخ اليونانية من العهد القديم في مجامع اليهود في جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسِّط، حتى يتمكن الأمميون واليهود غير القادرين على فهم اللغة العبرية من الحصول على الكتاب المقدس.

سار اللاهوتيون المسيحيون، خلال مرحلة آباء الكنيسة، في هذين الاتجاهين أيضاً. فمن جهة، وقع الكثير من قادة الكنيسة في شرك الحركة التوفيقية المسيحية وذلك لأنهم ذهبوا بعيداً في محاولاتهم لإضفاء الصبغة اليونانية على إيمان العهد الجديد. وقد خلطوا المسيحية الحقيقية بالممارسات والمعتقدات الوثنية. كما كانت بعض أشكال الحركة التوفيقية قد برزت في كنيسة العهد الجديد، لكن خلال مرحلة آباء الكنيسة، نشأ وتطور في المسيحية عددٌ من الطوائف غير التقليدية المعروفة مثل الأبيونية، الـباسيليدية والغنطوسية. ومن جهة أخرى، على الرغم من مقاومة اللاهوتيين المسيحيين التقليديين للحركة التوفيقية، إلا أنهم وجدوا طرقاً شرعية للخدمة في عالمهم الوثني وذلك بالتفاعل مع وجهات النظر العالمية اليونانية من حولهم. فبينما عمل هؤلاء المؤمنون الحقيقيون على تحقيق مأمورية المسيح للوصول إلى جميع الأمم، عبّروا عن لاهوتهم باستخدام وجهات نظر دينية وفلسفية معاصرة دون تعريض حقيقة الكتاب المقدَّس للشُبهة.

بعد أن بحثنا في التغيرات الثقافية، علينا أن نبحث في بعض الطرق التي تغيّر فيها اللاهوت المسيحي الأصيل لمواجهة تحدّي الخدمة في العالم الوثني خلال مرحلة آباء الكنيسة. ما هي الإتجاهات اللاهوتية العامة التي ظهرت في هذه المرحلة من اللاهوت المسيحي؟

كان التياّر الديني والفلسفي المهيمن على عالم البحر الأبيض المتوسط، خلال فترة آباء الكنيسة، معروفاً بالأفلاطونية الجديدة. وتشمل عبارة الأفلاطونية الجديدة تنوعاً كبيراً من وجهات النظر، كما أنها تمثل فلسفة دينية واسعة. وهي تسمَّى بـ "الأفلاطونية الجديدة" لأنها كانت متأصلة في تعاليم أفلاطون، كما أنها تضمنت أيضاً أفكاراً جديدة قام بتقديمها فلاسفة مثل بلوتينوس، الذي عاش من عام 203 إلى 279 بعد الميلاد.

وعلى الرغم من تعقيد هذه الفلسفة الدينية، إلا أنه يمكننا تلخيص مواضيعها الرئيسية في ثلاث قضايا: الثنائية، العقلانية، والتصوّف.

كانت الأفلاطونية الجديدة ثنائية في المقام الأول. فقد علمت التناقض الرئيسي بين العالمين المادي والروحي. كانت الروح، في الثنائية الأفلاطونية الجديدة، تعتبر خيراً، بينما تعتبر المادة شرّاً مطلقاً. وعلى الرغم من أنه كان مُعتَقَداً أن الله نفسه فوق العالمين المادي والروحي، إلا أنه، وبصلاحه، نشر فكره الإلهي، نوره، أو كلمته على العالمين الروحي والمادي. لقد انبثقت هذه القوة الإلهية من الله وتدفقت على امتداد الواقع، مقدّمة درجات من النظام والشكل، بادئة بالعالم الروحي ومن ثمَّ منتقلة إلى العالم الماديّ.

كان لهذه النظرة الثنائية دلالات محدّدة للطرق التي كان على البشر العيش بها. فقد قيل أن الناس سيولدون في العالم المادي، حتى أنهم سيكونون أسرى العالم الفيزيائي. ولكن الأفلاطونية الجديدة علّمت أن قمة الصلاح بالنسبة للحياة البشرية هو الإقتراب من الله وذلك بإزالة كل الروابط مع العالم المادّي.

إن فكرة قطع الصلة بالعالم المادّي للإقتراب من الله، توصلنا إلى العقلانية باعتبارها التركيز الثاني للأفلاطونية الجديدة.

عندما سعى الناس للتغلّب على سجنهم في العالم المادي، كان عليهم أن يبدأوا بالتركيز على العقل البشري، أي القدرة الفكرية والروحية داخل كلٍّ منَّا. ومن خلال التأمل والتفكير الدقيقين، تمكن الناس من قطع خطوات كبيرة في تخليص أنفسهم من المادة الشريرة التي تورطوا فيها.

وبقدر ما كان التأمل العقلي مهماً، إلا أنه مجرد بدايةٍ بالنسبة للشخص الفاضل حقاً. فقد دعت الأفلاطونية الجديدة الناس لتتجاوز العقل البشري إلى التصوّف. كان على الناس تجاوز قواهم البشرية العقلية، بهدف الوصول إلى الإنفصال التام عن المادة والإتحاد الكامل مع الله، للوصول إلى ذروة الله نفسه.

وبسبب إيمان الأفلاطونيين الجدد بأن الله فوق الكل، ومتعالٍ حتى فوق التفكير البشري، كان بإمكان البشر، في النهاية، أن يحققوا الاتحاد مع الله فقط إذا استلموا الوحي الباطني الذي يتجاوز التأمل البشري. كان من المفترض أن تتحقق هذه النشوة الروحية عن طريق وحي النور والكلمة الإلهيين المُنبثقين من بدء الخلق إلى نهايته. وقد قيل أنها تؤدي إلى الاتحاد التام بالله، السعادة الفائقة، والإنجاز العظيم للمصير البشري.

كانت هذه المفاهيم الدينية والفلسفية سائدةٌ جداً في عالم البحر الأبيض المتوسط خلال فترة آباء الكنيسة، لدرجة أن اللاهوتيين المسيحيين المخلصين، لم يتمكنوا من تجنب التفاعل معها. في الواقع، تم صياغة العديد من مناقاشاتهم اللاهوتية وفقاً للمعتقدات الأفلاطونية الجديدة.

كان العديد من هذه الجهود شرعي إلى حدٍ بعيد. على سبيل المثال، قامت المجامع المسكونية للكنيسة في بداياتها، مثل مجمع القسطنطينية، وخلقيدونية بالتعبير عن معتقدات الكتاب المقدس بالنسبة لمعيار الأفلاطونية الجديدة. كما عبّر لاهوتيين مسيحيين معروفين، مثل كليمانتوس الإسكندري، أوريجانوس، وحتى أوغسطينوس، عن أنفسهم بعبارات كانت مألوفة للأفلاطونية الجديدة.

لم يسمح اللاهوتيون المسيحيون المخلصون، في فترة آباء الكنيسة، لاهتمامهم بالأفلاطونية الجديدة أن يحلّ محلّ التزاماتهم الأساسية بالإنجيل الحقيقي. بل تمسَّكوا بحقيقة الكتاب المقدس بقوّة. لكنَّ معرفتهم بالأفلاطونية الجديدة ساعدتهم في شرح الكتاب المقدَّس بطرق مكنتهم هم ومعاصريهم من فهمها. ومن خلال التفاعل مع ثقافاتهم بهذه الطرق، فقد نشروا الإنجيل، شيّدوا الكنيسة، كما أنهم جلبوا الكثير من غير المؤمنين إلى المعرفة الخلاصية للمسيح.

يوجد العديد من الطرق التي يمكننا بواسطتها تلخيص تأثير الأفلاطونية الجديدة على لاهوت آباء الكنيسة. لكن من أجل أهدافنا، سوف نشير إلى ثلاث سمات للاهوت آباء الكنيسة والتي توازي تلخيصنا للأفلاطونية الجديدة: الأولويات الروحية للاهوت آباء الكنيسة، أهمية المنطق العقلاني ، وأهمية التصوّف. دعونا نتمعّن أولاً في أولويات لاهوت آباء الكنيسة، عندما كانوا متأثرين بالأفلاطونية الجديدة.

سوف تتذكرون أنَّ إحدى خصائص الأفلاطونية الجديدة هي الثنائية بين العالمين الجسدي والروحي. لقد تجاوب لاهوت آباء الكنيسة مع هذه الثنائية بتنظيم وتقديم تعاليم الكتاب المقدَّس بطريقةٍ أعطت أولوية للاهتمامات الروحية على حساب الشؤون الدنيوية، وسندعو هذه الدراسة لللاهوت "اللاهوت من فوق". هذا يعني، أن اللاهوت من فوق هو اللاهوت الذي يعطي المكانة الأولى للتأمل الروحي السامي، أكثر من التأمل الأدنى مرتبة، أي الأمور الأكثر دنيوية. التأمل بالله وطرقه – ما هو جوهر الله؟ ما هي صفاته؟ ما هي وحدانية الله؟ ما هو الثالوث؟ كانت هذه الاهتمامات بارزةً في لاهوت آباء الكنيسة أكثر من التأمل في الوضع البشري والحياة في العالم المادي. وأصبحت هذه الأولويات سمة مميّزة للاهوت آباء الكنيسة.

من ناحية ثانية، اكتسب اللاهوتيون المسيحيون تقديراً كبيراً لأهمية المنطق العقلاني في اللاهوت، مركّزين على التأمل المنطقي كأداة أساسية للاهوت.

كما سبق ورأينا، كانت إحدى القيم الرئيسية في الأفلاطونية الجديدة هي الإيمان بأن على البشر توظيف التفكير البشري بحيث يسمو فوق العالم المادي. ورداً على تأكيد الأفلاطونية الجديدة على التأمل الفكري، بدأ آباء الكنيسة الأوائل أيضاً بالتأكيد على التأمل الفكري في اللاهوت المسيحي. كما ركّز روَّاد اللاهوت المسيحي أكثر من أيّ وقت مضى على البحث والشرح العقلاني الدقيق للمعتقدات المسيحية، بحيث أصبح العديد من العقائد التي تركها العهد الجديد دون تحديد أو استكشاف، مواضيعاً للتأمل العقلاني.

على سبيل المثال، سمح لاهوت العهد الجديد لعقائد مثل الثالوث الأقدس لتبقى غير مُفسَّرة إلى حدٍ كبير؛ فلم يتناول كتبة العهد الجديد تفاصيل العلاقة بين أقانيم الثالوث الأقدس. في حين استخدم اللاهوتيون، في مرحلة آباء الكنيسة، تحليلاً منطقياً لشرح ما آمن به كتّاب العهد الجديد حول الثالوث، على الرغم من أن كُتّاب الكتاب المقدس لم يقوموا بالتصريح عن وجهات نظرهم بشكل واضح.

ورداً على التعاليم الزائفة حول الله الآب، الإبن، والروح القدس، كّرس آباء الكنيسة الأوائل أنفسهم لتوضيح الإختلافات الدقيقة من خلال التأمل الفكري، موضحين ما استطاعوا من التفاصيل العديدة التي لم يتمّ تناولها في العهد الجديد. وبهذه الطريقة، أصبح لتطبيق المنطق العقلاني على اللاهوت قيمة مهمة بالنسبة للاهوتيين أثناء خدمتهم في عالمهم الأفلاطوني الجديد.

من ناحية ثالثة، ركّز لاهوت آباء الكنيسة أيضاً على التصوّف أو التنوير الروحي المتعالي، كرد فعلٍ على تركيز الأفلاطونية الجديدة على التصوّف.

كما سبق ورأينا، كان المنطق  العقلاني الدقيق من خلال الاهتمام بالعقل البشري، في الافلاطونية الجديدة، مجرد نقطة انطلاق إلى مستويات صوفية أعلى للاتحاد بالله. وقد كان العقل محدوداً ولم يتمكن من فهم الحقائق الروحية الأسمى، وقد تطلب الوصول إلى هذه المستويات العليا استنارة خاصة.

وبطريقة مماثلة، عندما قام الآباء المسيحيون الأوائل بتفسير عقائد مثل الثالوث،  ألوهية وإنسانية المسيح، أو الأسرار المقدسة والكنيسة، فإنهم غالباً ما اعترفوا بأن بعض عناصر هذه العقائد كان فوق تصوّر المنطق العقلاني البشري. كانت نقاشاتهم العقلانية مقترنة، وبشكلٍ متكرِّر، بالإعترافات بأنه لا يمكن شرح أو الدفاع عن الحقائق الأسمى للإيمان المسيحي بشكلٍ عقلاني فقط. بل يمكن إدراكها وفهمها فقط من خلال التنوير الصوفي، أي من خلال الخبرات فوق الطبيعية والتي تتجاوز استطاعة العقلانية البشرية. استخدم لاهوت آباء الكنيسة المنطق العقلاني ليكون في خدمة وحي الله، لكنه اتكّل على البديهة الروحية أكثر من اعتماده على البرهان المنطقي.

وهكذا وبسبب مواجهة اللاهوتيين في فترة آباء الكنيسة لتحدّيات تتعلق بتعليم واستكشاف والدفاع عن اللاهوت المسيحي في عالمهم الأممي، فقد تغيّرت استراتيجياتهم وتركيزهم. وهذه التغيرات نحو أولويات ما هو روحي على حساب ما هو مادي، أو اللاهوت من فوق، واستخدام التحليل المنطقي والاعتماد على التأمل الصوفي، وضع طريقة أو سلوكاً للكنيسة لتتبعه أخيراً حتى تصل إلى ما نعرفه اليوم بعلم اللاهوت النظامي.

وبعد أن رأينا كيف بدأ اللاهوتيون بشرح اللاهوت المسيحي لثقافتهم اليونانية خلال مرحلة آباء الكنيسة، علينا أن ننتقل إلى لاهوت القرون الوسطى، عندما قام المسيحيون، وبشكل مستمر، بتطبيق النظرة اليونانية للعقلانية والمنطق البشري على اللاهوت المسيحي. سوف نولي اهتمامنا بالحركة اللاهوتية التي تدعى غالباً بالسكولاستية أي المذهب المدرسي أو فلسفة القرون الوسطى والتي تطورت تقريباً من سنة 600 وحتى 1500 بعد الميلاد.

سيكون بحثنا للسكولاستية مماثلاً للطريقة التي بحثنا فيها لاهوت آباء الكنيسة. فمن جهة، سوف ننظر إلى التغيرات الثقافية التي أدت إلى ظهور السكولاستية. ومن جهة أخرى، سوف نبحث في بعض التغيرات اللاهوتية الناتجة. دعونا نفكر أولاً في التغيرات الثقافية التي حدثت خلال هذه القرون.

في البداية، يجب أن نلفت النظر إلى أن عبارة سكولاستية مشتقة من مدارس التعليم العالي في بداية القرون الوسطى في أوروبا. كان المحاضرون في الجدل، في هذه المدارس، والذي عادةً ما يسمى "علم المنطق" في العصر الحديث، يُعْرَفون بالعبارة اللاتينية سكولاستيكوس (Scholasticus)، وقد قام هؤلاء المحاضرون بتعليم منطق أرسطو إلى حدٍ كبير. وبالنتيجة، أصبحت عبارة "سكولاستي" تُطبَّق على الفلسفة واللاهوت اللذين اعتمدا على مبادىء المنطق في فلسفة أرسطو بشكلٍ كبير.

نتجت السكولاستية عن إحدى أهم التحولات الثقافية التي حدثت في فترة القرون الوسطى. وحدث هذا التحول عندما انتقلت المجتمعات الفكرية لعالم البحر الأبيض المتوسط من الأفلاطونية الجديدة إلى فلسفة أرسطو. وكنتيجة لهذا التحوّل، كان على المسيحيين القياديين أن يتبنّوا الطرق التي شرحوا بها العقائد المسيحية ودافعوا عنها أمام الفلسفة الأرسطورية.

بالطبع، حدث هذا التحول باتجاه السكولاستية على مدى مئات السنين، وقد تعرّض للكثير من المقاومة، وخصوصاً من المتصوّفين المسيحيين. لكن في زمن ألبرتوس ماغنوس (أو ألبرت العظيم)، الذي عاش من عام 1206 وحتى 1280 وتلميذه المعروف توما الأكويني، الذي عاش من عام 1225 وحتى عام 1274، مثلت السكولاستية الشكل السائد للاهوت المسيحي. لقد كان الإتجاه السائد للاهوت المسيحي، قبل الإصلاح بقليل، متناغماً بعمق مع وجهات نظر أرسطو الفلسفية.

بعد أن تمعنا في بعض التغيرات الثقافية التي أدت إلى ظهور السكولاستية، يجب أن ننتقل إلى بعض من خصائصها الأساسية. ما الذي ميَّز السكولاستية باعتبارها نهجاً رئيسياً للاهوت المسيحي؟

رغم وجود الكثير من أوجه التشابه بين لاهوت آباء الكنيسة واللاهوت السكولاستي، لكن يوجد اختلاف حاسم واحد على الأقل. على العموم، أكدَّ لاهوت آباء الكنيسة أن أعظم الرؤى اللاهوتية تأتي عن طريق الوحي الصوفي. أمّا السكولاستية فقد كانت عقلانية بشكل كبير، مركزةً على قيمة المنطق في فحص، شرح والدفاع عن اللاهوت بأكمله. كان يجب تحليل العالمين المادي والروحي، وحتى الله نفسه، عن طريق التطبيق الدقيق للمنطق.

كان السكولاستيون على معرفة جيدة بكتابات أرسطو حول المنطق والفيزياء والميتافيزياء أي علم ما وراء الطبيعة، كما أنهم سعوا لاستيعاب عرض اللاهوت المسيحي وفقاً لوجهة النظر العقلانية العالمية هذه. لهذا السبب، حتى نفهم اللاهوت السكولاستي في العصور الوسطى، نحتاج لفهم وجهات نظر أرسطو عن المنطق.

سيسمح لنا الوقت أن نذكر فقط أربع وجهات نظر لأرسطو عن المنطق والتي أثرت على اللاهوت السكولاستي: أولاً، أهمية المصطلحات الدقيقة. ثانياً، ضرورة التفكيرالإفتراضي؛ ثالثاً، قيمة القياس المنطقي؛ وأخيراً أولويات التحليل العقلي.

أدرك أرسطو، في الدرجة الأولى، إن نجاح التأمل العقلاني، والمنطقي يعتمد على العبارات التي نستخدمها وعلى كيفية تعريفها بدقة.

كانت التعاريف مهمّة بالنسبة لكل من لاهوتيي فترة آباء الكنيسة ولاهوتيي الأفلاطونية الجديدة. لكن كان أرسطو أكثر واقعية في الطرق التي عالج بها هذه المسائل. وبناءً على آرائه للفيزياء والميتافيزياء، وصف أرسطو الطرق المنطقية وحتى العلمية المستخدمة في تصنيف البنود بتعريف وتحديد جوهر أو مادة شيءٍ ما، وكذلك صفته غير الجوهرية، لتمييز أي شيء قيد الدراسة من جميع الأشياء الأخرى. بالمقابل، وبهدف التواصل مع ثقافاتهم الأرسطورية بشكل واضح، عرّف اللاهوتيين السكولاستيين أيضاً العبارات اللاهوتية بأكثر دقة ممكنة.

حتى نشرح كيف لائم السكولاستيين لاهوتهم وفقاً لتأكيد أرسطو على استخدام المصطلحات الدقيقة، دعونا نتمعَّن في فقرة من كتاب البحث اللاهوتي الشامل    Summa Theologica أي الخلاصة اللاهوتية لتوما الإكويني. كتب الإكويني، في الفصل المُسمّى "هل الله غير متناهٍ؟" وردَّ على الإعتراض التالي:

"الإعتراض الأول. يبدو أن الله ليس غير متناهٍ. لأن كلّ شيء غير متناه يكون غير كامل ... كونه يملك مادّة وأجزاء... لكن الله هو الأكثر كمالاً؛ ولهذا فهو ليس غير متناهٍ

وللرد على هذا الاعتراض، ركَّز الإكويني على مسائل التعريف. فلنستمع إلى ردّه.

"تكتمل المادة بالشكل الذي يجعلها متناهية؛ ولهذا، يكون لسمة اللامحدودية، عندما تُنسَب إلى مادة ما، طبيعة شيء غير كامل؛ لأنها تكون كما لو كانت مادة عديمة الشكل."

لاحظوا كيف استخدم الإكويني عدة مصطلحات تقنية في هذه الفقرة المختصرة. فقد استخدم مصطلحات مثل "مادة"، "شكل"، "عديمة الشكل"، "متناهية"، "لا محدودة"، "كاملة" و "غير كاملة". كما أنه استخدم هذه المصطلحات بطرقٍ كانت مفهومة في أيامه، لأنها كانت ملائمة لاستخدام أرسطو لمثل هذه المصطلحات. بالنتيجة، كان الإكويني قادراً على التمييز بين آرائه وآراء الآخرين بدقة. وكان هذا التركيز على التعاريف الدقيقة للمصطلحات إحدى سمات اللاهوت السكولاستي.

وكنتيجة لهذا التركيز، كان اللاهوت السكولاستي حافلاً بالمصطلحات التقنية. وقد طوَّر السكولاستيون مفرداتٍ متخصصة شاملة للاّهوت المسيحي. وهذا هامّ بالنسبة لنا، لأن العديد من مصطلحاتهم استمر استخدامها في اللاهوت المسيحي على مدى القرون.

بالإضافة إلى إلهام اللاهوتيين السكولاستيين للتأكيد على المصطلحات الدقيقة، فقد دفعهم عمل أرسطو في المنطق لإعطاء دور رئيسي للإفتراضات في إيصال الحقيقة اللاهوتية.

تعدّ الافتراضات في أبسط أشكالها، تأكيدات على حقيقة يتمّ تشكيلها بواسطة الفاعل والمفعول به. ونستخدم نحن الافتراضات دائماً في حديثنا اليومي. لنتمعن مثلاً في هذه الجملة (أنا أنسان). إن الفاعل في هذا الافتراض هو (أنا)، والمفعول به هو(الإنسان). وجميعنا على علم بالافتراضات الموجودة في اللاهوت، مثل (يسوع هو ابن الله).

تُعتبر مثل هذه التأكيدات الاستنتاجية للحقائق جوهرية بالنسبة للاهوت السكولاستي، كونه قد تمّ تحديده عن طريق تحليل أرسطو للمنطق.

ركز أرسطو اهتماماً أكبر على كيف يعمل التفكير المنطقي مع الافتراضات. فحسب وجهة نظره، لا يعمل المنطق باستخدام تعابير تتعلّق بالحدس أو العواطف، الشعر أو الرمزية، الألغاز أو الصلوات. إلا أنه يهتم ببيانات الحقيقة بشكل أساسي. ويمكننا استخدام المنطق لتحليل موضوعٍ ما، فقط من خلال الافتراضات المُشَكّلة على نحوٍ ملائم.

وتماشياً مع تأكيد أرسطو، عملت السكولاستية بجدّ للتعبير عن لاهوتها الرسمي بوساطة الافتراضات. لكن على مستوى أقل أكاديمية ورسمية، فهم اللاهوتيون السكولاتيون أن على الإيمان المسيحي أن يتضمن أنواعاً أخرى من التعابير. كان العديد من السكولاستيين أتقياء جّداً، وعبّروا عن قناعاتهم الدينية باستخدام الشعر، الترانيم، الصلوات، وما شابه ذلك. لكن بالنسبة للنصوص الأكاديمية المتطورة، كانت المعتقدات اللاهوتية تُقدّم ضمن افتراضات مركّبة بحذر، أي بتأكيدات على الحقائق.

وحتى نشرح مركزية الافتراضات في اللاهوت السكولاستي، سنعود ثانية إلى كتاب توما الإكويني الخلاصة اللاهوتية. استمع إلى نقاشه في الفصل المُسمّى "هل وجود الله بديهي؟"

الاعتراض الأول. يبدو أن وجود الله بديهي. و يقال عن تلك الأشياء أنها بديهية لنا، إذا كانت معرفتنا بها مترسِّخة فينا بشكلٍ طبيعي، كما يمكننا أن نرى فيما يتعلّق بالمبادىء الأولى. ولكن كما يقول الدمشقي (أي يوحنا الدمشقي الذي عاش في القرن الثامن) "إنَّ معرفة الله مترسِّخة في الجميع بشكل طبيعي". ولهذا فإن وجود الله بديهي.

ردّ الأكويني على هذا الاعتراض بهذه الطريقة.

لا يمكن لأحد أن يعترف عقلياً بعكس ما هو بديهي؛ كما يوضح الفيلسوف (أي أرسطو) بشأن المبادىء الأولى للبرهان. لكن يمكن الإعتراف ذهنياً بنقيض الإفتراض "الله موجود" بمزمور٥٣:١ " قال الجاهل في قلبه ليس إله". ولهذا، فإن وجود الله ليس أمراً بديهياً.

كما كنا نتوقع، تُشير هذه الفقرة إلى المعنى التقني لما هو بديهي، بالنسبة لأرسطو، على اعتباره الفكرة بأن "لا يمكن لأحد أن يعترف عقلياً بالعكس". لكن يمكننا أن نرى، فوق كل هذا، أن الإكويني ردَّ على المعترض بافتراضات. لم يقحم نفسه في المدح أو النواح. ولم يؤنّب أو يهدّد خصمه. إلا أنه ردَّ عليه بافتراضات باستمرار.

إن ما نراه في الإكويني هنا هو سمة من سمات اللاهوت السكولاستي بشكل عام. وقد قَصَرَ اللاهوتيون السكولاستييون تقريباً كل نقاشاتهم اللاهوتية الرسمية على الافتراضات. فقد فكروا بالمسائل اللاهوتية عن طريق تدوين عبارات مُعرَّفة بحذر ضمن بياناتِ حقيقةٍ مصاغةٍ بشكل جيد. إن هذه السمة أساسية جداً في اللاهوت المسيحي الرسمي، حتى أن هذه الافتراضات لا تزال حاسمة في علم اللاهوت النظامي في يومنا هذا.

ويمكننا تلخيص الطريقة الثالثة التي تفاعلت بها السكولاستية مع تأملات أرسطو عن المنطق ضمن فئة القياس المنطقي. والذي يعتبر جدل منطقي يتم فيه ترتيب الافتراضات لتشكّل مقدمات وخاتمات.

على سبيل المثال، هذا ما يقوله أحد القياسات المنطقية المعروفة والذي يدرّس غالباً في كتب المنطق المبتدئة: ( المقدمة الأولى : سقراط إنسان ). ( المقدمة الثانية: كل البشر فانين). و(الخاتمة: إذاً سقراط هو فانٍ).

قضى أرسطو الكثير من وقته في تحديد كيف يمكن ترتيب الافتراضات ضمن مناقشات تؤدي إلى أنواع معيَّنة من الخاتمات. فقد بحث في ما يدعى (قوانين  المنطق) على مثال (قانون التطابق)، (قانون عدم التناقض) و(قانون الوسط المستثنى)، بالإضافة إلى أنواع من [قواعد الإستدلال الفعّالة،] وهي الطرق التي يمكننا بواسطتها أن نستنتج بصورة صحيحة ومنطقية أنواعاً مختلفة من الخاتمات من أنواعٍ مختلفة من المقدمات.

وبالطبع، غالباً ما تكون المناقشات اللاهوتية معقدة، لكنَّ اللاهوتيين السكولاستيين كانوا عازمين على تشكيل مناقشات لاهوتية متفقة مع شرائع أرسطو في الجدل.

تأمل مرة أخرى في مناقشة توما الإكويني في كتابه "الخلاصة اللاهوتية" عن "هل وجود الله بديهي؟" وقد ردَّ فيها على الافتراض بأن معرفة الله بديهية مع قياس منطقي مباشر. حيث كتب هذه الكلمات:

لا يمكن لأحد أن يعترف عقلياً بعكس ما هو بديهي ... لكن يمكن الإعتراف ذهنياً بنقيض الإفتراض "الله موجود" بمزمور٥٣:١: " قال الجاهل في قلبه ليس إله". ولهذا، فإن وجود الله ليس أمراً بديهياً.

يمكن التعبير عن القياس المنطقي هذا بهذه الطريقة: (المقدَّمة الأولى: لا يمكن لأحد أن يعترف عقلياً بعكس ما هو بديهي). (المقدمة الثانية: يمكن الإعتراف ذهنياً بنقيض الإفتراض "الله موجود"). و(الخاتمة: ولهذا، فإن وجود الله ليس أمراً بديهياً).

إن هذه الفقرة هي مجرد مثال واحد عن كيف بحث الإكويني في مواقفه اللاهوتية ودافع عنها بحذر بواسطة القياس المنطقي وكانت معالجته لهذا الموضوع بمثابة نموذجٍ عن سكولاستية العصور الوسطى. في الواقع، يبقى هذا النوع من التركيز على القياس المنطقي، سمة أساسية حتى لعلم اللاهوت النظامي في أيامنا هذه.

بالإضافة إلى التركيز على المصطلحات الدقيقة، والإعتماد على الافتراضات والقياسات المنطقية، أثبت السكولاستيون تأثير أرسطو أيضاً بواسطة أولويات لاهوتهم.

طبَّق أرسطو المنطق العقلاني على مهمة تحليل الواقع من حيث التسلسل الهرمي الثابت والعقلاني. فقد نظر إلى كل شيء وكأن لديه مكانةً في ترتيبٍ عقلانيٍ عموديٍ.

فبحسب وجهة نظره، تنتمي كلّ الأشياء إلى مقياس ما، متوزعةً بين المادّة المتشعَّبة وغير الكاملة عند النهاية الأدنى للمقياس، والشكل الكامل والموحّد عند النهاية العليا له. وكان يعتقد أن إحدى مهام الفلسفة تحديد موقع انسجام كل جزء من الواقع ضمن هذا النظام العقلاني.

وبعبارات بسيطة جداً، كان الله نفسه في قمّة المقياس. فهو المبدأ الأول، والعلَّة غير المُسَبِبة لكل الأشياء. إن الله وحدةٌ، شكلٌ وكائنٌ نقيٌ. وتقف الملائكة تحت الله بخطوة واحدة. بينما وُضِع البشر تحت الملائكة لأنهم جسد وروح. وتحتل الأشكال المتنوعة للحياة الحيوانية مكانها تحت البشر؛ ومن ثم النباتات ويليها المواد غير العضوية؛ أي العناصر الأساسية الأربعة: الهواء، النار، الأرض والماء الذي يكمن تحت المواد غير العضوية، والمادة عديمة الشكل تقع في أسفل المقياس.

ومن أجل التواصل مع ثقافتهم الأرسطورية، حاول السكولاستيون شرح لاهوتهم بالنسبة لهذا النموذج الأرسطوري. وقد بنوا ملخصاتهم العقائدية بصرامة حسب نظام اللاهوت من فوق. هذا يعني أنهم نزعوا إلى البدء والتركيز على التعاليم المسيحية التي توازي المستويات العليا من التسلسل الهرمي لأرسطو، ومن ثمَّ شقّوا طريقهم نزولاً نحو التعاليم التي توازي المستويات الأدنى لمقياس أرسطو. وقد سعوا، طوال الوقت، لتوضيح النظام العقلاني المعقّد الذي كان يتخلل لاهوتهم من الأعلى، مفسرين كيف ينسجم كل جزء مع الأجزاء الأخرى.

يمكن رؤية هذا الميل نحو اللاهوت من فوق بسهولة أكثر في بنية كتاب توما الإكويني الخلاصة اللاهوتية. يبدأ الجزء الأول من كتابه بمقدمة ثمَّ ينتقل مباشرة إلى موضوع الأولوية الأعلى في اللاهوت السكولاستي: (الإله الواحد). بعد ذلك انتقل الإكويني إلى الثالوث الأقدس. ثمَّ، ركّز على الخليقة، وهو الفصل الذي لا يزال يركز على الله على أنه المسبب الأول لكل الأشياء. بعد ذلك انتقل الإكويني إلى أعظم المخلوقات: [الملائكة]. ثمّ ناقش الأيام الستة للخلق والتي تعاملت مع الخليقة الجسدية لما تحت الملائكة. يوجد بعدئذٍ فصلٌ حول البشرية، المخلوق الجسدي والروحي. وأخيراً، ختم الإكويني الجزء الأول من كتابه بـ (سيطرة الله على المخلوقات) بما فيها تلك الأشياء التي هي مجرّد كائنات جسدية.

وتُميِّز الأولويات الأرسطورية، التي انعكست في كتاب الإكويني الخلاصة اللاهوتية، الإستراتيجية العامّة للسكولاستية. وقد ميَّز هذا الميل، اللاهوت المسيحي المنهجي لعدة قرون، حتى في اللاهوت البروتستانتي النظامي الحديث.

وبعد أن رأينا بعض الطرق التي تحوَّل بها اللاهوت المسيحي من نماذج العهد الجديد إلى طرق التفكير اليونانية – أولاً نحو الثنائية الأفلاطونية الجديدة في فترة آباء الكنيسة، ومن ثمَّ نحو العقلانية الأرسطورية في فترة القرون الوسطى – يجب أن نحوِّل انتباهنا إلى الطرق التي يتم بها مقارَنة اللاهوت البروتستانتي مع هذه التطورات.

يوجد عدة طرق للتأمل في اللاهوت البروتستانتي حتى أنه علينا أن نكتفي بعيّنة صغيرة. سوف نتأمل في ثلاث مراحل للاهوت البروتستانتي. أولاً، لاهوت المصلحين الأوائل في القرن السادس عشر. ثانياً، البيانات البروتستانتية الكلاسيكية. وثالثاً، اللاهوت البروتستانتي النظامي الحديث. دعونا نبدأ بلاهوت المصلحين الأوائل.

كان هدف اللاهوت البروتستانتي المبكر إعادة بناء اللاهوت المسيحي وفقاً لمحتوى الكتاب المقدَّس. فعلى سبيل المثال كان مارتن لوثر وجون كالفن ملتزمين بعمق بإعادة تأكيد سلطة الكتاب المقدس في اللاهوت. وقد واجهوا تحدّيات كاثوليكية الكنيسة الرومانية والمتطرفون القائلون بإعادة العماد بشكلٍ أساسي عن طريق التنقيب في الكتاب المقدس مباشرة.

وبالنتيجة، لم يكتب لوثر أو كالفن أيّ شيء يتوافق مع علم اللاهوت النظامي الحديث بشكلٍ مباشر. بدلاً من ذلك، شرع كل من فيليب ميلانكتون (وهو تلميذ لوثر) وكذلك أحد أتباع كالفن، تيودور بيزا في تنظيم اللاهوت البروتستانتي المبكِّر. ومع هذا تظهر العديد من سمات اللاهوت السكولاستي ولاهوت آباء الكنيسة في كتابات المصلحين الأوائل.

على سبيل المثال، لنأخذ بعين الإعتبار[مبادىء الديانة المسيحية] المعروفة لكالفن. كانت هذه المبادىء قد كُتبت في الدرجة الأولى للدفاع عن البروتستانت ضد تهمة الهرطقة. لكن عكس كالفن في دفاعه عن وجهات نظر البروتستانتيين، التقاربات الهامة لتأسيس اللاهوت بطرقٍ كانت قد تطورت خلال القرون السابقة للإصلاح. وليس عدلاً أن نقول أن كالفن اتبع ببساطة نماذج اللاهوت السكولاستي أو لاهوت آباء الكنيسة. مع ذلك، أظهر كالفن، في مبادئه، اهتماماً بارزاً بمنطق أرسطو، وذلك من خلال الطرق التي استخدم فيها المصطلحات التقنية، عبّر عن لاهوته بالإفتراضات، وضع القياسات المنطقية ليتأمل في المسائل؛ كما أنه كيَّف لاهوته وفقاً لأولويات اللاهوت من فوق.

لن يسمح لنا الوقت بشرح كل عنصر في عمل كالفن، لكن يمكننا أن نرى بسهولة  مصادقته على المنطق العقلاني كوسيلة أساسية في اللاهوت، واتباعه لأولويات اللاهوت من فوق.

استمع، من ناحية، إلى الطريقة التي أكد فيها كالفن على فوائد دراسة الجدل أو المنطق، حتى عندما تم تطويره من قبل غير المؤمنين.

كتب كالفن في الكتاب الثاني، الفصل الثاني من مبادىء الديانة المسيحية هذه الكلمات:

"لكن إذا كان الرب مسروراً بمساعدتنا من خلال عمل وخدمة ما هو غير مقدَّس في الفيزياء، الجدل، الرياضيات، وعلوم أخرى مشابهة ، فدعونا نستفيد منه، خشيةً أننا وبإهمالنا للعطايا التي منحنا الله تلقائياً، سوف نعاقب على تكاسلنا بطريقة عادلة".

وانسجاماً مع هذه المصادقة على الجدل أو المنطق، لم تبدي كتابات كالفن اهتماماً بما يعلّمه الكتاب المقدّس، بل أيضاً بالتعبير عن تعاليم الكتاب المقدس بطرقٍ توافقت مع مقاييس منطق أرسطو.

من ناحية أخرى، عكست مبادىء كالفن أولويات "اللاهوت من فوق" على نطاق واسع، وذلك بطرق عكست بُنى لاهوت القرون الوسطى عن كَثَب. وتنقسم هذه المبادىء إلى أربعة كتب:

يتعامل الكتاب الأول مع معرفة الله كـ خالق. وقد وصف كالفن، في هذا الكتاب، الله بحدّ ذاته، والله كونه الخالق المهيمن والمتحكم بالكون. ويركّز الكتاب الثاني على معرفة الله كـ فادي، ويعالج الأمور الأرضية المتعلقة بتدخل الله في العالم عندما حقق المسيح الخلاص لشعبه. في حين يصف الكتاب الثالث قبول النعمة، منافعها وآثارها. حيث شرح كالفن هنا كيف ينطبق الخلاص، الذي تم تحقيقه في المسيح على حياة الأفراد، وما هي البركات والآثار التي يأتي بها قبول الخلاص على حياة الأفراد. بينما يركّز الكتاب الرابع على مسائل أقل مستوى وأكثر عملية: الكنيسة، أسرارها المقدّسة، وعلاقتها بالحكومة المدنية.

وهكذا يمكننا أن نرى أن كالفن انتقل من المفاهيم السماوية الأعلى إلى مفاهيم أخرى أكثر دنيوية. فقد تمّ التعامل مع: أولاً موضوع الله باعتباره المهيمن على الخليقة. ثانياً، تدّخل الله في التاريخ بواسطة المسيح. ثالثاً خلاص الشعوب. وأخيراً، الاهتمام الذي أعطي للشؤون المسيحية العملية اليومية.

وهكذا، وفي إطار مصادقته على المنطق واللاهوت من فوق، استمَّر كالفن في أتباع الطرق والأولويات اللاهوتية التي كانت قد تطورت في تاريخ الكنيسة في الفترة السابقة للإصلاح.

بالإضافة إلى التسليم باعتماد اللاهوت البروتستانتي في بدايته على التطورات المبكرة في اللاهوت، علينا أن نشير أيضاً إلى أن الأمر ذاته صحيح بالنسبة للتراث البياني للبروتستانت. فقد أصدر البروتستانت في مناطق مختلفة من العالم عدداً من كتب تعليم قواعد الدين والبيانات الكلاسيكية التي لخّصت إيمانهم.

على سبيل المثال، تأمل في لاهوت إقرار الإيمان الويستمنستري الذي كُتِب حوالي عام 1647. وكما هي الحال بالنسبة للبروتستانت الأوائل، ليس من العدل أن ندعو اللاهوت الويستمنستري سكولاستي حصراً، وذلك بسبب الأهمية المتعلقة بتعليم الكتاب المقدَّس. ومع هذا، يصح القول بأن إقرار الإيمان الويستمنستري تأثر بوجهات النظر التي ميّزت لاهوت فترة العصور الوسطى. ويشمل إقرار الإيمان الويستمنستري منطق أرسطو من حيث الطرق التي يعتمد فيها على المصطلحات التقنية، وكيف تشكّل الإفتراضات الشكل الأساسي للتعبير، والطرق التي تدعم فيها القياسات المنطقية الحذرة تقديم اللاهوت، وكيف ترتب مواضيع اللاهوت وفقاً لأولويات اللاهوت من فوق.

يمكننا أن نرى دوراً هاماً جداً للمنطق في إقرار الإيمان الويستمنستري. ويتضح هذا بشكل خاص في الفصل الأول الفقرة السادسة. استمع إلى الطريقة التي  يطرح فيها هذه المسألة.

ن مشورة الله الكاملة المختصة بكل الأشياء الضرورية لمجده الخاص، خلاص الإنسان، إيمانه وحياته، هي إما مدونة صريحاً في المكتوب أو بواسطة نتيجة صالحة ولازمة يمكن أن تستنتج من المكتوب".

لاحظ هنا، أنه يُمكن إيجاد كلُّ شيءٍ ضروري لمجد الله، لخلاصنا، إيماننا وحياتنا بطريقتين. فمن جهة، يمكن أن تكون هذه الحقائق مدّونة في الكتاب المقدّس بوضوح. أيّ أن الكتاب المقدّس يعلّم حقائق جوهرية معيّنة بشكل صريح. لكن من الناحية الأخرى، يمكن أن تكون العقائد المسيحية المهمّة الأخرى نتيجة صالحة ولازمة، مستخلصة من الكتاب المقدّس. وتعطي هذه العبارة دوراً كبيراً للمنطق العقلاني في اللاهوت البروتستانتي. فعندما قام هؤلاء اللاهوتيين البروتستانت بعملهم، استخدموا العقل والمنطق للوصول إلى متضمنات الكتاب المقدّس. وبهذه الطريقة، يُظهِر إقرار الإيمان الويستمنستري ميلاً قاطعاً نحو أساليب العهود السابقة.

وفوق هذا، تُظهر بنية إقرار الإيمان الويستمنستري الشاملة أيضاً أولويات اللاهوت من فوق. وتتبع فصول الإقرار هذا الترتيب. فبعد الفصل الأول المُسمّى من الكتاب المقدس، يركِّز الفصلان الثاني والثالث على الحقيقة الروحية الأسمى: [الله] نفسه. ويتعامل الفصلان الرابع والخامس مع الخليقة. ثم ننتقل إلى المواضيع الأكثر دنيوية أو أرضية، حيث تعالج الفصول من الفصل السادس وحتى السابع عشر، سقوط البشرية في الخطيئة والفداء اللاحق. وبعدها تشرح الفصول من الفصل الثامن عشر وحتى الحادي والثلاثين قضايا عملية أكثر للكنيسة والحياة المسيحية. وأخيراً يتناول الفصلان الثاني والثلاثين والثالث والثلاثين موضوع نهاية تاريخ العالم.

تميِّز الأولويات اللاهوتية التي عُرضِت في هذه البنية العديد من البيانات وكتب تعليم قواعد الدين البروتستانتية الكلاسيكية.

وبعد أن بحثنا في النزعات العامَّة للاهوت البروتستانتي المبكر، والبيانات البروتستانتية الكلاسيكية، يمكننا أن نرى أن علم  اللاهوت النظامي الحديث مستمرٌ في نفس النزعات.

على سبيل المثال، تأمل في "علم اللاهوت النظامي" لـ (تشارلز هودج) من معهد برينستون اللاهوتي، والذي عاش من عام 1797 وحتى عام 1878. حيث أعطى هودج المنطق العقلاني دوراً رئيسياً خلال لاهوته النظامي، عندما استخدم المصطلحات التقنيّة التقليدية، اعتمد على الافتراضات، بنى قضيته مستخدماً قياسات منطقية دقيقة، واتبع أولويات اللاهوت من فوق.

من ناحية، صادق هودج على دور المنطق العقلاني في اللاهوت والذي تخطى شرائع السكولاستية في العصور الوسطى والبروتستانت السابقين.

استمع إلى الطرق التي شرح فيها كيف يجب على اللاهوتيين ممارسة أبحاثهم بطرق مشابهة لما يقوم به العلماء المعاصرين. حيث كتب في الكتاب الأول الفصل الأول والفقرة الخامسة من لاهوته النظامي، هذه الكلمات:

"يصل رجل العلم إلى دراسة الطبيعة مزوداً بافتراضات محدّدة أولاً: إنه يفترض مصداقية مداركه الحسّية. ... ثانياً عليه أن يسلِّم بمصداقية قواه العقلية... وثالثاً عليه أن يعتمد أيضاً على يقين تلك الحقائق التي لا يتم تعلمها من التجربة ... يجب أن يكون لكل أثر سبب؛ بحيث يؤدي السبب ذاته عندما يكون تحت ظروف مشابهة، إلى تأثيرات مشابهة".

بعد أن وصف هودج كيف يتم فهم العلوم الطبيعية في أيامه، أضاف بعد ذلك كلمة عن علماء علم اللاهوت النظامي.

"....إن الكتاب المقدَّس بالنسبة للاّهوتي هو مثل الطبيعة بالنسبة لرجل العلوم. فهو مخزن الحقائق الخاص به؛ وطريقته في التحقق ممّا يعلّمه الكتاب المقدَّس، إنه نفس الأمور التي يتبناها فيلسوف الطبيعة ليتحقّق ممّا تعلمه الطبيعة".

وهكذا، فإننا نرى أنه بالرغم من تعديل هودج لمفهومه للعقل والمنطق على غرار العلم الحديث في أيامه، إلاَّ أنه كعالم لاهوت نظامي، فقد شارك في التقليد الذي ينظر إلى العقل والمنطق كأدوات حيوية لتأسيس اللاهوت.

من ناحية أخرى، أتَّبع علم اللاهوت النظامي لهودج أيضاً أولويات اللاهوت من فوق. وتكشف نظرةً على لاهوته النظامي البنية الشاملة لملخصه عن اللاهوت المسيحي.

يبدأ لاهوته النظامي بمقدمة ويليها الجزء الأول وهو بعنوان: "علم اللاهوت الصحيح". حيث عالج فيه عقيدة الله ذاته. أما الجزء الثاني والذي نسميه علم الإنسان، فإنه ينتقل منحدراً في مقياس الأولويات إلى البشرية. ثم يأتي الجزء الثالث، أي علم اللاهوت الخلاصي، والذي يبدأ بالمفهوم الأسمى لعمل الله من خلال المسيح، منتقلاً إلى تطبيق الخلاص على حياة الناس، ومن ثم إلى الوسائل العملية للنعمة. وتماشياً مع الترتيب التقليدي، أنهى لاهوته بالجزء الرابع: علم الأمور الأخيرة، أي الأيام الأخيرة.

وهكذا نرى أنه في كلّ عصر، بينما تابع المؤمنون المسيحيون خضوعهم للكتاب المقدس، عبّروا عن تعاليمه أيضاً بطرق مناسبة لثقافات الأمم الوثنية المتغيّرة التي عاشوا فيها.

بعد أن تتبعنا كيف تطوّرعلم اللاهوت النظامي كأسلوب أساسي في تفسير اللاهوت المسيحي، علينا أن نتوجه إلى موضوعنا الرئيسي الثالث، قيم وأخطار علم اللاهوت النظامي. سوف نفحص هذه القضايا بتفصيل أكبر في دروس لاحقة. ولهذا، سنقتصر عند هذه النقطة على القليل من الاهتمامات الواسعة.

حتى نرى بعض الميزات الإيجابية والسلبية لعلم اللاهوت النظامي، علينا أن نتذكر وصفنا لبناء اللاهوت في دروس أخرى. ستذكر كيف تكلمنا عن حقيقة أن الله زوّدنا بثلاثة مصادر رئيسية علينا أن نستقي منها عندما نبني اللاهوت المسيحي: التفسير النصّي للكتاب المقدس، التفاعل في المجتمع، وفي الحياة المسيحية. إن التفسير النصّي للكتاب المقدس هو طريقتنا في التركيز على الإعلان الخاص، بينما يركز المصدران الآخران على إعلان الله العام في كل الأمور. يقدِّم لنا التفاعل في المجتمع مدخلاً إلى بعدٍ هام جداً للإعلان العام: شهادة الناسٍ الآخرين، وخاصة المسيحيين الآخرين. وتلفت الحياة المسيحية انتباهنا إلى أبعادٍ حيوية أخرى للإعلان العام – تلك الأمور التي نتعلّمها من خلال خبراتنا في العيش لأجل المسيح، مجاهدين ضد الخطية وسائرين في الروح القدس. إن هذه المصادر اللاهوتية الثلاثة هي الطرق المعتادة التي يقود فيها الروح القدس شعب الله إلى فهم إعلانه وإلى بناء اللاهوت المسيحي.

وستذكر أيضاً أن هذه المصادر اللاهوتية الرئيسية تساعدنا في تقييم مستويات الثقة الذي يجب أن نمنحها لمعتقدات نمتلكها. وكشهودٍ للتفسير النصي للكتاب المقدس، عندما يكون التفاعل في المجتمع والحياة المسيحية عظيم الشأن ومنسجم حول موضوعٍ معين، فإن مستوى اقتناعنا وثقتنا بذلك الموضوع سينمو بشكل طبيعي، لكن إن لم يكن هذا التفاعل عظيم الشأن ومنسجم فإن مستوى اقتناعنا وثقتنا بذلك الموضوع سينقص.

ولأن التفسير النصّي للكتاب المقدس، التفاعل في المجتمع والحياة المسيحية تلعب أدواراً هامةً في بناء اللاهوت المسيحي، يمكننا أن نصنع بعض التقييمات الهامة لقيم وأخطار علم اللاهوت النظامي بالسؤال: كيف يستخدم علم اللاهوت النظامي كلاً من هذه المصادر؟ كيف يمكّن علم اللاهوت النظامي ويعوق قدرتنا على استخدام المصادر الثلاثة التي زوّدنا الله بها؟

سوف نتناول أولاً علم اللاهوت النظامي في اتصاله بالحياة المسيحية؛ ثانياً، علم اللاهوت النظامي في تفاعله في المجتمع؛ وثالثاً، علم اللاهوت النظامي والتفسير النصّي للكتاب المقدس. دعونا نتأمل أولاً في التأثيرات السلبية والإيجابية لعلم اللاهوت النظامي على الحياة المسيحية.

يمكن وصف مصدر الحياة المسيحية بطرق مختلفة، وسوف نقوم بالبحث في كيفية عملها بشكل متعمق أكثر في دروسٍ قادمة. إلا أننا سنقدِّم هنا لمحة سريعة عنه. سنتكلم في دراستنا للحياة المسيحية عن  كونها تتضمن القداسة في ثلاثة مجالات مترابطة، أي النمو في القداسة. يجب أن نكون مقدسين على المستوى الفكري، المستوى السلوكي، وعلى المستوى العاطفي. بكلمات أخرى، يجب أن تتطابق أفكارنا، أفعالنا ومشاعرنا مع إرادة الله. لقد تكلّمنا عن هذه الأبعاد الثلاثة للحياة المسيحية على أنها الأرثوذكسية أي العقيدة الصحيحة -العقلانية، الأرثوبراكسية أي الممارسة الصحيحة- الناموسية والأرثوباثوسية أي العاطفة الصحيحة- العاطفية.

هناك طرق أساسية يعزز علم اللاهوت النظامي من خلالها ويعوق قدرتنا على الاستفادة من هذه الأبعاد الثلاثة للحياة المسيحية. دعونا ننظر أولاً إلى الجانب الأكثر إيجابية، أي كيف يعزز علم اللاهوت النظامي الحياة المسيحية بصفته مصدراً للاهوت.

فمن الناحية الإيجابية، يتمتّع علم اللاهوت النظامي بالقوة، خاصَّةً في مجال الأرثوذكسية. فهو يزوّدنا بطريقة تفكير نظامية، أي إطار فكري يضع اعتباراً للقضايا التي تواجهنا في حياتنا اليومية بشكل صحيح. فبينما نسعى للعيش من أجل المسيح يوماً بعد يوم، غالباً ما نواجه مواقف نجد فيها أننا بحاجة لاستخراج رؤية ثابتة مستمرة لله، العالم من حولنا، ولأنفسنا، من وجهة نظر متماسكة منطقياً. ويُعتبر علم اللاهوت النظامي أحد أهم الطرق التي يمكن من خلالها إيجاد وجهات نظر كهذه. فعندما لا نمتلك إلا المعتقدات المفككة، لن نكون على استعداد جيد لتقييم ظروفنا، الإجابة على أسئلة تتعلق بحياتنا، أو صنع اختيارات تكرِّم الله.

أتذكر يوماً زيارتي لصديق في المستشفى. حيث كانت حالته المرضية سيئة، وبحاجة شديدة للصلاة. لكن عندما سألته إذا كان يصلّي طالباً عون الله، أجابني قائلاً "كلا". ففاجأني جوابه وسألته أن يشرح لي السبب. فقال لي: "أنا أؤمن بسيادة الله، ولهذا أعرف أن الصلاة لن تغير شيئاً".

ماذا حصل لصديقي؟ في الواقع، كان صديقي مدركٌ للقليل من اللاهوت المسيحي، لكنه تعامل معه على أنه التعليم المسيحي كله. لقد كان يفهم بشكل صحيح أن الله يتحكم بالتاريخ؛ أي أن الله هو السيد المطلق بكل ما في الكلمة من معنى. لكن لم يعرف صديقي كيف يربط هذه الحقيقة بحقائق الإيمان المسيحي الأخرى، مثل واسطة الصلاة، والطرق التي يستخدم بها الله الصلاة لتحقيق أهدافه المطلقة.

لا تقلل سيادة الله من الحاجة إلى الصلاة، إنها في الواقع الأساس المنطقي للصلاة. نحن نصلي لأن الله هو السيد المطلق. ونلتجأ إليه لأنه ممسك بزمام الأمور كلها. إذا لم يكن الله متحكماً بكل شيء، علينا أن نلجأ لشخصٍ آخر.

لو كان صديقي يفهم هذه الأشياء، لو كان متمرساً في علم اللاهوت النظامي بشكلٍ أفضل، لو كان يفهم العلاقة بين الصلاة وسيادة الله، لكان على استعدادٍ أفضل ليعيش حياته المسيحية خلال هذه التجربة.

في الوقت نفسه، بقدر ما يكون علم اللاهوت النظامي إيجابياً بالنسبة للأرثوذكسية، إلا أنه قادرٌ على إعاقة الحياة المسيحية عندما نتوقع الكثير منه. يوجّه علم اللاهوت النظامي انتباهنا نحو التفكير العقلاني الحَذِر فيما يتعلق بالإيمان المسيحي، وهذا مهم جداً. لكن يمكننا أن ننشغل بترتيب عقائدنا في نظام منطقي حتى أننا نتجاهل الأبعاد الأخرى للحياة المسيحية، وخاصة الأرثوبراكسية، مكيفين تصرفاتنا مع إرادة الله والأرثوباثوسية، مكيفين عواطفنا مع إرادة الله.

على سبيل المثال، غالباً ما يقلل المسيحيون المنغمسون كثيراً في علم اللاهوت النظامي من انتباههم لممارسة ومشاعر الإيمان المسيحي. فهم يهمّشون أموراً مثل العبادة، استخدام وسائل النعمة، خدمة الآخرين، والقيادة الحَدْسية والعاطفية للروح القدس. إنهم يحوّلون الحياة المسيحية إلى مسائل فكرية، أي الأرثوذكسية، ويلغون أبعاداً عملية وشخصية للحياة المسيحية. إن علم اللاهوت النظامي العقلاني مهم، لكن إيماننا ليس مجرد نظام عقائد. إنه إيمانٌ عملي يجب ممارسته، وعلاقة شخصية ينبغي تغذيتها.

لا يمكنني إعلامكم  بعدد المرات التي تعاملت فيها مع هذه المسألة في حياة طلبة اللاهوت. أتَذَكر عندما تلقى أحد الطلبة دعوات ليصبح راعياً لعدة كنائس. لقد كان محبطاً لأنه لم يعرف كيف يتخذ قراره. وقال لي: "لقد درست علم اللاهوت النظامي كثيراً، إلا أنه لا يساعدني في هذه القضية العملية لأتخذ أحد أهم القرارات التي سأواجهها في حياتي."

فسألته: "كيف يقودك الروح القدس ؟ هل كرّست وقتاً في الصوم من أجل هذا الإختيار؟ " فأجابني: "لماذا يتوجّب عليَّ فعل هذا؟ أنا أريد أن أصل إلى حلٍّ لهذه القضية بطريقة منطقية ونظامية."

في الواقع، إن المؤمنين الذين يقبلون أهداف علم اللاهوت النظامي بحماس كثير، غالباً ما يبدأون بتجاهل ممارسة الإيمان والخدمة الشخصية للروح القدس. ويمكن أن يعيق هذا الحياة المسيحية المثمرة بشكل بالغ.

بالإضافة إلى تعزيز وتقليص قدرتنا لنعيش الحياة المسيحية كما يجب، فإن لعلم اللاهوت النظامي نتائج إيجابية وسلبية على التفاعل في المجتمع.

سنتأمل في الدروس القادمة في التفاعل في المجتمع بدقةٍ أكثر، لكننا سنذكر الآن الديناميكيات الرئيسية لهذا المصدر اللاهوتي.

قد يساعدنا التفكير بأن التفاعل في المجتمع يتضمن ثلاث اهتمامات: تراثنا المسيحي، أي مجال عمل الروح القدس في الماضي، مجتمعنا الحاضر، أي مجال قيادة الروح القدس في مجتمعنا المسيحي المعاصر، وأحكامنا الخاصة، أي مجال عمل الروح القدس فينا كأفراد داخل المجتمع. يتفاعل المسيحيون مع بعضهم البعض لأننا نعرف أن الكنيسة هي المجال المركزي الذي يعمل الروح القدس من خلاله في العالم. ويتوقع منا المسيح أن نبني لاهوتنا بالعمل مع الآخرين الممتلئين بالروح القدس.

إن الإحتفاظ بهذه المجالات الثلاثة في فكرنا (التراث، المجتمع الحاضر، والأحكام الخاصة) يساعدنا حتى نرى كيف يعزز علم اللاهوت النظامي ويعيق التفاعل في المجتمع.

من جهة، تكمن إحدى القيم العظمى لعلم اللاهوت النظامي بالنسبة للمجتمع، في الطريقة التي تمكّننا فيها من التركيز على التراث المسيحي، أي كيف فهم المسيحيون إيمانهم وعاشوه في الماضي. ويؤسس علم اللاهوت النظامي اللاهوت  باعتبار الأشياء التي سبق وعلّمها الروح القدس لكنيسة المسيح، مركزاً على الطريقة التي بنى بها الرجال والنساء العظماء اللاهوت المسيحي في الماضي. ولهذا السبب، يمكنه أن يعزِّز قدرتنا على التفاعل مع المجتمع المسيحي القديم بشكلٍ كبير.

ينظر معظم المسيحيين، في يومنا هذا، إلى اللاهوت على أنه أمر شخصي جداً. إذ يبدو وكأن الهدف اللاهوتي الأسمى للعديد من المسيحيين هو تشكيل لاهوت حقيقي بالنسبة لهم، مع القليل من الاعتبار لما آمن به المسيحيون الآخرون. في الواقع، يدعونا المسيح لكي نتعامل مع دراستنا للاهوت بشكلٍ شخصي وصادق بمعنى أنه يجب أن يكون صادقاً، كما أنه يريدنا أن نشارك به من كل قلوبنا. ولكن دراسة اللاهوت على أنه مسألة شخصية بشكلٍ حصري، تتركنا محرومين من بعض أغنى الموارد التي أعطانا الله إياها للاّهوت: أي عمل الروح القدس على امتداد العصور.

عندما يتفاعل المؤمنون اليوم مع الآخرين من حين لآخر، يكون ذلك إجمالاً على مستوى المجتمع الحاضر. إننا نقرأ كتباً ونصغي إلى عظات ومحاضرات يقدمها أناسٌ معاصرين لنا. إلا أن علم اللاهوت النظامي يساعدنا في تحويل انتباهنا إلى الطرق المدهشة التي قاد بها الروح القدس الكنيسة في الماضي.

رغم أن علم اللاهوت النظامي يعزِّز تفاعلنا ضمن المجتمع بهذه الطريقة، إلا أنه في الوقت ذاته، محدودٌ من حيث الطرق التي يجعلنا فيها مُنفتحين على التفاعل. وعندما نأخذ التركيز التقليدي لعلم اللاهوت النظامي أكثر مما ينبغي، فبإمكانه أن يقودنا إلى الخروج عن الموضوع، متجاهلين ما يعلّمه الروح القدس للمجتمع الحاضر، وكيف يكوّن حُكمنا الخاص اليوم. ورغم أهمية اللاهوت القديم، إلا أن الكنيسة في يومنا تواجه تحدّيات جديدة، ولا يزال الروح القدس يعلّم الكنيسة كيف تواجه تلك التحدّيات.

يمكنني أن أتذكر رؤية أحد أصدقائي في كنيستي صباح يوم أحد. كان صديقي عضواً في كنيسة أخرى في الجانب الآخر من المدينة، لكنه كان يزور كنيستي في ذلك اليوم. وهكذا سألته، "لماذا أنت ههنا اليوم؟ ألست عضواً في كنيسة أخرى؟ "

كان ردّه واضحاًً. "كنت أحب كنيستي لأن الراعي علمنا علم اللاهوت النظامي. وقد تعلمت الكثير مَّما آمن به المسيحيون، لكن كلما طالت مدة بقائي في كنيستي، كلما ازداد شعوري بأنني أفقد الإتصال مع الحياة اليوم".

هذا هو نوع المشاكل التي غالباً ما تنشأ عندما يصبح المسيحيون متحّمسين جداً لعلم اللاهوت النظامي. فهم يولون الكثير من الإهتمام للتراث حتى أنهم لا يعرفوا كيف يحلوا القضايا المعاصرة. وغالباً ما يعوقنا علم اللاهوت النظامي من تركيز الاهتمام على المجتمع الحاضر والحكم الخاص.

وبقدر ما هو مهم أن نعتبر طريقة تجهيز علم اللاهوت النظامي لنا للحياة المسيحية والتفاعل في المجتمع، فإن له تأثير هام على تفسيرنا النصي للكتاب المقدس.

سوف نتمعَّن، في دروس مستقبلية، في التفسيرالنصّي للكتاب المقدس بتفصيل أكثر، لكننا سنشير هنا إلى الطرق الرئيسية التي علّم الروح القدس الكنيسة من خلالها لتفسر الكتاب المقدَّس. وسيساعدنا أن نلخص هذه الطرق في ثلاث فئات أساسية: التحليل الأدبي، التحليل التاريخي والتحليل الموضوعي. تُقَدِّم كلٌ من هذه الفئات مساهمات فريدة، لكن يعتمد كل منها على الأخرى أيضاً. وهكذا، وبينما نقوم بتقدير قيمة وحدود علم اللاهوت النظامي بالنسبة للتفسير النصي للكتاب المقدس، ينبغي أن نتطرَّق إلى كيفية اتصاله مع كل من هذه الفئات الثلاثة بالنسبة لتفسير الكتاب المقدس.

التحليل الأدبي هو أسلوب للتفسيرالنصّي للكتاب المقدس وهو ينظر إلى الكتاب المقدس بصورة أساسية كما لو أنه صورة أو لوحة؛ فنحن نتمعَّن كما لو أنه عملُ فنٍ أدبي. وقد تمَّ التشديد على هذا النوع من التفسير النصّي للكتاب المقدس بشكل كبير في العقود الحديثة.

يسعى التحليل الأدبي بصورة عامة لفهم الكتاب المقدَّس كوثيقة وضعها كتَّاب بشريين للتأثير على جمهورهم من خلال وسائل أدبية تقليدية. ويتم إعطاء الكثير من الإهتمام، في التحليل الأدبي، للأسئلة مثل: ماهي اهتمامات الكتًّاب البشريين؟ كيف تنقل الخصائص الأدبية للنصّ رسالة الكاتب؟ وكيف كان على الكتاب المقدس أن يؤثر في قرائه الأصليين؟

التحليل التاريخي هو أسلوب في تناول الكتاب المقدس، ويُعَدُّ سمة مميزة للفترة الحديثة، مبتدءاً بالإستنارة ومنتهياً بالعقود الأخيرة فقط. كان فهم التاريخ الذي يشير إليه الكتاب المقدّس، الإهتمام الأساسي للتفسيرالنصّي للكتاب المقدَّس خلال هذه الفترة.

لا يتناول التحليل التاريخي الكتاب المقدّس على أنه صورة أو لوحة أدبية، إنما على أنه نافذة على التاريخ. ولا يتجاهل التحليل التاريخي السليم الأساليب الأخرى، لكن غرضه الأساسي هو تفحّص الكتاب المقدّس لمعرفة التاريخ الذي يكمن وراء النص.

يطرح المسيحيون في أشكال معينة من التحليل التاريخي أسئلة تفسيرية مثل: ما هي أعمال الله التي ذكِرت في الكتاب المقدَّس؟ ما هي أهميتها القديمة؟ كيف كانت أعمال الله هذه مرتبطة بأعمال الله الأخرى سابقاً ولاحقاً؟ على العموم، كان التركيز الأساسي للتحليل التاريخي منصبٌّ على إعادة بناء ما حصل في تاريخ الكتاب المقدّس، وفهم أهمية تلك الأحداث بالنسبة للشعوب التي عاشت في تلك الأزمنة.

ويُمكن أن ندعو الإستراتيجية الرئيسية الثالثة التي اتبعتها الكنيسة في التفسير النصّي للكتاب المقدس، بـ "التحليل الموضوعي". لطالما كان التحليل الموضوعي أحد الطرق التي استمد المسيحيون بواسطتها اللاهوت من الكتاب المقدَّس، لكن تمّ التشديد على التحليل الموضوعي بقوة في القرون المبكرة للكنيسة، قبل التحوّل نحو التحليل التاريخي خلال الفترة الحديثة.

لا ننظر إلى الكتاب المقدّس، في التحليل الموضوعي، على أنه صورة أدبية أو نافذة على التاريخ، إنما على أنه مرآة، طريقة في توجيه الأسئلة، المواضيع، أو الأفكار المهمَّة بالنسبة لنا، حتى لو لم تكن بارزة في الكتاب المقدّس نفسه. فنطرح أسئلة مثل، ماذا يقول الكتاب المقدس عن اهتماماتنا؟ وكيف يُلبي احتياجاتنا؟ ماذا يقول عن المواضيع القيّمة بالنسبة لنا؟ يمكن أن تأتي هذه المواضيع من اهتماماتنا الشخصية؛ القضايا التي تطرحها الثقافات من حولنا، أو من مجتمعاتنا الكنسية. أياً كانت الحال، أراد المسيحيون المؤمنون دائماً أن يعرفوا ما يعلِّمه الكتاب المقدّس عن المواضيع والأسئلة الهامّة بالنسبة لهم.

بعد أن تأملنا في هذه الإستراتيجيات التفسيرية النصّية الثلاث للكتاب المقدس، نحن في موقع يمكننا أن نرى فيه كيف يعزَّز علم اللاهوت النظامي التفسير النصّي للكتاب المقدس ويعيقه. في المقام الأول، إن علم اللاهوت النظامي مجهَّز بشكل جيد لتعزيز التحليل الموضوعي. ويعطينا علماء علم اللاهوت النظامي مجموعة من الأسئلة التقليدية لنطرحها، ومجموعة من المواضيع المنظمة بشكل جيد.

يمثل علم اللاهوت النظامي نموذجاً مفيداً ومساعداً للتحليل الموضوعي. يستكشف علماء علم اللاهوت النظامي ما يقوله الكتاب المقدّس حول المواضيع اللاهوتية التقليدية. فهم يقارنون آيات من الكتاب المقدّس بأكمله، ويستخرجون الصلات بين هذه الآيات من حيث ارتباطها بالمواضيع التقليدية. وتساعدنا عملية المقارنة وجمع الآيات المختلفة في كيان كليّ، على تجنّب معالجة شيء واحد تقوله آية واحدة من الكتاب المقدّس حول موضوع ما، بينما لدينا باقي الأسفار المقدسة والتي تتحدث عن ذلك الموضوع. نحن لا نريد معرفة ما تقوله فقط آية واحدة عن الله بل ما تقوله كل الأسفار المقدسة عن الله. ماذا تقول الأسفار المقدسة جميعها عن البشرية؟ ما الذي تقوله عن الخلاص؟ إن علم اللاهوت النظامي ذو قيمة عظيمة لأنه يساعدنا على إيجاد وجهات نظر الكتاب المقدَّس حول هذه المواضيع الحاسمة وأخرى غيرها.

من ناحية أخرى، غالباً ما يعيق علم اللاهوت النظامي التفسير النصّي للكتاب المقدس لأنه لا يركز على التحليل التاريخي والأدبي للكتاب المقدّس. بالطبع، سينظر علماء علم اللاهوت النظامي، والذين اعتُبِروا مفسرين جيدين للكتاب المقدس، إليه على أنه تاريخ وأدب إلى درجة ما. لكن ليست هذه هي الطريقة الرئيسية التي يتناولوا بها الكتاب المقدس. لهذا السبب، عندما يسيطر علم اللاهوت النظامي على أسلوبنا في تفسير الكتاب المقدس، فإنه يضع حدوداً على ما نستخلصه من الكتاب المقدس. وكما سنرى في الدروس القادمة، غالباً ما تفرض علينا اكتشافات التحليل التاريخي والأدبي، أن نكيّف استنتاجات علم اللاهوت النظامي.

وهكذا نرى بشكل عام، إن لدى علم اللاهوت النظامي قيماً وأخطاراً لبناء لاهوتٍ مسيحي. أنه يساهم في الحياة المسيحية، التفاعل في المجتمع، وفي التفسيرالنصّي للكتاب المقدس بطرق إيجابية رائعة. لكنه يُبعد انتباهنا عن أبعاد هامة لكل مصدر لاهوتي أيضاً. إن احتفاظنا بقيم ومخاطر علم اللاهوت النظامي في أفكارنا مهمٌ جداً.

لقد بحثنا في هذا الدرس في السؤال التالي: "ما هو علم اللاهوت النظامي؟" فقد رأينا كيف يمكن مقارنة علم اللاهوت النظامي بلاهوت العهد الجديد. ثم رأينا كيف تطور علم اللاهوت النظامي عبر تاريخ الكنيسة. كما رأينا بعض قيم وأخطار علم اللاهوت النظامي.

إن أحد أهم الأشياء التي يستطيع أتباع المسيح فعلها هو تعلّم كيفية ترتيب معتقداتنا من خلال بناء لاهوت نظامي. سوف يساعدنا أخذ تعاليم الكتاب المقدس ووضعها في ترتيب منطقي نظامي بحسب تقاليد الكنيسة الطويلة الأمد، على بناء لاهوت مسيحي متكامل يكرّم الله ويؤهلنا لنصبح خداماً أكثر فاعلية في كنيسة المسيح.

 

د. ريتشارد ل. برات

من موقع الألفية الثالثة

http://old.thirdmill.org/seminary/arabic/catalog.asp/site/iiim/category/catalog

أضف تعليق

يحق لإدارة الخدمة حجب أي تعليقات تراها غير لائقة


كود امني
تحديث

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا