أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب


بدون القيامة لا توجد مسيحية. وبدون الصليب لا توجد قيامة. ولذلك فحين أقول كل عام وأنتم بخير بمناسبة القيامة، ففي الحقيقة لا أستطيع إلا أن أشير إلى الصليب. لذا قال بولس عن غايته في الحياة: "لأعرفه، وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهاً بموته، لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات." (في3: 10، 11) فهو لا يستطيع أن يعرف المسيح ويختبر قوة قيامته دون أن يشترك في آلامه حتى يتشبه به تماماً إلى الموت.

وهنا لا أجد عزيزي القارئ أفضل من كلمات "ديتريك بونهوفر" التالية لتصحبنا في رحلة تأمل ليس فقط في موسم القيامة وإنما عبر حياتنا كلها. وأتمنى لكم قيامة دائمة، وإن كان ذلك يعنى صليب مستمر كل يوم، فما أشرف ذلك من مصير.

"مشير سمير"

 

"إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه" (مر 9 : 31). يجب أن ينكر التلميذ نفسه ويقول عنها نفس ما قاله بطرس عن المسيح عندما أنكره "لست اعرف هذا الإنسان". أن إنكار النفس ليس سلسلة من أعمال منفصلة من الصلب والإماتة والتقشف. وليس انتحارا، لأن فيه عنصر من عناصر الإرادة الشخصية العنيدة الباقية حتى في ذلك الإنكار. لكن إنكار النفس يعني فقط معرفة المسيح والكف عن معرفة أنفسنا. يعني أن نراه وحده ولا نرى الطريق التي هي صعبة جداً علينا. مرة أخرى، كل ما يمكن أن يقوله إنكار النفس هو هذا: " يسوع يقود في الطريق، فداوم بالقرب منه."

"ويحمل صليبه."لقد مهد المسيح السبيل لهذه العبارة بشكل مجيد، بإشارته أولاً إلى إنكار النفس. فأننا لا نكون مستعدين لحمل الصليب لأجله إلا عندما ننسى النفس نسياناً تاماً. أن كنا في النهاية نعرفه هو وحده، وأصبحنا لا نلاحظ آلام صليبنا. ولو لم يمهد المسيح لنا السبيل لهذه الكلمة بهذا الشكل المجيد لوجدناها غير محتملة. ولكن إذ أعَدّنا لها، جعلنا نستطيع أن نقبلها مع صعوبتها ككلمة نعمة. ونرحب بها وهي تأتي إلينا بفرح الاتباع، وتعطينا قوة على المثابرة.

أن حمل الصليب ليس مأساة. انه الألم الذي هو ثمرة الالتصاق التام بيسوع المسيح. وعندما يأتي،لا يأتي كطارئ عارض، بل كضرورة محتمة. وهو ليس من نوع الألم الطبيعي الملازم للحياة الفانية كجزء لا يتجزأ منها، لكنه الألم الذي يعتبر جزءا أساسياً جوهرياً من الحياة المسيحية بالذات.انه ليس ألماً في ذاته لكنه ألم ورفض. وليس رفضا بسبب قضية من قضايانا أو اقتناع نقتنع به، لكنه رفض لأجل المسيح. أن كانت مسيحيتنا لم تعد تأخذ الاتباع على محمل الجد، فمعناه أننا قد أنزلنا الإنجيل وخفضناه إلي منعش عاطفي بلا مطلب مكلف، ولا نعود نميز بين الحياة الطبيعية والحياة المسيحية. في هذه الحالة لا نعتبر الصليب سوى مصيبة عادية من مصائب الحياة اليومية، أو تجربة من تجارب الحياة وضيقاتها المتنوعة. كان صاحب المزامير يشكو دائما انه محتقر ومرزول من الناس، وهذه صفة أساسية من آلام الصليب. لكن هذه الصفة، بل هذه الفكرة لم تعد مفهومه لدى مسيحية لم تعد ترى فرقا بين حياة تنعم بالاحترام والإكرام، وبين الحياة المسيحية الحقة. إن السبيل الوحيد للوقوف تحت الصليب بكل جد هو اتباع المسيح والتعلق به.

"ويحمل صليبه." أن الصليب موجود من قبل وينتظر المسيحي قبل أن يبدأ أول خطوة في حياته المسيحية. ولا حاجة به أن يخرج ويفتش عن صليب لنفسه. لا حاجة به أن يركض عمداً وراء الألم. يسوع يقول أن لكل مسيحي صليباً ينتظره، صليباً مقدراً ومعيناً من الله. وكل واحد عليه أن يحمل نصيبه المعين من الألم والرفض. لكن لكل واحد نصيباً يختلف عن نصيب الأخر. فالبعض يعتبرهم الله آهلا لأصعب صورة من صور الألم، فيمنحهم نعمة الاستشهاد، بينما غيرهم لا يسمح لهم أن يجربوا فوق ما يستطيعون. لكنه صليب واحد بعينه في كل حالة، سواء قاد للاستشهاد أم لم يقد.
أن الصليب يوضع على كل مسيحي. إنه يبدأ بالدعوة لترك الاتصالات بالعالم. انه موت
الإنسان العتيق، نتيجة للاتصال بالمسيح. فعندما نباشر اتباع المسيح، نسلم للمسيح أنفسنا في اتحاد بموته، أي أننا نسلم أنفسنا للموت. وحيث أن هذا يحدث في بدء الحياة المسيحية، فالصليب لا يمكن أن يكون مجرد نهاية أليمة لحياة دينية سعيدة. إذ عندما يدعو المسيح إنساناً، يدعوه أن يأتي إليه ويموت. قد يكون مثل موت التلاميذ الأولين الذين كان عليهم أن يتركوا بيوتهم وأهلهم وعملهم ويتبعوه، أو قد يكون مثل موت لوثر الذي كان عليه أن يترك الدير ويخرج إلى العالم، لكنه هو الموت بعينه في كل حال – الموت في يسوع المسيح، الموت عن الإنسان العتيق عند دعوة يسوع المسيح. لهذا السبب رفض الشاب الغني أن يتبع المسيح، لأن اتباعه كان يكلفه موت إرادته. إذ لا يقدر أن يتبع المسيح إلا ذلك الرجل الذي قد مات لإرادته هو. وفي حقيقة الأمر، كل وصية من يسوع هي دعوة للموت عن كل رغباتنا وشهواتنا. لكننا لا نريد أن نموت. لهذا فإن يسوع المسيح ودعوته، هما حتما موتنا وحياتنا. فدعوة المسيح والمعمودية باسمه يعنيان الموت والحياة في آن واحد.

ديتريك بونهوفر
من كتاب :"اتباع المسيح"


You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا