أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

في رحلتنا إلى الصمت، لسنا متروكين وحدنا. فما نحن مدعوّون إلى القيام به هو العثور على مكانٍ هادئ والبقاء فيه بعضَ الوقت.

 

 

ومن أجل العثور على مكان هادئ حيث يمكننا أن نستريح سامحين لله بأن يجمعنا في سلامه، لسنا مضطرّين إلى البحث بعيدًا. ذلك أنّنا قد نجد المكان المطلوب في أنفسنا، ولكنّ أحدًا لم يبيّن لنا قطّ من قبل كيف نعثر عليه.

 

وينصحنا أوغسطينوس قائلاً: "اتركوا الضجّة والارتباك وراءكم. انظروا في أنفسكم واعلموا إن كان فيها مكان خفيّ جميل قد تتحرّرون فيه من الضجّة والجدال، حيث تتخلّون عن ثقل خلافاتكم، وتخطّطون لتمشوا في طريقكم الشخصيّ الثابت. اسمعوا الكلمة بهدوء حتّى تتمكّنوا من فهمها".

 

من أجل أن تبلغ واحة الوحدة الهادئة في قلبك، يجدر بك أوّلاً ان تحاول الانتقال بجسدك وعقلك وروحك إلى حالة من الهدوء. ولكن، كلّما حاولنا أن نُدخل قلبنا في الهدوء الداخليّ، شعرنا بأنّه يتمرّد عليه.

 

وليس سهلاً أن نكتشف سلامنا الداخليّ، كما اكتشفه القدّيس أوغسطينوس بنفسه. فهو يذكّرنا في اعترافاته: "لم أتمكّن من سماع صوت نغمتك السرّية، مهما حاولت وحاولت. كانت جلبة عقلي تصمّ قلبي".

 

وقد يحلّل أوغسطينوس الوصيّة الثالثة، وهي أن نذكر يوم السبت لنقدّسه، بصفتها دعوة إلى ما نبحث عنه من سكون العقل والقلب. لقد بشّر في إحدى عظاته قائلاً: "تدعونا الوصيّة الثالثة إلى هدوء القلب، وطمأنينة العقل. هذه هي القداسة؛ لأنّ روح الله هنا. هذا ما تعنيه العطلة الحقيقيّة، الهدوء والراحة".

 

نحن نرتاح في السكون والطمأنينة ونحاول أن نهدّئ الصخب والاضطراب في عقولنا؛ في البدء، قد تبدو رؤوسنا مليئة بضجّة أقوى ممّا كانت عليه عند انطلاقنا في هذه المسيرة. ونصبح واعين للحشرات (الهموم/الاهتمامات) التي تهاجِمُنا. وهذا لأنّنا أصبحنا أشدّ إدراكًا لكلّ ما نفكّر فيه.

 

قد يفقد بعضُ الناس عزيمتهم إذا لم يحدث لهم أيّ شئ بعد عشر دقائق أو ربع ساعة من الانتظار، أو إذا كان عقلُهم لا يزال صاخبًا. ولكن، إذا كنّا صبورين ومستعدّين للبقاء صامتين، تهدأُ أفكارُنا شيئًا فشيئًا. وبدل أن تتوارى إلى عقولنا عشرات الأفكار أثناء دقيقة واحدة، سنجد أنفسنا مركّزين على فكرة واحدة وحسب.

 

في زيارة قام بها مطران إنجليزي إلى الولايات المتحدة، أجرت له مراسلة شابة ومتحمسة مقابلة. وقد طرحت عليه بعض الأسئلة المحرجة: "هل صلّيتَ هذا الصباح؟" فأجابها: "نعم".

 

"كم من الوقت صلّيت؟" قال لها: "نصف ساعة". فتابعت: "وماذا قلت لله في نصف ساعة؟" ردّ قائلاً: "في الواقع، تحدّثت مع الله دقيقة واحدة، ولكنّ وصولي إليه تطلّب منّي تسعًا وعشرين دقيقة".

 

هذا هو السرّ. أن نأخذَ وقتنا لنهدّئ عقولنا القلقة، ولنصل إلى عُمقِ أنفسنا، ولندرك حضور الله.

 

 

 

تهدئة العاصفة

 

إذا كانت حياتُنا مضطربة، قد نشعر بأنّه ما من طريقة لتهدئة الجلبة في عقولنا. ولكنّنا على خطأ. فحتّى لو بَدَت حياتنا سطحيًّا مضطربة، ثمّة مكان عميق نجدُ فيه الهدوء داخلنا.

 

أمّا الاتّصال بهذا المكان العميق فقد يتطلب وقتًا طويلاً. ولكن، هذا كلّ ما يقتضيه الأمر: وقت للسكون والهدوء إلى أن تبدأ العاصفة في داخلنا بالانحسار.

 

تُنزلنا صلاتنا الصامتة إلى هذا السكون في قلب كياننا، إلى النفس الداخليّة هذه حيث السلام المستمرّ. عندما نصبح أشدّ هدوءًا، نجد السلام المحتجب في صميم كياننا، ذلك السلام الغارق تحت توتّرات الحياة اليوميّة.

 

إنّه طريق طويل، ابتداءً من مستوى حياتنا السطحيّ، ومن عقولنا المضطربة، إلى موطئ السلام في قلب كياننا. لقد كتب داغ هامّارسكجولد: "إنّ الطريق الأطول هي الرحلة إلى الداخل. فبينك وهذا الداخل تتوثّق مشاعر الاهتمام، والريبة، والشكّ".

 

من أجل بلوغ  المكان الذي ينتظرنا فيه المسيح، يجدر بنا أن نتحضّر لعيش فتراتٍ طويلة من الصمت والهدوء؛ أي ما يكفي من صمت لتبديد الشكوك، ولتتخلّصَ اهتماماتنا من ضغوطاتها الملحّة، ولتأتي الثقة مكان الشكّ. ذلك أنّ الانتظار بصمت، مهما تطلبّ من وقت، هو الطريق في الواقع إلى المركز الساكن حيث نجد أنّ العقل أصبح هادئًا والقلب مطمئنًّا. وفي هذا السكون، نجدُ الله.

 

إنّ إمضاء الوقت من دون بذل أيّ جهد أمرٌ يحضّرنا للقاء حيّ بالربّ. عندما نؤمن بأنّ الله هو قبل كلّ شئ مَن يدعونا إلى مكان نرتاح فيه، نستطيع عندئذٍ أن نوقف صراعنا وندعه يعانقنا بسلامه.

 

لم يعد من داعٍ إلى أن نرهق أنفسنا في محاولة البحث عن الله، أو الحصول على رضاه بعد الآن. عوضًا من ذلك، ننتظرّه بصمتٍ وسلام؛ ونُصغي لأنّنا في الصمت نسمع دعوته اللطيفة إلى ذاك المكان الهادئ حيث ينتظرنا.

 

بهذه الطريقة نحن نجعل جسدنا وعقلنا يدخلان في حالةٍ من السكون؛ ذلك السكون الذي تمّ وصفه في المزمور 131 والذي تختفي فيه الكلمات كلّها، ويغوص كياننا كلّه في الهدوء والثقة.

 

 

 

بنيغنُس أورورك الأغسطيني

 

من كتاب "اكتشف كنزك الداخلي"

التعليقات  

#1 peter 2013-11-07 08:56
ليس مقال.. بل هو إختبار حى لما يسميه القديسون بـ: "الخلوة الروحية". أشكركم على مشاركتكم الرائعة
الرب يبارك الجميع
صلوا لأجلى
#2 شريف اسحاق 2013-11-29 19:46
الرب يباركم

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا