مقالات متخصصة

"المشورة، الإرشاد/العلاج النفسي"

& Psychotherapy Counseling

ليست إلا مرادفات حديثة في مجتمعنا العربي

 

 

"ممدوح" (وهو اسم مستعار بالطبع)، شاب أعزب 26 سنة ذو جسدٍ نحيلٍ، يشكو من عدم الثقة بالنفس والخوف من الناس،

فيقول لك بالتحديد:

"عندما أمشي في الشارع، وبالأخص في ساعات النهار، شعري بيقف كله لفوق ويطوَل بشكل بشع حتى وهو قصير. شعري خشن، شكله وحش وفي الشمس بيقف كأنه متكهرب. بيقف فعليًا ويطوَل صدقني، زي الشوك! وبأبقى خايف لأن الناس بتبص عليّ وعنيهم كلهم عليّ وعلى منظري البشع. بأبقى عايز الأرض تنشق وتبلعني. بأجري في الشارع عشان أروح بسرعة. ذهابي للشغل ورجوعي منه كل يوم رحلة عذاب بسبب الوقت اللي بأمشيه في الشارع والناس بتبص عليّ وأنا شعري واقف. عايز أستعمل كرياتين (نوع من أنواع المعالجة الكيميائية للشعر)، بس معيش فلوس. مرتبي بتاع الحكومة على قدي ونصه بيروح للجمعية اللي ماما مدخلاني فيها. ده إذا فضلت في الشغل أصلاً، أنا حاسس انهم هيرفدوني من كتر الغياب. أصل أنا أيام كتير مش بأقدر أروح الشغل عشان بأبقى خايف أمشي في الشارع من شكلي. لو بس قدرت أجيب 3 ألاف جنيه، هأعمل كرياتين، هو ده الحل. ساعتها هأقدر أمشي في الشارع كويس وأبقى واثق في نفسي. مفيش حل تاني غير كده. رغم إني مش ضامن إن حتى الكرياتين هينفع في تحسين منظري في الشمس. شعري هو السبب."

ماذا تفعل لو أتى إليك ممدوح طالبًا مساعدتك في مثل شكواه المؤرقة هذه؟ هل ستتناول حالته، أم سترسله لطبيب نفسي أم ماذا؟ هل تعتقد أن هناك من يقوم بالمشورة والعلاج النفسي، ويستطيع أن يساعده أم أن الطبيب النفسيPsychiatrist  وحده

هو المُختص بالتعامل مع مثل هذه الحالات.

بالطبع لابد وأن يذهب ممدوح إلى المشير، المعالج/المرشد النفسي أولاً، على عكس ما قد نعتقد ربما – أو عكس ما هو جاري حاليًا، وسوف نفهم ذلك جيدًا مع نهاية الدراسة،ولا يُشترط أن يكون هذا المشير، المعالج/المرشد النفسي طبيبًا بالأساس. فهل الطبيب، والمشير/المعالج/المرشد النفسي شخصان مختلفان يمارسان عملان مختلفان؟ وإن كان الأمر كذلك، فما الفارق بينهما إذن؟

لهذا السبب وجدت أنه من الهام جدًا قبل البدء في هذه الدراسة أن نتعرض مباشرة لبعض لتلك المفردات الاصطلاحية والتعريفية المتكررة عن معنى المشورة والإرشاد أو العلاج النفسي، والتي علينا أن نضعها في نِصابها الصحيح،

خاصة مع تزايد الالتباس والتخبط في مجتمعنا العربي (والمصري بالأخص)، بشأن تلك المفردات، وظهور العديد من الهواة والمنتحلين لهذا العلم وتقديمه بصور تجارية مبتذلة لا تخلو كثيرًا من الدجل بالأخص مع مطلع هذا القرن (الـ21).

 

أولاً: تعريفات فنية ونقاط توضيحية هامة (7 نقاط)

 

  1. "المشورة Counseling، الإرشاد/العلاج النفسي Psychotherapy"

ليست إلا مترادفات لفظية لممارسة حديثة نسبيًا (لم تتجاوز الـ100 سنة بعد)، حيث لفظة "المشورة" هي ترجمة جوجل لكلمةcounseling ، والتي يترجمها الكاتب هنا (المقال المرفق) د. ماهر محمود عمر (الحاصل به على كتوراه الفلسفة في التوجيه والإرشاد النفسي، جامعة ميتشيجان) إلى "الإرشاد" في عنوان كتابه الاختصاصي إلى "الإرشاد والعلاج النفسي" عام 1987، لدى اصداره لكتابه المبكر هذا.بينما ترجمها د. محمد أحمد غالي (Phd) "الاستشارة" في ترجمته لكتاب كارل روجرز (الأب الروحي للسيكوثيرابي) Counseling and psychotherapy 1942، "الإستشارة والعلاج النفسي"

والذي بحسب الدارسون، لم يُوجد به فارق واحد يَدُّل أنه يتحدث عن ممارستين مختلفتين.

  1. كيف تحول "علم المشورة"، "الإرشاد/العلاج النفسي" في مصر من كونه علم معمليEmpirical إلى مجرد اجتهادات وتأويلات، بحيث يمكن أن يقول الاختصاصي جملة مثل: "حسب ما أنا فاهم، فالأمور هكذا" أو "أنا، كمعالج، شايفها كده" - أو "أنا رأيي إنها هكذا"، فبدلاً من أن يتحتم عليه أن يسير في خطى أحدث ما وصل له العلم التجريبي بواسطة الـScholars العلماء والباحثين في علم النفس، نجده يتخطى كون "علم المشورة والإرشاد/العلاج النفسي" هو الممارسة أو التطبيق العلاجي المبني على علم أكاديمي هو "علم النفس Psychology"، ويحوله إلى اجتهاد وتأويل شخصيّ!!

رغم أن العلماء Scholars والباحثين Researchers، وليس حتى المشيرين/المعالجين Counselors/ Therapists،

هم فقط من لديهم هذه القدرة والإمكانيات ليخرجوا بنتائج علمية معملية  Empirical مدروسة من البحث العلمي ليقوموا بتطبيقها على البشر، والمشيرين/المعالجين Counselor يجب عليهم فقط أن يكونوا دارسين مجتهدين، ومتمرسين/

مستخدمين جيدين وحساسينexperienced  ذوي خبرة، للعلم والمعرفة (لا إقلال من شأنهم على الإطلاق في هذا).

وسوف نرى لاحقًا في هذه الدراسة أمثلة عديدة للفارق بين الباحث Researcher أو العالم Scholar، وبين المشير/المعالج Counselor/Therapist (مقياس تروكس لقياس التعاطف/المواجدة لدى المشيرين -والذي سيحدثنا عنه كارل روجرز

تجارب "سولومون آش"، أو "ميري أينسورز"، "فيليب زيمباردو".. إلخ)

لكن لماذا تحول العلاج النفسي في بلد كـ"مصر" إلى "اجتهاد" (كلٍ يدلو فيه بدلوه

أ: لأن هذا العلم، علم النفس Psychology، كعلم تجريبي، غير متاح باللغة العربية، حتى الآن.

ب: أن طبيعة الشخصية المصرية، كما سنتعلم فيما بعد غير متوافقة مع المباديء العلمية التجريبية، بل التواكلية والقدرية.

وإذا تغَّيب العلم والقانون فكل شئ ممكن.

هنا تكمن حتمية استخدام اللغة الإنجليزية، وكل من هو غير مُعتاد على اللغة الإنجليزية عليه أن يتعلمها أولاً قبل دراسة هذا العلم غير الموجود في العربية.

  1. إذن "المشورة، الإرشاد/العلاج النفسي" كما فهمنا الآن هي إحدى تطبيقات علم النفس، المختص بالمعالجة (الإكلينيكية/السريرية clinical) للأفراد، بمعنى أن هناك تطبيقات أخرى لعلم النفس، كالبحث العلمي Scholar/Researcher، وعلم النفس الصناعي، وإدارة الموارد البشرية، وعلم النفس الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
  2. "علم النفس Psychology" أمر يختلف تمام الاختلاف عن "الطب النفسي Psychiatry" (أنظر المقال المرفق)،

و"المشير Counselor، المعالج/المرشد النفسيTherapist " يختلف تمام الاختلاف عن "الطبيب النفسيPsychiatrist ".

من الشائع جدًا في الغرب (دائمًا سأقول في الغرب كمرجع قياسي نظرًا لعدم وجود هذا العلم هنا بعد، دون اعتبار ذلك إساءة، فهم ليسوا أفضل منا بالتأكيد، لكن فقط هم قد سبقونا في هذا المجال) أن يقوم الطبيب النفسيPsychiatrist  بدراسة العلاج/الإرشاد النفسي Psychotherapy  بجانب الطب النفسي أيضًا ليتمكن من ممارسة كليهما.

  1. لممارسة "المشورة Counseling، العلاج/الإرشاد النفسيPsychotherapy " (في الغرب) لابد من الحصول على تدريب عملي Internship (أشبه بفترة الامتياز/النيابة لدى الطبيب البشري) بعد إنهاء الدراسة النظرية لعلم النفس، وذلك للحصول على رخصة خاصة للممارسة. بعدها يُسمى الممارس بـ"المعالج النفسيTherapist " أو مشير اكلينيكي Clinical Counselor.

ملحوظة: مفيش مشير مش إكلينيكي - مفيش حاجة اسمها "مشير نفسي". أرجو من كل من يكتب عن نفسه هكذا إنه يفكر مرة أخرى لأن التغيير في هذا المجال قادم والالتفاف "الفهلوة المصرية"، ربما لن تستمر كثيرًا بعد تحوله لترند تجاري ضخم،

والموافقة المبدئية لمجلس النواب العام الماضي 2020 على مشروع القانون المقدم من الحكومة، بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسي. بالطبع أتوقع أن تُوجِد "الفهلوة المصرية" البديل المتحايل سريعًا،

لأن هناك كمية أموال ضخمة تُضخ في هذا المجال. وللأسف، البديل/الخيار القانوني الوحيد أمام الفرد، حتى الآن -حسب نص تعديل القانون-

هو التخرج من كلية الآداب قسم علم النفس الإكلينيكي، ثم وأن يكون عضوًا عاملًا أو منتسبًا في رابطة الاخصائيين النفسيين أو بأحدى جمعيات العلاج النفسى أو هيئاته المعترف بها في مصر أو الخارج والتي تقرها اللجنة، وأن يجتاز تدريبًا أكاديميًا وعمليًا تعتمده اللجنة وفقًا للضوابط الإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون، وأن يجتاز المقابلة والاختبار الذين تنظمهما اللجنة ("لجنة تنظيم مهنة العلاج النفسى لغير الأطباء النفسيين" برئاسة رئيس الإدارة المركزية للطب العلاجي")، وفقًا للقواعد والضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون، وأن يطلب من المريض النفسى عرض نفسه على الطبيب النفسى إذا طرأت عليه أعراض جديدة غير التى أثبتها الفحص من قبل بمعرفة الطبيب النفسى، للتثبت من حقيقة الأغراض وسببها، ولا يجوز له أن يستمر في العلاج النفسى إلا بعد موافقة الطبيب النفسى.

إذن، نعود ونقول، أنه لممارسة "المشورة Counseling، العلاج/الإرشاد النفسي Psychotherapy " (في الغرب، الذي ولابد أن نتعلم منه لابد من الحصول على تدريب عملي Internship (أشبه بفترة الامتياز/النيابة لدى الطبيب البشري)

بعد إنهاء الدراسة النظرية لعلم النفس، وذلك للحصول على رخصة خاصة للممارسة. بعدها يُسمى الممارس بـ"المعالج النفسيTherapist " أو مشير اكلينيكي Clinical Counselor. )مفيش مشير مش إكلينيكي - مفيش حاجة اسمها "مشير نفسي"، ناهيك عن "استشاري العلاقات"، وغيرها من العناوين Titles الجديدة). حيث لا تجري الأمور كما هي عليه في مصر حتى الآن، فلا يستطيع أي دارس لعلم النفس أو حتى الطب النفسي في الغرب أن يمارس مهمة العلاج النفسي

ويساعد شخصًا آخرًا مساعدة علاجية/مشورية بدون فترة التدريب العملي هذه – مفيش حاجة اسمها: "واخد المشورة").

ولا تتوافر فترة الدراسة العملي هذه بسهولة في أي كلية تعلم المشورة/العلاج/الإرشاد النفسي في الغرب، كما لا تتوافر في أي كلية مصرية (حسب علمي، لحظة كتابة هذه الكلمات)، ولا حتى بالجامعة الأمريكية بمصر، فهذا يتطلب جامعات معتمدة/مقبولة من جهات اعتماد accreditation خاصة مستقلة عن الوسط الأكاديمي نفسه (في أمريكا: جمعية علم النفس الأمريكية  American Psychological Association (APA)لضمان الحيادية والسلامة المهنية، وجهة الاعتماد هذه لا بُدّ وأن تكون على مستوى عالٍ من الاحترام، بحيث تكون قادرة على اعتماد المتدرب المحايد، ومن ثمَ مَنحُه رخصة مقبولة بالولاية التي يعمل بها لمزاولة العلاج النفسي (يُعاد تجديدها بمتطلبات معقولة كل 3 سنوات). وعادة يُطلب أثناء فترة التدريب هذه القيام بـ 3000 – 5000 جلسة  مشورية/إرشادية/علاجية، تحت الإشراف المباشر، في أي عيادة أو مستشفى. وهذا الاعتماد هو ما لا تستطيع تحقيقه أي كلية في الغرب.

  1. علم المشورة، كما قلنا، للأسف، غير مُتاح باللغة العربية كعلم نظامي Systematic –رغم تطور حركة الترجمة في هذا المجال، إلا أنه شأنه في ذلك شأن معظم العلوم، كالطب، والصيدلة،.. وغيرها (وهو أحدثهم، 100 سنة فقط حتى الآن).

وقد قام قسم الصحة النفسية بكلية التربية، جامعة عين شمس، بالقاهرة بمحاولة لمقاربة هذا العلم (علم المشورة، الإرشاد/العلاج النفسي) بدءًا من أواخر تسعينات القرن الماضي – نظرًا لقصور أقسام "علم النفس" بكليات الآداب

(والتي من المفترض أن تكون هي المسؤول الأول عن هذا العلم)، فأسس دراسة تُسمى "الدبلومة المهنية للإرشاد النفسي

(حسب ترجمتهم لمصطلح Counseling)"، وافتتح مركزًا علاجيًا للإرشاد النفسي Counseling Center، لكن للأسف لم يقدموا ما يختلف كثيرًا عما قدمته أقسام "علم النفس" بكليات الآداب من قبل. هذا علاوة على المحاولات الرائدة للأستاذ د. يحى الرخاوي القرن الماضي لتأسيس قسم للسيكوثيرابي تابع للطب النفسي بجامعة القاهرة.

  1. في وقت ليس ببعيد في الغرب، أخذ المجتمع المدني من خلال الجمعيات الأهلية والتجمعات المحلية، والمجتمعات الدينية كذلك، أخذ على عاتقه مهمة تطوير نموذج للمساعدة المشورية يكون أكثر مرونة وإتاحة وأقل تقيدًا بالقوانين الحِرفيّة professional والنقابية لمساعدة المحتاجين في دوائرهم المحلية، وليكون (نموذج تطوعيّ/مجانيّ لتفادي نفقات العلاج الباهظةوأيضًا لتوفير الاستعداد الفوري للتعامل مع الصدمات أثناء وقوع كوارث طبيعية أو غير طبيعية غير متوقعة، وللأسف، لم ينجو ذلك النموذج، في مصر، أيضًا من التكالب والارتزاق، رغم أنه تم تطويره ليكون تطوعيّ/مجانيّ (أمر مؤسف جدًا)!!

أُطلق على هذا النموذج اسم "المشورة العامّية Lay Counseling"، وهو نموذج ناجح جدًا في توفير نوعًا من المساعدة المشورية (بالتحديد سُميت "تدعيمية Supportive") من شخص لا يحمل رخصة معالِج نفسي paraprofessional

ولكن مُدرب للتعامل مع المشكلات النفسية في حالة عدم توفر معالج/أخصائي نفسي therapist. وربما هذا أكثر نموذج ينطبق على الخدمات المشورية المُقدمة بمجتمعنا المصري سواء على الصعيد الديني أو الصعيد العلماني، نظرًا لعدم وجود كليات وتدريب حقيقي متطور على العلاج النفسي بعد في مصر. وعادة ما تعتمد مساعدة المشير العامّيّ Lay Counselor

على تقديم الإصغاء الجيد والمواجدة والدعم للمحتاجين في أزماتهم.

يقول مؤلف كتاب "العلاج النفسي التدعيمي Clinical Manual of Supportive Psychotherapy"، عن هذا المشير العاميّ Lay Counselor، أنه

"يقوم بالدور الإيجابي النشط والتوجيهي لمساعدة المستشير ورفع كفاءة قيامه بوظائفه النفسيه وزيادة مهاراته في مجابهة مشكلاته التي يصارع معها....،

وذلك لتحقيق الأهداف التالية:

أ‌.   تنمية العلاقة التدعيمية بينه وبين المستشير.

ب‌.  تخفيف معاناة المستشير ودرجة اضطراب سلوكه.

ت‌.  تحرير المستشير من قيود اضطرابه النفسي لأقصى درجة ممكنة.

ث‌.  منح المستشير أكبر قدر ممكن من حرية اتخاذ القرارارت الخاصة بعملية المشورة والمعالجة.. مع منح المستشير المحبة والاهتمام الصادق وتجنب إدانته عند الفشل."

يقول د. إيفرت ورثنجتون وهو أخصائي نفسي:"إن أغلب المشورة التي تقدم فعليًّا، تقدم عن طريق أناس عاميين أو غير متخصصين."

علاوة على أنه قد وجدت العديد من الدراسات أن المشير العامّيّ Lay Counselor في بعض الحالات أكثر فاعلية من المساعدة التي يقدمها الأخصائي (لأسباب: الإتاحة، والثقة، والمجانية).

وهذا في حد ذاته يجيب عن سؤال: لماذا ندرس هذه الدراسة طالما لن توفر ليّ رخصة عمل في هذا المجال؟

أنا أؤمن بهذا النوع من المساعدة، رغم إني أتبع –قدر الإمكان- أعلى مستويات وأنظمة التدريب، بل وقوانين المهنة، التي تعلمتها من الغرب. إلا إني  شخصيًّا أؤيد هذا النوع من المساعدة لسبب المجانية، وأقف بقوة ضد تحوله، الحادث في مصر حاليًا، إلى مصدر رزق، بالأخص ونحن في مجتمع أغلبه يعيش تحت مستوى الفقر، ويحتاج أن يجد الدعم وأن يتعلم أيضًا العطاء المتبادل بين أفراده بعضهم للبعض (ولهذا نحن نقدم خدماتنا مجانيًا بالتمام، ونعتمد على تبرعاتكم لدعمنا كي نستمر هكذا.

أود أن أختم هذا الجزء بالاقتباس التالي لكارل روجرز:

"إن النصابين والمستغلين واللصوص الذين يحملون شهادات يعادلون في العدد أولئك الذين لا يحملونها.

(ملاحظة هامة: إن النصابين موجودين في كل الأوساط، الأكاديمية والعامية، على حد سواء. في الغرب الغني، كما في الشرق المُحتاج، في ستينات القرن العشرين –وقت كتابة روجرز هذه الكلمات، وفي القرن الـ21)

يستأنف روجرز قائلاً: "دعوني أسألكم هذا السؤال الشخصي: لو كان لك صديق حقيقي يحتاج لمساعدة علاجية وأعطيتك اسم معالج يحمل شهادة في علم النفس دون أي معلومات إضافية.. فهل سترسل صديقك إليه (لمجرد أنه معالج نفسي متخصص)؟ بالطبع لا.

ستريد أن تعرف من هو كشخص وكمعالج، فأنت تدرك أن ثمة العديد ممن يحملون الدبلومات ويعلقونها على جدران مكاتبهم وهم لا يصلحون لممارسة المهنة ولا لقيادة مجموعة علاجية ولا للمساعدة في حل مشاكل زواج. الشهادة لا تعني الكفاءة (النجاح في العلاج النفسي/المشورة).. علينا مواجهة حقيقة أنه عندما نتعامل مع البشر فإن الشهادة لا تعني المؤهل الحق."

أرجو ألا نفهم أن هذه دعوة لعدم الدراسة! ما يقوله روجرز، أنه كما أن هناك النصابين والمستغلين واللصوص من حاملي الشهدات العُليا، هناك أيضًا الأمناء والمستقيمين.. وهؤلاء هم من يجب أن يسعوا للدراسة والتخصص، لتقديم المساعدات المُخلِصة للمجتمع.

  

ثانيًا: توضيح مختصر عن الفرق بين

ما تتعامل معه المشورة، العلاج/الإرشاد النفسي بالأساس

وما يتعامل معه الطب النفسي في مصر،

(حيث لم يعد هذا قائمًا بعد في الغرب)

 

حتى الآن، يتعامل الطب النفسي في مصر مع ما اصطُلِحَ على تسميته في بدايات القرن الـ20 بـاسم "الذهان psychosis"، أو مجازًا "الاضطراب العقلي"، في مقابل ما كان يُسمى بالـ"عُصاب Neurosis" أو مجازًا الاضطراب النفسي، (هنشرحهم حالاً) وفي مقابل أيضًا ما لازال حتى الآن يُسمى، باضطرابات الشخصية Personality disorders. إذن، حتى الآن، يتعامل الطب النفسي في مصر مع ما يُسمى بالـ"ذهان psychosis" سواء كان هذا الاضطراب دائم أو عارض (مثلما يحدث بسبب تغيرات هرمونية معينة في الجسم عقب مرض أو حادث مافالذهان psychosis هو خلل كيميائي يحتاج إلى تدخل دوائي، قد يرجع لأسباب بيولوجية (مثلما في إساءة استخدام بعض العقاقير Drug-Induced Psychosis أو المخدرات Substance-Induced Psychosis) أو يرجع لأمراض أو إصابات معينة بالجهاز العصبي (مثل أورام أو أمراض دماغية مثل بعض أنواع الصرع Epilepsy، أو التصلب المتعدد Multiple Sclerosis، الزهايمر والخرف Dementia، أو باركنسون Parkinson’s Disease)، أو يرجع لاستعدادات وراثية/جينية فعّلتها عوامل بيئية سيئة، والتي رغم تعامل المشورة مع تأثيرات ونتائج هذه العوامل، إلا أنه يبقى الذهان psychosis -طالما تم تشخيصه- يحتاج إلى التدخلات الدوائية من خلال الطبيب النفسي بالأساس بجانب المشورة.

وأشهر الأمراض الذهانية وأكثرها انتشاراً، هو الفصام (أي، الشيزوفرانيا  Schizophrenia) ، والهوس Mania، والاكتئاب ثنائي القطب Bi-Polar.

مع تطور العلوم النفسية بالنصف الثاني من القرن العشرين، أصبح من غير الممكن الاستمرار في هذا التصنيف القاطع بين ما يُسمى بالـ"ذهان psychosis"، وما يُسمى بالـ"عُصاب Neurosis" في تصنيفات الاضطرابات النفسية Mental disorders، على الرغم من استمرار ما يُسمى باضطرابات الشخصية Personality disorders أمرًا متمايزًا.

على أي أساس يتم تقرير وتعديل تصنيفات الاضطرابات النفسية Mental disorders ؟

يتم ذلك بناءًا على نوعين من الكتالوجات الضابطة لهذا الأمر (يجري دائمًا السعي للتطابق بينهما):

  • International Classification of Diseases (ICD 10) 1992, WHO منظمة الصحة العالمية . (ICD 11 comes into effect on 1 January 2022)
  • الأشهر طبعًا Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-5) APA الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين 2000.

من أشهر ما حدث في الإصدار الثالث (1974) أن تم في تنقيحه لعام 1987 حذف الجنسية المثلية كاضطراب نفسي على اعتبارها تنوع جنسي طبيعي.

جوانب الأعراض السبع التي كانت تشكل وتميز اضطرابات الذهان Psychosis وتجعل التدخل الدوائي ضرورة لها:

  • تغير في الوظائف البيولوجية لوقت طويل نسبيًا: النوم - الأكل - العلاقة الجنسية.
  • تغير فى المزاج Mood :

تبلد الشعور وجمود الانفعالات أو عدم ملائمتها مع الموقف مثلما في الفصام/ الشيزوفرانيا Schizophrenia، أو تطرفها وتقلبها في حالة أخرى، مثلما في الاكتئاب الهوسي ثنائي القطب Bipolar ، حيث تتقلب المشاعر ما بين الانشراح الشديد والاكتئاب الشديد.

3- اضطراب الفكر والكلام:

أولاً: الكلام، من جهة الكم (كثير بلا توقف أو العكس)، السرعة، الترابط، أو اضطراب محتوى الكلام، على أن يكون ذلك بطريقة مبالغ بها أو ملحوظة.

ثانيًا: الأفكار، من جهة عدم الترابط، عدم القدرة على التجريد (إدراك المعاني المجردة والاستعارات البلاغية في اللغة اليومية، بطريقة مبالغ بها أو ملحوظة، كأن يعتقد الشخص بأن هذا ما سيحدث حرفيًّا حين يقول له شخص آخر: "هاقطعك"). أيضًا سوء البصيرة وسوء التأويل الواضح وسوء الحكم على الأمور بطريقة مبالغ بها أو ملحوظة.

كذلك الأفكار الاستحواذية والدائرية (التي تكرر نفسها باستمرار بلا توقف). كذلك الهذاءات/الضلالات Delusions:

حيث الضلالة هنا تعني اعتقاد فكري خاطئ راسخ غير قابل للنقاش ولا يتغير، على ألا يكون مرتبط بالبيئة مثل المعتقدات الغيبية الخرافية الخاصة ببعض الثقافات، أو المعتقدات الدينية، فهو يختلف عن الأخطاء الفكرية لدى الإنسان. وأخيرًا، أفكار بارانوية Paranoid Thoughts، وأنواعها: عظمة Grandiosity (الإحساس بالعظمة الشخصية) - اضطهاد (الإحساس بالاضطهاد من الآخرين) – المؤامرة (الإعتقاد بوجود مؤامرة) – شك وتخوين - حب (وهمي) – ذنب (تخيلي). 

  • اضطراب الإدراك/الاستقبال Perception، ويظهر في هلاوس Hallucinations في أي من الحواس الخمس (هلاوس سمعية Auditory Hallucinations، مرئية Visual Hallucinations (كأن يقول المريض أنه يرى الله/ملائكة/أشخاص غير موجودين، أو يسمعهم يتحدثون إليه)، شميّة Olfactory Hallucination (كاشتمام رائحة البخور/الميتين)، أو تختص باللمس Tactile Hallucinations (كأن يقول المريض: فيه نمل/شياطين تحت جلدي)، أو التذوق Gustatory Hallucinations.

وتنتُج الهلاوس عن خلل كيميائي في المخ يؤدي إلى اضطراب في أي من مراكز استقبال الحواس الخمس بالمخ مما يجعل هذا المركز يستقبل إشارة لم ترسلها العين أو الأذن (على سبيل المثال) بالفعل، فالمريض يسمع أو يرى بالفعل أصوات غير موجودة في الحقيقة، وهو لا يكذب أو يتخيل بشأنها بل أن مركز السمع أو الرؤية بمخه يستقبل هذه الإشارات بالفعل دون وجود منبه/مثير فعليّ Perceiving without stimulus (بما أشبه بما كان يحدث في أخطاء التلغراف قديمًا بين الإرسال والاستقبال).

  • تغير في السلوك، ووجود أي سلوك غير طبيعي أو غير مألوف لهذا الشخص بالتحديد:

 الحركة (سرعة أو بطء الحركة)- المَلبس (إهماله أو الاهتمام المُبالغ به) - تعبيرات الوجه (غير معبرة عن الواقع) - الانعزال عن الناس أو الشجار المتكرر مع أشخاص كثيرين - التدهور في العمل أو الدراسة - سلوكيات وسواسية/استحواذية Obsessive قهرية (وجود سلوك مُلزم لصاحبه).

  • فقدان التلامس مع الواقع، وهو ما يبدأ بسيطًا صعبَ التمييز، لكنه شيئًا فشيئًا -إن لم يُعالج- يبدأ المصاب بالذهان في الانفصال تمامًا عن الواقع حتى يغرق في عالم وهمي.
  • اضطراب واضح في الذاكرة والتنبه والإدراك، خلاف ما يحدث عند الإصابة بتجلط الشرايين وداء ألزهايمر.

 

إذن هذا هو الفارق الأساسي بين ما يتعامل معه الطب النفسي في مصر (نظرًا للاحتياج للتدخلات الدوائية)، وبين ما كان يُصنف على أنه يحتاج إلى علاج كلامي، أي سيكوثيرابي "مشورة، إرشاد/علاج نفسي"، والذي اصطُلِحَ على تسميته في بدايات القرن العشرين بـاسم "العُصاب Neurosis" أو مجازًا الاضطراب النفسي (للتفريق بينه وبين "الذهان psychosis"، هذا التفريق الذي انعدم حاليًا)، وهو –هذا الاضطراب- ما يتعامل معه العلاج الكلامي "السيكوثيرابي"

بالإضافة إلى اضطرابات الشخصية Personality disorders، والذي لازال واقعًا بين حجري رحى الطب النفسي وعلم النفس في مصر، دون استقرار واضح بعد (والحقيقة، هو من أصعب ما يمكن العمل معه، وربما هذا يقف وراء عدم وضوح أي تخصص مسؤول عن تناوله، ولا أقول معالجته).

 

وكما فعلنا مع "الذهان psychosis" دعونا الأن، نلقي نظرة سريعة على خواص ما كان يُسمى بـ"العُصاب Neurosis"

طوال القرن العشرين، متذكرين أنه رغم توقف استخدام التصنيفات القاطعة لما هو "ذُهان Psychosis" وما هو "عُصاب Neurosis" إلا إن ذلك لم يغير خواص الاضطرابات النفسية Mental disorders هذه في الإنسان،  رغم قابليتها للتنقيح والتعديل حسب تطور الفهم العلمي بحسب ما يصدر في الـDSM الذي نأمل في نزاهته، ونزاهة العلماء القائمين عليه.

كان لفظ "العُصاب Neurosis" يُطلق على متلازمة أعراض نفسية، غير مرتبطة بأي خلل في الجهاز العصبي   Neurologyأو أي مرض عضوي، تجعل حياة الشخص أكثر كربًا وحصرًا (قلقًا وتوترًا) Anxiety وأكثر خوفًا وفقدانًا للأمان Insecurity بدرجة مُعوقة للحياة (أي الافتقار للصحة النفسية)، ولكن مع احتفاظ الشخص بسلامة قواه العقلية  Sanityوتلامسه مع الواقع. وبالرغم من أن الشخص العصابيّ Neurotic  قد يستطيع ممارسه حياته الطبيعية، كأن يتزوج ويعمل ويُنجب على خلاف الذهانيّ Psychotic، إلا أن هذا الاضطراب لابد وأن يُضعف أداء الشخص

في أغلب نواحي حياته تقريبًا ويعيقها (وهو ما يميز الشخص العُصابي عن الشخص العادي الذي يمر بمشاكل أو اضطرابات في حياته الاعتيادية)، ذلك لأن الشخص العصابيّ Neurotic يكون في حالة تعيسة وبائسة معظم الوقت. وقد نجد في بعض الأحيان أن ممارسة الشخص العصابيّ Neurotic لبعض الأمور، كالانغماس الشديد في العمل والإنجاز،

هي واجهة وقناع هروبي لما يحدث من اضطراب داخله.

كذلك يعبِّر العُصاب عن حزمة من الأعراض تعكس بالأساس الشق أو الانشطار الحادث بداخل الشخص، والصراع الداخلي Inner Conflict نتيجة وضع نفسي داخلي لا تجد له الشخصية حلاً بأي أسلوب آخر، وعدم الانسجام بين شقوق الشخصية، لذا نجد الأعراض متباينة بشدة من شخصٍ لآخرٍ حيث تلعب الفروق الفردية دورًا رئيسيًا في العُصاب.

نحتاج أن نعرف أنه في العُصاب Neurosis لا تعود الذات موحدة ومتماسكة Whole/Intact فيما بعد جرّاء هذا الاضطراب، وهذا يختلف عن مرض الفصام/الشيزوفرانيا (الذهانيّ، حسب التحديد القديم).

وبسبب هذا الصراع الداخلي وعدم التوافق والانسجام بين شقوق الشخصية تنشأ الأعراض التي تجعل من حياة الشخص العصابي Neurotic تعيسة وكئيبة. وتتمثل حزمة أعراض العُصاب في خلل جزئيّ للوظائف السلوكية للشخصية، والفكرية والعاطفية، وحتى أحيانًا الوظائف البيولوجية. ولا ينبغي أن تكون هذه الأعراض مجرد استجابة متوقعة لحدث معين (صادم) مثل وفاة أحد الأعزاء، حيث أنه يكون من الطبيعيّ حدوث بعض الأعراض العُصابية Neurotic أو حتى الذهانية Psychotic مؤقتًا كأعراض طبيعية لما بعد الصدمة Post-Traumatic Stress Disorder (PTSD)، مع الأخذ في الاعتبار أن "الصدمة Trauma" هو مصطلح علمي مُحدد وليس أي معنى بلاغي دارج. أيضًا ليس مِن المُستبعد وجود درجات مخففة من بعض هذه الأعراض في أوقات معينة لدى الشخص العادي -غير العُصابيّ- ولكن طالما لم يصل هذا إلى حد الإعاقة لا تُعتبر الحالة عُصاب Neurosis. وحتى بين الأشخاص العُصابيين نجد درجات متفاوتة في الشدة لهذه الأعراض. ويستطيع فقط الأخصائي النفسي/المعالج الفصل في تشخيص عُصابية الشخص Neurosis من عدمها.

 

ويتصف الشخص العُصابي Neurotic بحزمة من الأعراض التالية (ليست كلها دفعة واحدة، بالطبع)، وبدرجات تختلف في الشدة كما قلنا، (اعتمدت هنا بالأساس على وصف مدرسة "العلاج المعرفي/الإدراكي Cognitive" لأعراض العصاب، وعلى رأسها "ألبرت إيللس Albert Ellis" و"إرون ت. بك Aaron T. Beck"):

1- إحساس شديد التدني بالقيمة الذاتية والتقدير الذاتي low sense of self-worth/self-esteem، مصحوباً بتشكك في الذات Self-doubt وحساسية مفرطة نحو/بخصوص الذات self-consciousness وصورتها أمام الآخرين، أيضًا خجل زائد قد يصل إلى الانسحاب من الحياة.

2- التمركز حول الذات/الانحصار في الذات Self-Centralization، والشخصنة Personalization أي الإدراك الشخصي غير الموضوعي للأمور (الإدراك غير الموضوعي للأمور هو إدراك مرتبط بذات الشخص وليس بالحياة الخارجية، حيث يكون، على سبيل المثال، لدى الشخص العُصابي إدراك أنه "هو" سبب أي مشكلة تحدث، فنجده يقول لنفسه:

"أنا السبب، بيكرهوني، ماحدش بيحبني"، فنجد هنا التوبيخ واللوم المستمر للذات على أي حدث). ذلك العرّض يؤدي إلى التأويل والتفسير الشخصي والذاتي السيئ للأحداث.

3- الشعور بالتفوق والتعاظم Superiority & Grandiosity -والذي هو الوجه الآخر للإحساس بالدونية Inferiority، كما قال أدلر Alfred Adler فالشعور بالتفوق هو نفسه الوجه الآخر للشعور بالدونية والنقص، فهما وجهان لعملة واحدة.

4- الميل الزائد للسلبية والتشاؤم والحزن في الحياة، مع فترات اكتئاب متكررة، بالأخص لدى الشخصية ذات القاعدة الفطرية الحساسة والضعيفة. مع الأخذ في الاعتبار أن الشخصية التي لها قاعدة فطرية قوية، أيضًا يمكن أن تُصاب بالعُصاب، ولكن بطريقة مختلفة (مثلما نرى في الشعور بالتفوق وإدمان العمل والإنجاز).

5- التشتت والتردد واللاقرار، وفقدان القدرة على التركيز والتفكير المنطقي، وتوافر أخطاء التفكير (سندرسها لاحقًا).

6- غضب (سواء ظاهر أو مكتوم) وتهيج للأعصاب irritability، وعدوانية.

7- الجمود العملي والذهني (لاحظ أن القدرة على التعلُم هي قدرة إنسانية طبيعية، والإنسان السوي لابد وأن يكون قادرًا على أن يتَعلَّم كل يوم وفي كل الظروف). كذلك الافتقار للإبداع والابتكار Creativity، وتتجلى أهم مظاهر الإبداع والابتكار في المرونة Resilience والقدرة على تناول مشكلات الحياة. والإنسان بطبيعته التي خلقه عليها الله لابد وأن يكون مبتكرًا، لأنه قادر على الخلق والإبداع، وعندما يفقد الإنسان تلك القدرات، يُصبح مُتبَلدًا وغيرَ قابلٍ للتعلم Unteachable، ويفقد القدرة على التعامل مع المتغيرات البيئية، ويعجز عن أن يتناول معادلة حياته اليومية، وبالتالي يعجز عن تغيير أنماطه الحياتية وعن إثراء حياته الشخصية.

8- تثبط الهمة Inhibitions (الإعاقة والوهن)، والاعتمادية على الآخرين والرغبة المحمومة في إرضائهم وكسب موافقتهم وشبه استحالة في معارضتهم. وفي حالات أخرى يتصف بالطيش والتسرع والاندفاعية Impulsiveness، حيث القرار والفعل مبني على فورَة مشاعره المُندَفِعة، وليس على الفكر المُتَزن.

9- أيضًا يظهر القلق بصورة مزمنة Chronic Anxiety في شكل ميول كمالية وسلوكيات استحواذية قهرية (ما يُسمى بالوساوس القهرية؛ كوسواس النظافة والتأكد من غلق الأبواب، .. إلخ.) obsessive–compulsive disorder (OCD)، أو رهابphobias  (وهي مخاوف مرضية غير منطقية شديدة ومتواصلة من مواقف أو أجسام أو أشخاص مُعينة لا يجب أن تُحدِث الخوف، كالخوف من المرتفعات Acrophobia أو الأماكن المغلقة  Claustrophobia).

10- اضطرابات سلوكية أخرى، مثل: فرط الحذر vigilance، الاهتياج والإثارة الزائدة over excitability (فرط المشغولية والثرثرة والحركة)، أو على العكس، البلادة والخمول والكسل lethargy & inertia والتسويف والتأجيل والمماطلة في المسؤوليات والالتزامات procrastination. كذلك عدم الإتقان وضعف وسوء/رداءة الإنجاز (وهذا أمر يجب أن نعتبره غير طبيعي حتى ولو كان المجتمع الذي نعيش فيه يعتبره طبيعيًا، وذلك لأن العلم يعتبره غير طبيعي). كذلك سلوكيات جنسية متطرفة أو منحرفة. أيضًا أي شكل من أشكال الإدمان وسلوكيات تدمير الذات Self-destructiveness والإقدام على الانتحار.

11- الارتباط الدائم بواحد أو أكثر من آليات الدفاع النفسية اللاشعورية defense mechanism كحيل هروبية للتعامل مع الصراع الداخلي Inner Conflict، مع الأخذ في الاعتبار أن:

أ - لا يوجد إنسان في هذه الحياة بلا صراعات داخلية، حتى الأشخاص الأسوياء لديهم صراعات داخلية. وأحد أهم وظائف الإنسان السوي في الحياة هو أن يتناول صراعاته الداخلية.

ب- لا يوجد شخص (حتى من بين الأسوياء) لم يستخدم أحد هذه الآليات defense mechanism يومًا ما.

12- أمراض سيكوسوماتيك Psychosomatic Diseases (نفسجسمية: بدنية دون أسباب عضوية) مثل: القولون العصبي، قرح واضطربات المعدة، الإرهاق المزمن ووجع العضلات Aches & Chronic fatigue، تنميل أو ارتعاش البدن، النعاس وفقدان الطاقة المستمر.

13- في الحالات الحادة acute neurosis يظهر التمركز حول الذات والحساسية المفرطة نحو الذات self-consciousness في صور تقارب جدًا الذهان psychosis من جهة فقدان الاتصال بالواقع، إلا أنها لا تلازمه طوال الوقت كمريض الذهان، كما لا تفصله فعليّا عن الواقع، حيث تبدو للعصابي الأشياء المألوفة غريبة وشاذة ومشوهة أو غير حقيقية في بعض الأحيان unreal (كأن يشعر الشخص بأنه لن يحدث له مكروه إن عبر الشارع مباشرة أمام السيارة المسرعة، فلن يُدهس بل سيمرق من خلالها كأنها سيارة افتراضية virtual وليست حقيقية)، فيحدث تحريف أو تهويل في إحساس الشخص بأمور عادية أو حتى بأجزاء من جسمه (وهو بالضبط ما يظهر في حالة ممدوح، والتي سنتناولها بالشرح في موضع آخر). كما قد يعاني أيضاً من تخبط واختلاط ذهني disorientation في إدراكه لنفسه ولمحيطه مِن حوله. أيضًا قد يفقد القدرة الطبيعية للتحكم الإرادي في تركيزه وانتباهه وتفكيره بينما قد يصير حاد الإحساس، على غير المتوقع، ببعض المثيرات مثل نبرة صوت ما. أيضاً قد تغمره أحياناً أحاسيس الضيق الشديد (الحزن والقلق والغضب) أو الانشراح الشديد euphoria في صورة تشابه ذهان الاكتئاب ثنائي القطب bi-polar. كما قد يصل إلى الإحساس بالاقتراب من التفسخ العقلي والجنون وفقدان العقل، وهو ما لا يشعر به الذهاني Psychotic مضطرب العقل بالفعل، فالشخص الذهاني لا يكون على دراية بأنه قد فقد صحة وسلامة عقله أو حتى أنه يعاني من أي اضطراب، بينما الشخص العصابي Neurotic لديه استبصار ووعي Insight بأنه يعاني من اضطراب نفسي. ولكن على أيّ حال قد تظهر هنا الصعوبة في التفريق بين العُصاب والذهان، بين من يحتاج إلى مشورة وعلاج نفسي، ومن يحتاج إلى طبيب نفسي وعلاج دوائي. وفي بلدٍ اختلطت فيه الأمور كمصر، يذهب الفرد المسكين كممدوح، للأسف إلى الطبيب النفسي (بالطبع حين تسوء به الأحوال جدًا) دون إدراك منه أو من الطبيب لماهية ما يعاني منه المستشير حقيقةً، وبالطبع يشخصه الطبيب على أنه مريض فصامي (مريض شيزوفرانيا) إذ سيرى فيه  أكثر ما قد تدرب عليه، وهو الهلاوس والضلالات فيبدأ في وصف العقاقير التي تُعطى لمريض الشيزوفرانيا. أو على أفضل الأحوال يعطيه مضادات اكتئاب Antidepressant ومضادات قلق Antianxiety، والتي ربما فعلاً قد يحتاجها ممدوح بجانب العلاج النفسي والذي بدونه لن يحدث أي تحسن إن لم يكن قد تم خلق اضطرابات كيميائية لم تكن موجودة من الأساس نتيجة لخطأ التشخيص ووصف عقاقير ما كان يجب أن يأخذها المستشير. أرجو ألا يُفهم من حديثي هنا أني ضد الطب النفسي. كلا، على الإطلاق، بل أني أحول البعض إلى الطبيب النفسي عند الاحتياج لذلك. ولكني ضد التخبط ونقص العلم في مصر كما في أي مكان آخر. فمن المفترض أن يذهب الشخص الذي يعاني إلى المشير/ أو المعالج النفسي أولاً، وهذا المعالج النفسي هو وحده من يستطيع أن يشخص حالة المستشير ويقرر أن يحوله إلى طبيب نفسي إن شخّصه على أنه يحتاج لعلاج دوائي. وحتى في هذه الحالة فكثيراً ما يستأنف المريض/المستشير المتابعة مع الأخصائي النفسي/المشوري أثناء متابعته للعلاج الدوائي مع الطبيب، وذلك للحصول على الدعم والعلاج النفسي الذي تحتاجه حالته بالأساس بجانب الدواء. وهنا أود أن أكرر أنه لهذا السبب صار من الطبيعي جدًا في الغرب أن يدرس الطبيب النفسي علم النفس بعد دراسته لكلية الطب، على خلاف المشير/المعالج النفسي، وذلك ليكون –الطبيب- قادرًا على ممارسة المهنتين معًا، حتى صارت المهنتين واحدًا تقريبًا، رغم أن كل من المهنتين، لها نقابتها ورخصة مزاولتها المختلفتين تمامًا بعضهما عن البعض.

في حقيقة وواقع الأمر أن حالة ممدوح كانت، مجازًا – حسب التصنيف السابق- حالة عُصاب (اضطراب نفسي) مائة بالمائة، وليست اضطراب عقلي (ذهان) على الإطلاق، ولم يحتاج إلى أي علاج دوائي على الإطلاق طوال رحلة معالجته المشورية. والأعراض التي ظهرت على ممدوح هي من مظاهر الحساسية المفرطة نحو الذات Self- consciousness، وذلك لأنه كان يعاني من عُصاب حاد Acute Neurosis، ولكن من يستطيع أن يُشخص ذلك إلا الدارس الجيد لعلم النفس وليس الطب النفسي.

 

 

                                   

قل رأيك بصراحة

تعرضت للحرمان العاطفي كطفل تحت سن 15 عام

نعم - 74.3%
لا - 25.7%

Total votes: 1664
The voting for this poll has ended

خواطر وأفكار جديدة

نعمة عدم الكمال

 

جميعنا يعاني الخزي والخوف من ألا نكون كافين. نعم، الكثيرون منا خائفون من أن يدعوا نفوسهم الحقيقية ليراها الناس ويعرفوها..

مقدار ما نعرف أنفسنا ونفهمها مهمٌ للغاية، ولكن هناك شيء ضروري أكثر (لعيش حياة بكامل القلب) وهو أن نحب أنفسنا (تلك التي نعرفها)! فالعيش بكامل القلب يتمحور حول تقبل هشاشتنا وضعفنا..

رحلة العيش بكامل القلب طريق ضد الثقافة السائدة قليلاً. فالرغبة في قص قصصنا، والشعور بألم الآخرين، والتواصل الحقيقي بالعالم غير المتواصل ليس شيئًا في وسعنا فعله بنصف قلوبنا..

إقرأ المزيد...

كن من اصدقائنا