غياب أمني؟ أم الغياب الأخلاقي؟!

جاكي ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٠

أتساءل ما إذا كانت حوادث الجرائم من سرقة وقتل وإغتصاب تحدث بسب الغياب الأمني ؟ أم الغياب الأخلاقي؟!


في رأيي أن ما يحدث الأن في مصر هو بسبب غياب الإثنين معا .. ولكن الغياب الأمني ساعد فقط على كشف حقيقة مدى عمق وعفونة الفساد الفكري والثقافي والذي أدى بالتبعية إلى الإنحطاط الأخلاقي والذي أصاب المجتمع المصري حتى النخاع.
فإسمحوا لي أن أوصف لكم الأمور كما أراها من وجهة نظري:
نعم كل مجرم يستحق العقوبة ولا عذر لمن يتهجم وينتهك حدود الأخرين. ولكن في رأيي أن فاعل الجريمة ليس هو وحده المذنب الحقيقي !!


- فهذا الذي يتلفظ بألفاظ بذيئة ..ربما سمع أبيه يشتم أمه بأقذر الألفاظ .. وربما عندما كان طفل لا يتعدى عمره أعوام ضحك أبوه في وجهه عندما سمعاه ينطق بأولى كلماته لأمه وكانت (شتيمة ) !!


- وهذا الذي يسرق .. ربما شبعت مسامعه من كثرة الكلام السلبي والتهكمي من أب يقول: "إنت فاشل .. ومش نافع في حاجة"

.. أو من أم يسرق زوجها كل مرتبها ليصرفه على المخدرات أو الشرب !!


- وهذا الذي يغتصب .. ولما لا؟ فما تعلمه عن الفتاة من صغره أنها مجرد جسد .. صوتها عورة وجسدها سبب لإثارة الغرائز .. لم يُعلِّم أحد أبواه أنهما يجب أن يجتمعا في غرفة مغلقة لا يجب أن يراهما الأطفال .. ولم يُعلِّم أحد أبوه أن كونه رجل وأب لا يعطيه الحق أن يجعله يشاهد أفلام إباحية أمام زوجته وأولاده ... وماذا عن مجتمع يقدم له أفلام فارغة من كل ثقافة أو فكر أو مبادئ؛ مليئة بحكايات عن العاطفة والإفتتان والجنس والإنتقام؛ وكأنها تغذي الجانب الحيواني الذي فيه بينما تتغفل عن أية جوانب إنسانية !!


- وهذه التي قبضوا عليها في شقة مفروشة .. أبسهولة تلقبونها بالعاهرة !! لماذا تتهمونها وهي منذ نعمة أظافرها تعلمونها أنها يجب أن تتغطى وإلا ستحرقها السماء عقابا لأنها خٌلقت فتاة جميلة !! ، وماذا عن ثقافة تعلمها أنها فقط خٌلقت لتتزوج ولتكون متعة للرجل (حتى وإن وجدت في أسرة مثقفة ومتعلمة) ؟!!!! وماذا عن أب وأم يصرخون في وجهها طوال اليوم بحجة انهم ينصحونها ويعلماها ما يجب ومالا يجب أن تفعله وكأنها حيوان يروضونه !! وماذا إذا كانت ضحية لمجتمع مريض؛ تسبب في هجوم أحد حيواناته عليها لغتصب أنوثتها ولم يترك لها شئ من كرامتها.. بل ويزيد عليها ليتهمها إذا حدث لها ذلك أنها السبب .. ربما لأنها جميلة.. او لأن ملابسها كانت مثيرة.. وأنها لا يجب أن تتكلم، و يبرر المجتمع الهجوم الهمجي للوحش ويتهمون الجميلة التي تنزف من كل جزء فيها... نفسيا وجسديا ... بل ويترك المجتمع هذا الحيوان حرا طليقا لينطلق بحثا عن فريسة أخرى يشبع بها غريزته !! فهل أعطيتوها فرصة لتنظر لنفسها على أنها إنسانة ؟!!

 

أعلم أن ما أقوله صعب ولن يقبله الكثيرين .. لأني بصراحة وبوضوح أتهم الأب والأم .. يا سيادة الأب: أنت مجرم .. وجناب الأم: أنتي مجرمة ...وقد ساهمتم في تقدم عضو جديد فاسد ومُفسد للمجتمع .... ولا تدافعوا عن أنفسكم بقولكم: لم نكن نعلم .. !! فجهلكما هذا وحده أكبر جريمة !!


نعم أتهم الأسرة التي أصبحت تنجب لمجرد الإنجاب ولاتعلم أن الزواج والإنجاب إنما هي مسئولية كبيرة وليس مجرد تكملة للدين كما يقولون وليس للقضاء على الشعور بالوحدة وليس للمتعة أو لإمتداد النسل واللقب!!


إن ما نراه الأن من فساد وعطب هو نتيجة لغياب الثقافة و التربية .. فقبل أن تتهموهم .. ينبغي أن تشفقوا عليهم وتعالجوهم !!
ففي أمور كثيرة ما يزرعة الأباء .. يحصده ليس الأبناء فقط .. بل والأباء والأجيال المتعاقبة أيضا !!


كم أتمنى أن أرى في مصر كتب في المناهج الدراسية تعلم الأطفال مبادئ سلوكية وتربوية تستمر معهم في كل مرحلة عمرية / كل مرحلة حسب إحتياجهها!

 

كم أتمنى أن أرى في مصر قانون يشترط للمقبلين على الزواج ضرورة الحصول على شهادة من مراكز للمشورة الزوجية والأسرية ! وأن يكون لكل أسرة دكتور يساعدهم في إجتياز مراحل وأزمات الحياة بطريقة سليمة وصحية !


كم أتمنى أن يتخلى المصريين عن كبريائهم ويقرون بأنهم في حاجة للمساعدة من مختصين في المشورة النفسية.. وأن يتخلوا عن الفكر الأحمق أن المجانين هم فقط من يحتاجون إليها .. فكل إنسان في حاجة إلى أن يفهم نفسه ويدرك إحتياجاتها ومشاكلها .. وهذا يختلف تمام الإختلاف عن المرض النفسي وما قد يصاحبه من تناول عقاقير وأدوية !!


وإذا كان من الصعب التخلي عن هذه الفكرة .. فلربما علينا أن نقر ونعترف أن ما يحدث الأن في الشارع المصري أكبر دليل على أننا شعب مجنون وفي أمس الحاجة للعلاج النفسي !!

 

جاكي