أفكار ومقتطفات لأهم الكتّاب

 قالت جينيفر مايكل هيكت في كتابها "خرافة السعادة": إن كل جيل من الأجيال تقريبًا حصل على نصيبه من الوصفات الموثقة والمؤكدة النجاح للحصول على السعادة المطلقة. ولأن بعض هذه الوصفات تعود إلى مطلع القرن الحادي والعشرين فقد تصدمنا بغرابتها.

فعلى مدار التاريخ، ظلّ الناس يبحثون عن عدد من الأطعمة والعقاقير التي يفترض أنها تثير الشهوة مثل قرن وحيد القرن، والذبابة الإسبانية، والفلفل الحار، والشوكولاتة، والمحار، وحديثًا ادعى البعض أن حلوى إم آند إم الخضراء هي الأخرى تحسن من العلاقات والرغبة الجنسية (أيسنك، 1990). ولكن الأبحاث تشير إلى أن تأثير أي من هذه المواد التي ترفع مستوى الدهون في الجسم لا يفوق تأثير العلاج الوهمي، الذي هو قرص من المواد السكرية (نوردنبيرج، 1996). وفي نهاية القرن التاسع عشر أصاب "نظام فليتشر الغذائي" أمريكا بالهوس؛ يقول أنصار هذا النظام إن مضغ كل قطعة من الطعام 22 مرة (أي مرة لكل سِنّة) سيحقق لنا الصحة والساعدة (هيكت، 2007). وربما تثير وصفات السعادة المنتشرة اليوم استغراب الأمريكيين في بداية القرن الحادي والعشرين بوصفها غريبة. ترى ماذا سيكون رأي الأجيال القادمة في من ينفقون اليوم آلافًا من الدولارات التي اكتسبوها بعد عناء على العلاج بالروائح، وعلم طاقة المكان المعروف/بالفانج شواي (إحدى الممارسات الصينية المعنية بترتيب الأشياء داخل الغرف على وجه يحقق الرضا النفسي)، وحضور الندوات التحفيزية، وشراء الكريستالات المحسنة للمزاج؟

تعكس هذه الصيحات جميعها فكرة أساسية تقف وراء الكثير من المعتقدات الشائعة في علم النفس الشعبي، وتتمثل هذه الفكرة في أن سعادتنا تتوقف إلى حد بعيد على ظروفنا الخارجية. تقول هذه الفكرة إنه من أجل أن نحصل على السعادة، لابد أن نعثر على "التركيبة" المناسبة لها، التي توجد في الأساس بالخارج.

وتتضمن هذه التركيبة الكثير من المال غالبًا، ومنزلاً رائعًا، ووظيفة عظيمة، وكمًّا لا بأس به من الأحداث الممتعة في حياتنا. يعود هذا الرأي إلى القرن الثامن عشرن إذ ذكر الفليسوفان البريطانيان جون لوك وجيريمي بينثام أن السعادة هي النتيجة المباشرة لعدد من الأحداث الإيجابية التي يعايشها الأشخاص (آيسنك، 1990) أما في يومنا هذا، فيكفي أن يزور المرء موقعًا مثل موقع أمازون على شبكة الإنترنت ليجد كنزًا ثمينًا من الكتب الإرشادية إلى توجهنا إلى كيفية تحقيق السعادة بالمال. ومن أمثلة هذه الكتب: "المال والسعادة: دليلك لحياة سعيدة" للورا راولي (2005)، و"التفكير في المال: طريقك للثروة والسعادة" لإريك تايسون (2006)، و"المال يمكن أن يشتري السعادة: كيف تنفق لتحصل على الحياة التي تريدها" لإم بي دانليفي (2007). في تعليق ساخر قال الناقد الاجتماعي إريك هوفر: "لا يمكنك أبدًا أن تحصل على ما يكفيك مما لا تحتاجه لتصبح سعيدًا."

منذ أكثر من 200 عام قالت مارثا واشنطن "أول سيدة أولى" لأمريكا رأيًا يتعارض بشدة مع الكثير من الثقافة المعاصرة الشهيرة، وينص على أن: "الجزء الأكبر من شعورنا بالسعادة أو بالتعاسة يعتمد على مواقفنا وليس على ظروفنا."

في العقود الحديثة بدأ علماء النفس يتشككون في "المسلمة" التي تقول إن جزءًا كبيرًا من السعادة يعد نتيجة مباشرة لما يحدث لنا. لقد أصر عالم النفس الراحل ألبرت أليس (1977) على أن أحد أكثر الأفكار غير المنطقية انتشارًا – وأكثرها ضررًا أيضًا – هي الفكرة القائلة إن السعادة أو التعاسة تنبع إلى حد بعيد من ظروفنا الخارجية وليس من التفسيرات التي نضعها لهذه الظروف. كان أليس كثيرًا ما يستشهد بما كتب شكسبر في مسرحية هاملت: "ليس هناك شئ سيئ أو جيد، ولكن تفكيرنا هو الذي يجعله كذلك." يقول عالم النفس مايكل آيسنك (1990) إن الخرافة الأولى عن السعادة هي أن "مقدار سعادتك يعتمد ببساطة على عدد الأحداث الممتعة التي تحدث لك وطبيعتها." (ص 120).

ولكن كثير منّا يرفضون بشدة الفكرة القائلة إن سعادتنا تتأثير بسماتنا الشخصية ومواقفنا أكثر من تأثرها بتجاربنا في الحياة، بالإضافة إلى أننا نرفض بشدة أن نتقبل فكرة أن السعادة تتأثير بدرجة كبيرة بتكويننا الجيني. في أحد استطلاعات الرأي أعطى طلبة المرحلتين الثانوية والجامعية تقديرًا منخفضًا (2,8 من 7 نقاط) لأحد البنود التي تقيم أهمية الجينات الواضحة للشعور بالسعادة (فورنهام وتشينج، 2000).

إذن هل كانت مارثا واشنطن على حق حينما قالت إن سعادتنا "تعتمد على مواقفنا، وليس على ظروفنا؟" لنلق نظرة على نتيجتين من النتائج المثيرة؛ أولاً: اختبر إد دينير ومارتن سليجمان أكثر من 200 طالب من طلاب المرحلة الجامعية لمعرفة مستويات سعادتهم، وأجروا مقارنة بين العشرة في المائة الذين جاءوا على رأس القائمة (من هم في منتهى السعادة) والطلاب الذي توسطوا القائمة والعشرة بالمأئة الذين جاءوا في ذيلها. الطلاب الذين كانوا في منتهى السعادة لم يمروا بعدد من الأحداث الشخصية الإيجابية، مثل الأداء الجيد في الامتحانات أو العلاقات العاطفية المثيرة، أكبر من تلك التي مر بها طلاب المجموعتين الأخريين (دينير وسليجمان، 2002). ثانيًا: تتبع عالم النفس الحاصل على جائزة نوبل دانيال كانيمان وزملاؤه الحالات المزاجية لحوالي 909 امرأة عاملة وأنشطتهن عن طريق تسجيل كل ما مررن به في اليوم السابق بالتفصيل (كانيمان، كروجر، شكادي، شوارز، وستون، 2004)، واكتشفوا أن ظروف الحياة الأساسية – مثل دخل المنزل والسمات المختلفة لوظائفهن (مثل هل تتضمن هذه الوظائف مزايا ممتازة أم لا) – ترتبط فقط بجزء صغير للغاية من شعورهن اللحظي بالسعادة، في حين مثلت جودة النوم الذي تحصل عليه هؤلاء السيدات ودرجة تعرضهن للاكتئاب مؤشرين من المؤشرات الجيدة على شعورهن بالسعادة.

وأيدت بعض الأبحاث الأخرى ما أطلق عليه فيليب بريكمان ودونالد كامبيل (1971) اسم "مشاية المتعة". فمثلما نسرع في تعديل سرعة مشينا أو ركضنا لتتماشى مع سرعة سير المشاية الكهربائية او جهاز السير في المكان (لأننا إذا لم نفعل فسنسقط على وجوهنا) تتأقلم حالتنا المزاجية سريعًا مع معظم ظروف الحياة. تتوافق فرضية مشّاية المتعة مع نتائج الأبحاث التي تثبت أن نسبة التماثل لدى التوائم غير المتماثلة الذين يشتركون في 50% من الجينات في المتوسط (لايكن وتيليجين، 1996). تشير هذه النتيجة إلى أن الجينات تسهم إسهامًا كبيرًا في الشعور بالسعادة وتزيد من احتمالية أن كلاًّ منا وُلد ولديه "نقطة ضبط" محددة خاصة بالسعادة، أو بمعنى آخر مستوى أساسي من السعادة يتأثر بجيناته ويعلو أو يهبط عنه وفقًا للأحداث قصيرة الأجل في الحياة، ولكن ما إن يتكيف مع هذه الأحداث يعود مرة أخرى إلى هذا المستوى (لايكن، 2000).

المزيد من الأدلة المباشرة على فرضية مشّاية المتعة تنبثق من الدراسات التي شملت أشخاصًا عايشوا أحداثًا إما إيجابية للغاية أو سلبية للغاية، أو حتى مأساوية. ربما يظن المرء أن المجموعة الأولى من الأشخاص يشعرون بسعادة أكبر بكثير من المجموعة الثانية. إنهم كذلك، ولكن هذا الشعور يستمر غالبًا لفترة وجيزة جدّا من الوقت (جيلبرت، 2006)؛ فمثلاً، رابحو الجوائز الكبرى في مسابقات اليانصيب يطيرون من السعادة فور حصولهم على الجائزة الكبرى، ولكن ما إن يمر شهران حتى تنخفض معدلات السعادة التي يشعرون بها لتتماثل مع المعدلات التي يشعر بها الآخرون (بريكمان، كوتس، وجانوف – بولمان، 1978).

أما الأشخاص الذين يتعرضون للإصابة بشلل نصفي سفلي إثر التعرض للحوادث فيعودون إلى حد بعيد (ولكن ليس بصورة كلية) إلى مستويات سعادتهم الأساسية خلال أشهر قليلة بعدها (بريك وآخرون، 1978؛ سيلفر، 1982). وبالرغم من أن أعضاء هيئة التدريس الشباب الذين حُرموا من التثبيت في العمل (وهذا يعني أنهم فقدوا وظائفهم) تحطموا بعد تلقيهم الأخبار، ففي غضون سنوات قليلة أصبحت مستويات سعادتهم تتماثل مع أعضاء هيئات التدريس الشبان الذين ثُبتوا في وظائفهم (جيلبرت، بينال، ويلسون، بلومبيرج، وويتلي، 1998). يتكيف معظمنا بسرعة مقبولة مع ظروف الحياة، سواء أكانت جيدة أم سيئة.

تشكك الأبحاث أيضًا في الرأي الشائع القائل إن المال يمكن أن يشتري لنا السعادة (كانمان، كروجر، شكادي، شوارز، وستون، 2006؛ مايرز، ودينر، 1996). بلغ متوسط معدل الشعور بالرضا عن الحياة لدى أغنى 400 أمريكي ذكرتهم مجلة "فوربس" 5,8 من 7 نقاط، ويعد هذا دليلاً على عدم وجود أي صلة بين السعادة والمال (دينر، هوروويتز، وإيمونز، 1985). ويبلغ متوسط معدل الشعور بالرضا عن الحياة لدى طائفة الأميش ببنسلفانيا 5,8 نقطة أيضًا (دينر وسليجمان، 2004)، على الرغم من أن متوسط دخلهم السنوي يقل عن أغنى 400 أمريكي بعدة "ملايين" من الدولارات. صحيح أننا نحتاج إلى "ما يكفينا" من المال حتى نحيا حياة مريحة. عندما يكون الدخل أقل من 50000 دولار أمريكي، يرتبط الدخل قليلاً بالشعور بالسعادة، ربما لأنه من الصعب أن نشعر بالسعادة في الوقت الذي يساورنا فيه القلق بشأن الطعام الذي يحتاجه المنزل أو دفع إيجار الشهر القادم. ولكن الأشخاص الذين تزيد دخولهم عن هذا الرقم تختفي تقريبًا عندهم العلاقة بين السعادة والمال (هيليويل وبوتنام، 2004؛ مايرز، 2000). ولكن هذه الحقيقة لم تثنِ اللاعبين الكبار في اتحاد كرة البيسبول الذين يبلغ متوسط الدخل السنوي للواحد منهم 1,2 مليون دولار عن الإضراب عام 1994 من أجل الحصول على رواتب أعلى.

لكن ربما لم تكن مارثا واشنطن على حق تمامًا فيما قالت، فهناك أحداث مصيرية معينة يمكنها أن تؤثر سلبًا أو إيجابًا على سعادتنا على المدى الطويل، ولكن ليس بالقوة التي يتوقعها معظمنا. على سبيل المثال: الطلاق أو فقدان شريك الحياة أو التسريح من العمل ربما يؤدي إلى انخفاض مستويات السعادة بصورة مستمرة وفي بعض الأحيان أبدية (دائمة) (دينر، ولوكاس، وسكولون، 2006). ولكن حتى عند الانفصال أو وفاة شريك الحياة يتأقلم معظم الناس في النهاية مع مرور الوقت بصورة كاملة تقريبًا (كلارك، دينر، جورجليس، ولوكاس، 2008).

لهذا لا يرتبط جزء كبير من سعادتنا على المدى البعيد بما يحدث لنا على الرغم من أن ظروف حياتنا قد تؤثر حتمًا على سعادتنا على المدى القصير. قد يكون ذلك أكثر مما نود أن نعترف به، ولكن السعادة ترتبط بما نصنعه بحياتنا ونحققه فيها على الأقل بقدر ارتباطها بحياتنا نفسها. يقول عالم النفس الخبير بأمور السعادة إد دينير: "يشعر المرء بالمتعة لأنه يكون سعيدًا، وليس العكس." (نقلها آيسنك، 1990، ص 120).

 

سكوت ليلينفيلد -ستنيفين جاى لين -جون روشيو- باري يايرستاين

من كتاب: "أشهر 50 خرافة في علم النفس"

You have no rights to post comments

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

فلسفة اللقاء (العلاقة)

 

مقدمة

فلسفة اللقاء (عند بوبر).. : أن "كائنٌ موجودٌ في العالم، أنت تجهله وفجأةً، وبلقاء واحدٍ، قبل أن تتعرف إليه، إذ بك تعرفه."

نحن نشعر تمامًا بحاجتنا إلى إشارة وسط بين الاستفهام (؟) والتعجب (!). نحن نشعر تمامًا بأنه بين الاستفهام (؟) والتعجب (!) يوجد مكان لسيكولوجيةٍ كاملةٍ تُلوّن كل الكلام، وتعرف كيف تُؤوّل الصمت وأنواع الأجراس (الرنين) المختلفة، والحيويات والإبطاءات، وكل الأصداء وكل أنغام المودة والمحبة.

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا